إعادة فتح مدينة العوجة شمالي العراق.. وعود انتخابية أم نهاية حقيقية لأزمة إنسانية؟

29 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 10:33 (توقيت القدس)
مقاتل من الحشد الشعبي أمام قبر صدام حسين في العوجة، إبريل 2018 (أحمد الرباعي/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- عودة ملف بلدة العوجة إلى الواجهة بعد 11 عاماً من النزوح بسبب العمليات العسكرية ضد داعش، مع وعود بإعادة السكان رغم المخاوف من استغلال الملف لمصالح انتخابية.
- التحديات أمام عودة النازحين تشمل مقاومة الجماعات المسلحة المدعومة من إيران، واستغلال الأراضي الزراعية، مع مناشدات للأمم المتحدة للتدخل وإنهاء معاناة الأهالي.
- الجهود الحكومية تشمل تشكيل لجنة برئاسة الحشد الشعبي لإعادة السكان، لكن الأهالي غير متفائلين بسبب الوعود السابقة غير المحققة، مطالبين بفتح الملف الإنساني وإنهاء التهجير القسري.

عاد ملف بلدة العوجة في محافظة صلاح الدين شمالي العراق، مسقط رأس الرئيس السابق صدام حسين، إلى الظهور إثر وعود بإعادة أهلها الذين يُقدر عددهم بعشرات الآلاف إلى منازلهم، بعد 11 عاماً على نزوحهم منها، بسبب العمليات العسكرية التي جرت لطرد تنظيم داعش، وقرار بعض الفصائل المسلحة التي سيطرت على البلدة، لا سيما أنها ترفض منذ سنوات كل مناشدات الأهالي والقرارات الحكومية المحلية بالخروج منها، وإنهاء احتلالها، متشبثة بها.

وقال محافظ صلاح الدين بدر الفحل، في مؤتمر صحافي، أمس الثلاثاء، إنّ "العوجة كانت آمنة حتى عام 2014، إلا أن أحداث تنظيم داعش وما رافقها من معارك في محافظة صلاح الدين تسببت بنزوح جميع سكانها، وبقيت خالية حتى الآن". ولفت إلى أن الاتفاقات الأخيرة أفضت إلى أن تتولى قوات الأمن المحلية ملف الأمن فيها، وأن تبدأ الدوائر الخدمية بإجراء الكشوفات الميدانية اعتباراً من هذا الأسبوع، لتحديد حجم الأضرار والاحتياجات في مجالات الكهرباء والماء والمدارس والخدمات الأساسية.

وأوضح أن الخطة تتضمن إعادة أول قسم من العائدين، وعددهم 400 عائلة، من الذين تم تدقيق ملفاتهم أمنياً، والمقيمين حالياً في مدينة تكريت، مبيناً أنّ عودة جميع العوائل ستتم خلال عام 2025، أي خلال الأشهر القليلة المقبلة. من جهته، ذكر "الحشد الشعبي" في بيان، أنّ رئيسه فالح الفياض عقد اجتماعاً في مبنى محافظة صلاح الدين، بحث خلاله إعادة النازحين إلى بلدة العوجة في تكريت. ويخشى أهالي البلدة الذين تعبوا من رحلة النزوح الطويلة والحرمان والتنقل وقلة الحيلة، من استغلال ملف بلدتهم خلال الفترة الحالية لمصالح انتخابية، خصوصاً وأن الحديث عن فتح البلدة وإخراج الجماعات المسلحة وإعادة إعمارها كان قد تكرر لمرات عدة في السنوات السابقة، من دون التقدم في هذا الملف، بل إن الجماعات المسيطرة على البلدة كانت قد تحدت قرارات حكومية، وأخرى من هيئة الحشد الشعبي في وقتٍ سابق.

وينتشر في البلدة خليط من الجماعات المسلحة، أبرزها "عصائب أهل الحق"، و"كتائب حزب الله"، و"بدر"، وجميعها مصنفة ضمن خانة الجماعات المدعومة من طهران في العراق. والشهر الماضي، أظهرت وثيقة أمنية صادرة عن مكتب رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، قرارات تقضي بعودة أهالي البلدة، وهم من عشيرة صدام حسين وأقربائه. وبحسب الأمر الحكومي، فإن لجنة برئاسة الحشد الشعبي ستتولى، بمشاركة تسع جهات رسمية، مهمة إعادة سكان العوجة إلى منازلهم.

ومن بين الجهات التي ستشارك في المهمة: مستشارية الأمن القومي، وجهاز المخابرات، وقيادتا العمليات في الجيش، وقوات الحشد الشعبي، إلى جانب مستشار خاص لرئيس الوزراء ووزارة الهجرة والمهجرين. وتواصل "العربي الجديد"، مع نازحين من أهالي بلدة العوجة، الذين يسكنون حالياً في مدينة تكريت، وقالوا إنهم "غير متفائلين بالحديث الأخير، لأنه مكرر، وأنهم قد جزعوا من الوعود الحكومية التي غالباً ما تسبق الانتخابات العراقية" المرتقبة في 11 نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل.

واعتبر أحدهم أن "البلدة لا تشكل أي خطر على الأمن في محافظة صلاح الدين، وأن السلطات الأمنية والعسكرية قادرة على إعادة التدقيق بأسماء الأهالي وسيرتهم، والسماح لهم بالعودة، ومن غير المعقول أن يتضرر وينزح عشرات الآلاف من العراقيين بسبب أنفار ارتكبوا جرائم أو انتموا لجماعات إرهابية".

من جهته، أشار الناشط من محافظة صلاح الدين محمد العيادة، إلى أن "حكومة السوداني تبدو جادة بفتح بلدة العوجة وإعادة الأهالي، لكن الإرادة الحكومية تصطدم بإرادة الجماعات المسلحة التي تدعمها إيران، والتي تخضع للأوامر الخارجية، تضاف إليها المصالح التي باتت تمتلكها هذه الجماعات في داخل البلدة، لا سيما وأن الحديث يجري عن استغلال الأراضي الزراعية التابعة لأهالي العوجة، وتربية المواشي، وغيرها"، موضحاً لـ"العربي الجديد"، أن "الحكومة عليها أن تفي بوعودها بشأن إنهاء ملف النزوح، وأن تفرض كلمتها على بعض الفصائل وكتابة نهاية لمسلسل الظلم والتهميش والجور على العراقيين".

وفي يونيو/ حزيران الماضي، ناشد أهالي بلدة العوجة، ممثل الأمم المتحدة في العراق محمد الحسان، بالتدخل لإنهاء معاناتهم المستمرة منذ تهجيرهم القسري في عام 2014. ووجه رئيس قبيلة البو ناصر حسن ندا الحسين، في بيان له، نداءً أكد فيه أن "سكان بلدة العوجة ممنوعون من العودة لمدينتهم، خلافاً لباقي مناطق تكريت وصلاح الدين"، مبيناً أن "الآلاف من سكان العوجة، بينهم أكثر من 1300 عائلة، ما زالوا مشتّتين في مناطق النزوح، ويعانون من ظروف معيشية قاسية".

وتابع أن "معظم العائلات المهجّرة من العوجة تعتمد على الزراعة في أراضٍ تقدَّر مساحتها بعشرة دونمات لكل عائلة، فضلاً عن أصحاب المحال التجارية الذين فقدوا مصدر رزقهم، فيما تتحمّل العائلات تكاليف إيجار شهري يفوق المليون دينار، وسط غياب أي تعويض أو دعم حكومي". واختتم بمناشدة عاجلة إلى الأمم المتحدة، طالب فيها بـ"فتح هذا الملف الإنساني، وإنهاء حالة التهجير القسري، والعمل على إعادة الأهالي إلى مناطقهم، واسترداد حقوقهم القانونية والإنسانية المشروعة".

وتقع العوجة على مسافة 13 كيلومتراً جنوب مدينة تكريت، واشتهرت قبل عام 2003 بكونها مسقط رأس صدام حسين التي دفن فيها بعد إعدامه عام 2006، ومقر إقامة عشرات القادة والمحافظين في حقبة النظام العراقي السابق، وهي مفرغة من سكانها منذ نحو 11 عاماً، إذ لا تسمح فصائل مسلحة بعودة أهلها إليها، بذرائع يجري ربطها بالوضع الأمني والعشائري. ومنذ احتلال تنظيم داعش لها عام 2014، اضطر أهالي المدينة للنزوح باتجاه محافظات إقليم كردستان، ومناطق عراقية أخرى. ووفقاً لزعماء قبليين وسكان نازحين من القرية، فإن جهات سياسية وأحزاباً وفصائل وجماعات مسلحة تمنعهم من دخول البلدة، ويعتقدون أن ذلك يعود إلى كون العوجة هي مسقط رأس الرئيس السابق صدام حسين.