غوستافو بيترو وفلسطين: قراءة في جذور الموقف السياسي والشخصي
استمع إلى الملخص
- تعود مواقف بيترو إلى خلفيته في حركة "أم-19" اليسارية، حيث يرى في نضال الفلسطينيين امتداداً لنضالات ضد الإمبريالية، مستمداً دعمه من تجربته الشخصية والروابط التاريخية.
- العلاقات التاريخية بين كولومبيا وإسرائيل تضمنت تعاوناً عسكرياً في "الحرب القذرة"، مما يفسر موقف بيترو المناهض لإسرائيل، ويبقى السؤال حول مستقبل التحالفات الكولومبية.
يُعد الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو من أبرز الأصوات الدولية في إدانة الإبادة في غزة. ولِفهم موقفه والجدل الذي يثيره داخل كولومبيا، لا بد من العودة إلى مسيرته وإلى تاريخ العلاقات بين كولومبيا وإسرائيل. منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، ومع كل تطور بارز في الحرب التي تشنها إسرائيل على الفلسطينيين في غزة، كان الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو يعبّر علناً عن موقفه. وفي الأول من الشهر الحالي، وبعد أن أوقفت إسرائيل جميع سفن "أسطول الصمود" (لكسر الحصار عن قطاع غزة) الإنساني الذي كانت تشارك فيه ناشطتان كولومبيتان واحتجزتهما، أعلن بيترو عبر منصة "إكس" طرد البعثة الدبلوماسية الإسرائيلية من كولومبيا. لقد أثار القرار غضباً شديداً في صفوف اليمين الكولومبي، بينما اعتبره اليسار موقفاً "جيداً وشجاعاً". وجاء هذا القرار ليُضاف إلى سلسلة من الخطوات التي كرّس بيترو من خلالها دعمه للشعب الفلسطيني.
قبل ذلك بأسبوع، وخلال الدورة الأخيرة للجمعية العامة للأمم المتحدة، كان خطاب الرئيس الكولومبي من أكثر الخطابات التي لفتت الانتباه وأثارت التعليقات بشأن غزة، ولا سيما في العالم العربي، إذ كانت كولومبيا حتى وقت قريب معروفة أساساً بالمخدرات وشخصية بابلو إسكوبار. أما اليوم، فقد أصبحت تُذكَر في النقاشات العربية والدولية بفضل مواقف رئيسها المدافعة عن العدالة للفلسطينيين. مندداً بفشل الدبلوماسية وبانقضاء زمنها في وقف الجرائم الإسرائيلية في فلسطين، اعتبر بيترو أن النزاع المسلّح هو البديل الوحيد، واقترح إرسال قوة مسلحة مكونة من متطوعين من كل أنحاء العالم لوقف الإبادة ضد الشعب الفلسطيني.
شارك بيترو في تظاهرة مؤيدة لفلسطين بشوارع مانهاتن أمام مقر الأمم المتحدة
وفي السياق نفسه، شارك بيترو في تظاهرة بشوارع مانهاتن أمام مقر الأمم المتحدة، بمرافقة المغني البريطاني روجر ووترز، العضو السابق في فرقة "بينك فلويد" والمؤيد المعروف للقضية الفلسطينية. أمسك بيترو بمكبّر صوت، وحيّا الحاضرين بالعربية، ثم ألقى كلمات قوية مؤيدة لفلسطين، بل ذهب إلى حد القول إنه سيمسك بنفسه السلاح إذا اقتضى تحرير فلسطين ذلك. وبعدها توجه إلى الجنود الأميركيين، مطالباً إياهم بـ"ألا يطيعوا أوامر (الرئيس الأميركي دونالد) ترامب"، بل أن "يطيعوا أوامر الإنسانية". نددت المعارضة الكولومبية بما وصفته تصرفاً لا يليق برئيس دولة. وبعد ساعات من التظاهرة، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية إلغاء تأشيرة دخول بيترو إلى الولايات المتحدة. وردّ بيترو على منصة "إكس"، قائلاً: "قلتُ، وهذا ليس جريمة، إنه لا ينبغي الانصياع لأصوات تأمر جيوشها بإطلاق النار على الإنسانية"، مضيفاً أنه لا يحتاج إلى تأشيرة أميركية.
أقوال مدعومة بالأفعال
وأبعد من خطبه على المنابر الدولية، جسّد بيترو مواقفه بأفعال كانت في أحيان كثيرة مكلفة سياسياً، إذ كان من بين قلة من الزعماء الذين اتخذوا خطوات ملموسة ضد إسرائيل. فقد أعلن قبل عام ونصف عام قطع العلاقات الدبلوماسية معها. وفي الأول من مايو/ أيار 2024، يوم عيد العمال العالمي، ندّد علناً بالإبادة في غزة قبل أن يقر رسمياً هذا القرار. ذهب بيترو أبعد من ذلك، فجمّد تصدير الفحم إلى إسرائيل، وضم بلاده إلى الدعوى التي قدمتها جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية، وشارك في تأسيس "مجموعة لاهاي"، وهي تكتل يضم دولاً من الجنوب العالمي يعمل من أجل فرض احترام القانون الدولي في ما يخص إسرائيل. وقد استضافت كولومبيا أحد اجتماعات هذه المجموعة في بوغوتا في يوليو/ تموز الماضي.
أحدثت هذه المواقف صدىً واسعاً في كولومبيا وخارجها. فبالنسبة إلى جزء من اليسار، في كولومبيا كما في الخارج، يُجسّد بيترو زعيماً من الجنوب العالمي ملتزماً الدفاع عن العدالة وعن الشعوب المقهورة. غير أن اقتراب موعد الانتخابات، ومع بقاء عشرة أشهر فقط على انتهاء ولايته، يجعل موقفه من حرب غزة موضع انقسام، بعدما تحولت الحرب إلى أحد محاور النقاش الأساسية في الحملة الانتخابية. خصومه يتهمونه بـ"الاهتمام بالشرق الأوسط أكثر من اهتمامه بكولومبيا"، فيما يرى بعض أعضاء اليسار أنه يتبنى "موقفاً انتهازياً"، معتبرين أنه يسعى لاستثمار مكانته الدولية لتعزيز موقعه السياسي قبيل انتخابات العام المقبل. أما اليمين واليمين المتطرف، الساعيان لاستعادة السلطة، فيتهمانه بعزل كولومبيا عن حلفائها التاريخيين، الولايات المتحدة وإسرائيل. وبلغ الهجوم عليه ذروته حين وصفت النائبة ماريا فرنندا كابال قراره بـ"الخيانة"، وكتبت على منصة "إكس" عقب طرد البعثة الدبلوماسية الإسرائيلية: "قطع العلاقات لأسباب أيديولوجية، وليس لمصلحة الدولة، يُعد عملاً خائناً للأمة".
الربط بين نضالات الماضي وتحديات الحاضر
وهكذا يتساءل كثيرون، في العالم العربي وخارجه: ما الذي يدفع بيترو، البعيد عن فلسطين بعشرات آلاف الكيلومترات، إلى أن يكون من أبرز المدافعين عنها؟ في شبابه، كان بيترو -وهو أول رئيس يساري في كولومبيا- مناضلاً في حركة لم تعد موجودة اليوم، عُرفت باسم حركة "أم-19" أو حركة 19 إبريل، التي وُلدت عقب الانتخابات الرئاسية المشكوك في نتائجها عام 1970. وقد ندّد أعضاء الحركة بالتزوير وإغلاق المجال السياسي أمام المعارضة، فاختاروا الكفاح المسلّح سعياً لإرساء ديمقراطية حقيقية في البلاد وبناء "وطن حر".
لينا بريتو: يمكن تفسير التزام بيترو السياسي من خلال "موقفه الأيديولوجي والتقليد السياسي الذي ينتمي إليه
وفقاً للمؤرخة الكولومبية لينا بريتو، أستاذة التاريخ في جامعة نورث وسترن في شيكاغو، يمكن تفسير التزام بيترو السياسي من خلال "موقفه الأيديولوجي والتقليد السياسي الذي ينتمي إليه". وفي حديثها مع Orient XXI، تذكّر بأن "غوستافو بيترو انخرط في العمل السياسي في سنّ مبكرة مناضلاً ثورياً في صفوف حركة أم-19، وهي حركة تمرّد حضرية تألفت أساساً من شباب وطلبة ومثقفين منخرطين في التحليل السياسي". في خطاب ألقاه العام الماضي في مارس/ آذار 2024، قال بيترو إنه يدافع عن شعب فلسطين "لأننا نمتلك الجذور نفسها"، مضيفاً أن حركته السابقة كانت دائماً حليفة للعرب والأفارقة في معركتهم من أجل الأوطان. كانت حركة أم-19 قد أقامت، في تلك الفترة، روابط مع منظمة التحرير الفلسطينية وجبهة البوليساريو وحركة المؤتمر الوطني الأفريقي التي كان يتزعمها نيلسون مانديلا.
وعندما يُسأل عن سبب اهتمامه بفلسطين، يجيب بأنه درس جذور الصراع وتاريخه بين العرب وإسرائيل، وأنه يعرف "الظلم الكبير الذي يعيشه الشعب الفلسطيني منذ عام 1948". تشير بريتو إلى أن "بيترو يستحضر في خطاباته دوماً نَفَس النضالات التي خاضها اليسار في القرن العشرين". ويرى البعض في ذلك عجزاً عن التخلي عن الماضي، فيما يعتبره آخرون رغبة في مواصلة ما حمله من مبادئ وأحلام. ومهما يكن، فإن جزءاً أساسياً من فكر بيترو وممارساته السياسية يقوم على فكرة الاستمرارية مع نضالات القرن العشرين. تلك النضالات التي خاضتها حركات التحرر الوطني -كما تصوّرها بيترو من خلال تجربة حركة أم-19- تمثلت بتمرد على الإمبريالية الأميركية، وعلى ما كان يعتبره استعماراً داخلياً في كولومبيا. فقد أرادت الحركة أن تحارب نظام اللامساواة والظلم والحرمان، دفاعاً عن حقوق الأغلبية، وسعياً لبناء دولة مختلفة.
وفي هذا السياق، توضح بريتو أن "فلسطين ونضال الشعب الفلسطيني يندرجان، في نظر بيترو، ضمن استمرارية تلك النضالات الكبرى التي يعتبرها غير مكتملة بعد، والتي ما زال يشعر بالانتماء إليها. بيترو لم ينفصل قط عن هذا الإرث، بل يسعى اليوم لإحيائه، في خطابه العلني كما في ممارساته السياسية".
تعود ردود أفعال بيترو إزاء ما تقوم به إسرائيل تجاه الفلسطينيين أيضاً، إلى جانب آخر يرتبط بتاريخه النضالي. فبصفته عضواً سابقاً في حركة يسارية مسلحة، كان شاهداً مباشراً على الدور الذي لعبته إسرائيل في "الحرب القذرة" التي شنتها الحكومات الكولومبية على الحركات اليسارية، وفي دعمها للمنظمات شبه العسكرية اليمينية المتطرفة.
تذكّر المؤرّخة الكولومبية بأنه "بشكل غير مباشر، وفي الظل، وأحياناً بطريقة مباشرة تماماً، كانت إسرائيل طرفاً منخرطاً في نزاعنا الداخلي". وتوضح قائلة: "إسرائيل وكولومبيا ربطتهما علاقة وجيزة، وإن كانت غير ظاهرة للعيان، لأنها نشأت عبر قنوات تقنية ومؤسسية غالباً ما تعمل في صمت بعيداً عن الأضواء، ولذلك لا يدرك كثيرون حقيقتها". وتضيف: "في الواقع، كانت العلاقة ثلاثية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وكولومبيا. فحيناً كانت الروابط مباشرة بين بوغوتا وتل أبيب، وحيناً آخر تمرّ عبر واشنطن".
ورغم أن العلاقات بين إسرائيل وكولومبيا تعزّزت في مطلع الثمانينيات، في سياق حرب لبنان، فإن جذورها تعود إلى ما قبل ذلك بكثير في أميركا اللاتينية، وتحديداً إلى ما بعد حرب الأيام الستة، حين تحوّل الكيان الإسرائيلي من "إسرائيل الصغيرة" التي وُلدت عام 1948 إلى قوة إقليمية مؤثرة بفضل احتلاله أراضي عربية جديدة. في تلك الحقبة، نسجت عدة أنظمة عسكرية في أميركا اللاتينية -وخصوصاً في الأرجنتين وهندوراس وغواتيمالا- تحالفات سياسية وأيديولوجية واقتصادية وثيقة مع إسرائيل.
وفي مطلع الثمانينيات، ومع الضغوط الداخلية والدولية، شرعت ديكتاتوريات أميركا الجنوبية في انتقالات ديمقراطية تدريجية، بينما انخرطت الأنظمة العسكرية في أميركا الوسطى في مسارات سلام. آنذاك، برزت كولومبيا حليفاً جديداً لإسرائيل، التي كانت تبحث عن توسيع نفوذها في المنطقة. في الوقت نفسه، كانت كولومبيا تشهد صعود شبكات الاتجار بالمخدرات، بدءاً بالماريغوانا ثم الكوكايين، ومعها نشأت قوى مالية جديدة سعت لتعزيز أجهزتها الأمنية لمواجهة ما تعتبره تهديداً: حركات التمرّد اليسارية، والحركات الاجتماعية المناهضة لها.
لينا بريتو: إسرائيل وكولومبيا ربطتهما علاقة وجيزة، وإن كانت غير ظاهرة للعيان
في هذا السياق، أصبحت إسرائيل حليفاً استراتيجياً، ومصدراً للخبرة والتكنولوجيا والسلاح. لكن دورها تجاوز ذلك بكثير، إذ ساهم تعاون عسكري وأمني موثّق، جذوره عميقة، في بناء الهياكل شبه العسكرية التي ارتكبت بعضاً من أسوأ الفظائع في تاريخ كولومبيا. شخصيات مثل يائير كْلاين ورافائيل إيتان، والأخير متورط في اغتيال المعارض المغربي مهدي بن بركة في الستينيات، تجسّد هذا النوع من التعاون.
لكن، كما تؤكد بريتو، "هذه القصة تتجاوز مجرد ذكر أسماء أو حوادث معزولة، فهي تكشف عن توافق أيديولوجي بين بعض التيارات اليمينية في كولومبيا ونظيراتها في إسرائيل، التقت مصالحها خلال الثمانينيات وتوطدت عبر روابط تعاون ودعم متبادل". ومنذ ذلك الحين، ظلت إسرائيل شريكاً محورياً لكولومبيا. ففي مطلع الألفية، خلال رئاسة ألبارو أوريبي، تعزّز هذا التحالف أكثر في إطار سياسة "الأمن الديمقراطي"، لتصبح كولومبيا أحد أبرز زبائن الصناعات العسكرية الإسرائيلية.
وبالنسبة إلى بريتو، فإن بيترو، حين يتحدث عن إسرائيل، لا يرى فيها طرفاً بعيداً، بل شريكاً قديماً -بل "قريباً" تقريباً- تربطه ببلاده علاقات اقتصادية وعسكرية وسياسية متجذرة منذ عقود. غير أن آلاف المدنيين الكولومبيين دفعوا ثمن هذه العلاقة. فبحسب لجنة الحقيقة (في كولومبيا) التي أُنشئت بعد اتفاق السلام عام 2016 للتحقيق في النزاع المسلح الداخلي، فإن الجماعات شبه العسكرية اليمينية المتطرفة، التي تلقّى عدد من قادتها تدريبات على أيدي مدربين إسرائيليين، تتحمل مسؤولية نحو نصف عدد ضحايا الحرب الكولومبية، أي 450 ألف قتيل على الأقل.
في هذا الإطار، يبدو طبيعياً أن ينحاز غوستافو بيترو، انسجاماً مع تاريخه وأيديولوجيته، إلى جانب فلسطين، فيما يتمسك اليمين الكولومبي بتحالفه القديم مع إسرائيل. وستكشف انتخابات مايو المقبل ما إذا كانت كولومبيا ستواصل هذا التوجه الجديد، أو تعود إلى تحالفاتها المحافظة السابقة.
ينشر بالتعاون مع "أوريان 21"
https://orientxxi.info/ar