فتح ملف اغتيال الرهبان السبعة: ابتزاز فرنسي للجزائر؟

فتح ملف اغتيال الرهبان السبعة: ابتزاز فرنسي للجزائر؟

17 ابريل 2021
الصورة
جزائريون يتظاهرون ضد فرنسا، إبريل الماضي (رياض كرامدي/فرانس برس)
+ الخط -

مع كل أزمة سياسية أو اشتباك حاد بين الجزائر وفرنسا، تعود بعض القضايا المثيرة للجدل إلى واجهة النقاش والطرح. ففي خضم الأزمة الجديدة التي أدت إلى إلغاء زيارة كان مقرراً أن يقوم بها رئيس الحكومة الفرنسية جان كاستيكس إلى الجزائر، السبت الماضي، أعادت صحف فرنسية طرح قضية اغتيال الرهبان الفرنسيين السبعة في دير تيبحرين في منطقة المدية، 120 كيلومتراً جنوبي العاصمة الجزائرية، والتي تشكك أطراف فرنسية بمسؤولية الاستخبارات الجزائرية عنها، بطريقة توفر دعماً سياسياً واضحاً لحركات جزائرية تنشط في الخارج، تركز في الفترة الأخيرة على مهاجمة جهاز المخابرات والجيش.

استندت "لوفيغارو" لشهادة كريم مولاي، الذي أشار إلى تورط مباشر لجهاز الاستخبارات الجزائرية في حادث اغتيال الرهبان

وبعد سبع سنوات من آخر نقاش قضائي فرنسي جزائري حول القضية، وثلاث سنوات من إقامة الفاتيكان مراسيم تطويب الرهبان السبعة في الجزائر، تعود الصحافة الفرنسية مجدداً إلى إثارة القضية، ضمن سياق أزمة لافتة بين البلدين ما فتئت تتصاعد في الفترة الأخيرة. صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية نشرت تقريراً جديداً عن القضية، عادت من خلاله إلى شهادات عملاء سابقين في جهاز المخابرات الجزائرية، قدموا فيها رواية مغايرة للرواية الجزائرية لطريقة خطف مسلحين للرهبان السبعة واغتيالهم. واستندت الصحيفة إلى شهادة العميل السابق للمخابرات كريم مولاي، الذي طلب اللجوء السياسي في بريطانيا في 2001، أدلى بها عام 2012، وأشار فيها إلى تورط مباشر لجهاز الاستخبارات الجزائرية في حادث اغتيال الرهبان، وأعفى الجماعة الإسلامية المسلحة من المسؤولية. وزعم أن بيان تبني الجماعة للمسؤولية أعد في مقر المخابرات، وأرسل إلى الصحف لنشره، وأن قائد الجماعة جمال زيتوني، وهو ضابط سابق في الجيش كان يعمل لدى المخابرات، لافتاً إلى وجود مجموعات مسلحة تعمل لصالح جهاز المخابرات.

وزعم مولاي أن السلطات الجزائرية انتقمت من الرهبان السبعة بتلك الطريقة بسبب تقديمهم الإسعافات للإرهابيين، وكذلك لدورهم في عقد مؤتمر روما الذي جمع قيادات بارزة في المعارضة، بينهم الزعيم حسين أيت أحمد والرئيس السابق أحمد بن بلة وشخصيات إسلامية، لصياغة حل سياسي للأزمة الجزائرية، وكذا لرفضهم مغادرة المنطقة. وزعم تقرير الصحيفة أنها استندت إلى استنتاجات التقرير الجيني، وأن هناك اختلالات واضحة في الرواية الجزائرية حول ظروف مقتل الرهبان السبعة. وخلصت إلى إمكانية وصول القضية إلى "فضيحة دولة".

وتعود القضية إلى ليلة 26 - 27 مارس/ آذار 1996، عندما اختطفت مجموعة مسلحة الرهبان الفرنسيين السبعة من كنيستهم "سيدة الأطلس" في منطقة تيبحرين في ولاية المدية، غير بعيد عن العاصمة الجزائرية، وهم الأب لوك وكريستوف وبول وسيليستان وبرونو وميشال والأب كريستيان، وكانوا قد رفضوا مغادرة كنيستهم رغم تهديدات الجماعة الإسلامية المسلحة التي كانت تهدد بقتل كل أجنبي غير مسلم يبقى على التراب الجزائري بعد 31 ديسمبر/ كانون الأول 1993. قبل أن يتم العثور على جماجمهم عند مدخل مدينة المدية، في 30 مايو/ أيار 1996، فيما لم يتم العثور حتى الآن على جثثهم. وتبنت الجماعة الإسلامية المسلحة العملية في بيان لها، نشرته في 21 مايو 1996 بقيادة الإرهابي جمال زيتوني، الذي قتل بعد شهرين من ذلك، في يوليو/ تموز 1996، واعتبرتها رداً على التعاون الأمني بين فرنسا والحكومة الجزائرية في تلك الفترة.

وتوحي هذه التطورات الإعلامية والسياسية بأن العلاقات بين الجزائر وباريس تقترب فعلياً من نقطة التأزيم الحقيقي. ومن الواضح أن إعادة إثارة الصحف اليمينية في فرنسا لقضية الرهبان، لا تنفصل عن سياق من الخلافات السياسية الأخيرة التي برزت بين الجزائر وباريس، على خلفية عدد من الملفات الخلافية، ليس أقلها ملف الذاكرة والتاريخ بعد رفض الجزائر لمعالجة "قطرة قطرة" للملف، واتهامها لباريس بالمماطلة في الإقرار الكامل بجرائم الاستعمار الفرنسي، إضافة إلى ملف الناشطين والمعارضين الجزائريين الذين تحتضنهم فرنسا، وتعتقد الجزائر أن بعضهم يقع تحت تأثير مصالح الاستخبارات الفرنسية ويهاجم الجيش والأمن الجزائري بتوجيه من باريس. يضاف إلى ذلك الانحياز الفرنسي لصالح الطرح المغربي في قضية النزاع حول الصحراء، خصوصاً بعد إعلان حزب الرئيس إيمانويل ماكرون "الجمهورية إلى الأمام" فتح مكتب تمثيلي له في منطقة الداخلة وهي محل نزاع.

وفي السياق، يعتقد المحلل السياسي مدير تحرير شبكة "أخبار الوطن" رياض هويلي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن "عودة الصحف الفرنسية إلى موضوع اغتيال رهبان تيبحرين، يدخل في سياق التوتر الجزائري - الفرنسي الأخير، على خلفية إلغاء الجزائر لزيارة كاستيكس". ويضيف "ثمة ملفات تسودها الضبابية بين البلدين، تلجأ إليها الحكومات الفرنسية لتوظيفها ضد الجزائر، سواء في محاولة لاضعاف الموقف الجزائري أو لانتزاع مزايا قد تكون استثمارات أو مواقف غير مستحقة". ويلفت إلى أن هناك تلمساً واضحاً من قبل السلطات في باريس لوجود تغير في خط السلطة السياسية في الجزائر منذ اندلاع الحراك الشعبي. ويتابع "رأينا بيان الخارجية الفرنسية المنزعج من تصريحات المتحدث الرسمي باسم الحكومة عمار بلحيمر حول تحركات السفير الفرنسي بالجزائر، وكيف هدد بلحيمر بإمكانية اللجوء إلى إجراءات لتصحيح الوضع. هذا الموقف الصريح للحكومة الجزائرية مقارنة بالحكومات السابقة، يعني أن الفريق الحاكم اليوم في الجزائر بعد الحراك، لم يعد يقبل بالنفوذ الفرنسي الذي ظل يعتقد أن الجزائر سوقاً امتيازية لفرنسا". ويتوقع هويلي أن يستمر التوتر في الوقت اللاحق، خصوصاً بسبب وجود ملفات الذاكرة، وكذا ملفات إقليمية، تتباين فيها المواقف بين الجزائر وباريس، كالنزاع في الصحراء ومالي وليبيا.

رياض هويلي: هناك تلمس فرنسي واضح لوجود تغير في خط السلطة السياسية في الجزائر منذ اندلاع الحراك الشعبي

تشير هذه التفسيرات السياسية إلى أن باريس تحاول استغلال ملفات ذات صلة بالأزمة الدامية التي عصفت بالجزائر في تسعينيات القرن الماضي، وتعقيداتها الأمنية، لابتزاز ومناوشة الجزائر، في ما يشبه التهديد بإثارة مزيد من الجدل والنقاش المحلي والدولي حول الدور الحقيقي لأجهزة الأمن الجزائرية في الأزمة الأمنية، وهو ملف ظل أيضاً محل استغلال في الصراع السياسي الداخلي في الجزائر، وتم طيه بفعل قانون المصالحة الوطنية الذي صدر عام 2005.

ويعتقد متابعون لتطور ملف العلاقات بين الجزائر وباريس أن إثارة باريس لملف بالغ الحساسية بالنسبة للجزائر، والتشكيك في مسؤولية جهاز المخابرات، يمثل بكل وضوح دعماً كبيراً لحملة تقودها حركات جزائرية تتمركز في الخارج، ولها وجود لافت داخل الحراك الشعبي، أبرزها حركة "رشاد"، التي وصفها بيان المجلس الأعلى للأمن في الجزائر بأنها قريبة من مرجعية الإرهاب، وحركة "ماك"، التي وصفها البيان نفسه بالانفصالية لمطالبتها بانفصال منطقة القبائل، واللتان تركزان في الفترة الأخيرة على مهاجمة جهاز المخابرات وكل أجهزة الأمن، وتقف وراء شعارات حساسة رفعت في التظاهرات الأخيرة للحراك.

وبالعودة إلى قضية ظروف وملابسات اغتيال الرهبان السبعة، فإن السلطات الجزائرية حاولت بعد عام واحد من نشر رواية كريم مولاي، دحض الرواية التي قدمها، عبر وثائقي بثته قناة فرنسية. ففي مايو 2013 نجح فريق صحافي جزائري في إنجاز فيلم وثائقي لصالح القناة الفرنسية الثالثة، ومدته 62 دقيقة، بعنوان "عذاب الرهبان السبعة لتيبحرين"، استعرض تفاصيل خطف واغتيال الرهبان الفرنسيين. وتضمن الوثائقي سلسلة من الشهادات لكبار قيادات الجماعة المسلحة وعناصرها الذين كانوا على صلة بعملية الخطف والقتل، أكدوا كلهم مسؤولية الجماعة المسلحة عن الخطف والاغتيال، بينهم حسان حطاب، الذي انشق عن الجماعة الإسلامية المسلحة بعد حادثة مقتل الرهبان السبعة، وأسس "الجماعة السلفية للدعوة والقتال"، قبل أن يسلم نفسه إلى السلطات عام 2007. وقال إن "جمال زيتوني استدعاني ليعلمني أنه قتل الرهبان في هذا الصباح (27 مايو 1996)، فأجبته بأنه لا يمكننا أن نواصل العمل معاً".
كما ظهر في الفيلم الوثائقي أبو إيمان، وهو آخر سجان كان مكلفاً بحراسة الرهبان السبعة المغتالين وحضر عملية قطع رؤوسهم. وأقر بأن "الرهبان السبعة ذبحوا جميعهم بكل برودة، ولم يتم إطلاق أي رصاصة. قال لي أحد المسلحين: خذ إذبح، كنت مرعوباً، فدفعني ثم ذبح أحد الرهبان". وقال أبو محمد، الذي كان أميراً جهوياً في الجماعة الإسلامية المسلحة، إنه هو الذي تولى "حمل الرؤوس في سيارة، ورميتها على الطريق تحت شجرة قرب مدينة المدية حيث وجدها المارة".

وعلى الرغم من هذه الإقرارات، ظلت التحقيقات مستمرة في هذه القضية المثيرة للجدل. وفي 12 أكتوبر/ تشرين الأول 2014، أوفدت باريس القاضي الفرنسي مارك ترفيديك، المكلف بالتحقيق في قضية تيبحرين، في إطار إنابة قضائية. وحضر، بعد ثلاثة أيام من وصوله، إعادة استخراج جماجم الرهبان الفرنسيين السبعة لفحصها في إطار التحقيق الذي يجريه القاضي. وتمت عملية استخراج جماجم الرهبان السبعة، وأخذ عينات من الحمض النووي واختبارات شعاعية تحت إشراف قاضٍ جزائري، إذ رفضت السلطات الجزائرية أن تتم العملية بإشراف القاضي الفرنسي، كما منعته من الحصول على عينات من رفات الرهبان السبعة لنقلها إلى باريس لتحليلها. ودفع هذا الأمر محامي عائلات ضحايا تيبحرين السبعة باتريك بودوان إلى اتهام الحكومة الجزائرية "بعدم التعاون وحجز دلائل التحقيقات التي أجريت حول مقتل رهبان تيبحرين". وذكر بودوان أن "عائلات الرهبان السبعة أصيبوا بخيبة الأمل العميقة بخصوص توقيف التحريات الجارية حول هؤلاء الضحايا، وعدم السماح بإرسال عينات أخذت من جماجمهم، أثناء وجود القاضي الفرنسي، إلى باريس".

المساهمون