غضب الشارع التونسي... هل بدأت مرحلة ما بعد قيس سعيّد؟
- يشهد الشارع التونسي حراكاً شعبياً يذكر بما حدث قبل الثورة، مع توحد المعارضة السياسية رغم الاعتقالات، ودعوات لعقد مؤتمر وطني لبحث مرحلة ما بعد قيس سعيّد وتصحيح المسار السياسي والاقتصادي.
- تتزايد الانتقادات للسلطة الحالية لفشلها في تحسين الأوضاع، مع دعوات لمحاسبة المسؤولين وإجراء انتخابات شفافة، وسط استمرار الاحتجاجات والتأكيد على أن التداول السلمي على السلطة هو الحل الأمثل.
يعيش الشارع التونسي غلياناً غير مسبوق، بسبب ما آلت إليه أوضاع البلاد من تأزم على جميع المستويات. وفي ظل عجز السلطة والرئيس قيس سعيّد عن إيجاد حلول وطمأنة الرأي العام، بدأ عدد الغاضبين على أداء السلطة ومنتقديها يزداد، حتى أن البعض بدأ يتحدث عن مرحلة ما بعد قيس سعيّد. ويجمع نشطاء وسياسيون وتونسيون على أن الأزمة غير مسبوقة، وأن هناك تسارعاً في الأحداث ومخاوف من أن تفلت الأمور من يد السلطة، خصوصاً أنه لا يوجد رضى على الوضع الذي آلت إليه الأوضاع بسبب الأزمات المتتالية، مع انقطاع الكهرباء والماء أخيراً. ويرون أن مسار قيس سعيّد فشل، رغم استحواذه على جميع السلطات، وأغلب الوعود لم تتحقق، بالتالي لا بد من حلول عاجلة، وعلى السلطة التحرك العاجل أو أن تصارح التونسيين بحقيقة الوضع، مقترحين المبادرة بالإصلاح أو الرحيل لإنقاذ البلاد واستعادة الديمقراطية ووضع حد لحالة العبث السائدة.
إفلاس المنظومة الحاكمة
يرى القيادي في جبهة الخلاص الوطني، عز الدين الحزقي أن صلاحية السلطة انتهت لأنها سقطت أخلاقياً، مضيفاً في حديث لـ"العربي الجديد"، "أن الانقلاب وُلد ميتاً ولكن بعد سبع سنوات من الحكم، فإن المنظومة الحاكمة أفلست على جميع المستويات، لأنها لم تقدم أي حلول للبلاد"، مبيناً أن الرحيل أصبح واجبا وطنيا. ويضيف أن المواطن التونسي مُسّ في معيشته، وحياته اليومية، وما حصل من تراجع في تأمين الكهرباء والماء، أثّر على الواقع وجعل الغضب يتصاعد، وستكون للأزمة عدة تداعيات على التونسيين وحتى على الأجيال القادمة. ويلفت الحزقي إلى أن المناخ الحالي متوتر بسبب خطابات التخوين والتفرقة والإقصاء والتي لم تعد مقبولة، ولا يمكن الاستمرار في مثل هذه الظروف، معتبراً أن البديل قد لا يكون موجوداً حالياً، ولكن سيبقى هناك من سيكون قادراً على الإصلاح وإنقاذ البلاد. ويشرح الحزقي، أنه في السابق وفي عهد الرئيسين، المخلوع زين العابدين بن علي والحبيب بورقيبة، كانت حجة السلطة للبقاء في الحكم أنه لا يوجد بديل عنها، وبالتالي يتم تقبّل الوضع فتتفرّد هي بالحكم، ولكن هذا الأمر لم يعد ممكناً، لأن تونس تزخر بالعديد من الكفاءات والشخصيات والشباب القادرين على تسلم المشعل.
عز الدين الحزقي: المناخ الحالي ثوري والشارع في حراك ويذكرنا بما حصل قبل الثورة التونسية
ويرى الحزقي أن المناخ الحالي ثوري والشارع في حراك ويذكرنا بما حصل قبل الثورة التونسية (2010 ـ 2011)، ولكن ما ينقص حاليا هو العامل الذاتي أي القيادة، فالأجواء والشعارات المرفوعة في تونس في مسيرة 25 يوليو/تموز الحالي، خير دليل على أن الغضب والتوتر بلغ أوجه. ويشير إلى أنه ربما من الجيد أن الشباب نزلوا إلى الشارع مطالبين بالإصلاح، ومن المفارقات أن السجناء السياسيين يقبعون في الزنازين لأنهم عملوا على توحيد المعارضة، ودعوا إلى حوار وطني، واليوم نجد المعارضة مجتمعة وموحدة في الشارع. ويرى أن السجن لم يقدر على سجن الأفكار بل الأشخاص، ولكن المبادرات لا تموت بل تتجدد وتتحقق وبالتالي التغيير قادم.
الأوضاع تسوء في تونس
أما القيادي في الحزب الجمهوري، المولدي الفاهم فيؤكد في حديث لـ"العربي الجديد" أن الأوضاع تسوء والمزاج العام في تونس بدأ يتغير، وحتى من كان مع السلطة ويبرر أداءها بات اليوم ينتقدها، مبرزا أن هناك شبه إجماع وطني على فشل قيس سعيّد لأن تونس تسير نحو الأسوأ. ويضيف أن المجتمعات تستبطن في حالات الفشل والعجز عن الإصلاح التداول السلمي في الحكم، لأن فترة الحكم التقليدية والتي كانت مدى الحياة انتهت. هناك تقييم، وفي حالات الفشل و العجز وغياب الحلول والإصلاح، يصبح التمسك بالبقاء في السلطة جزءاً من الأزمة، ولن يزيد سوى من تعميق المشاكل وساعتها قد تنفلت الأمور في أي لحظة. ويلفت إلى أن المعتقلين السياسيين طالبوا القوى الديمقراطية بتوحيد الجهود، من خلال رسالة توجهوا بها أخيراً، واليوم لا حل سوى عقد مؤتمر وطني جامع يبحث مرحلة ما بعد قيس سعيّد وينظر في استحقاقات الشعب، ويطبق دستور الثورة.
ويشير الفاهم إلى أن الوضع الراهن يذكره بحركة 18 أكتوبر/ تشرين الأول 2005، والتي ضمت كل الفئات السياسية اليسارية والإسلامية والديمقراطية، التي انطلقت بإضراب عن الطعام لثمانية معارضين، من تيارات فكرية مختلفة، وأسفرت عن تكوين هيئة الحقوق والحريات، وكانت منطلقاً للتغيير في تونس ثم تلتها عدة أحداث كحراك الحوض المنجمي في عام 2008 وانتفاضة مدينة تالة في 2011، وانتفاضة 2010 و2011 التي أفضت إلى الثورة التونسية في 14 يناير/كانون الثاني 2011. ويشدّد على أن تونس تتسع للجميع والعيش المشترك ممكن من دون إقصاء، وبالتالي المطلوب مؤتمر وطني جامع ينطلق من مكتسبات الثورة ويقود تونس نحو الإصلاح الشامل.
أما زينب المرايحي، عضوة التنسيقية الوطنية لإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، فتكشف في حديث لـ"العربي الجديد"، أن هناك حالة من التململ في الشارع التونسي، مشيرة إلى أن المسيرة التي جرت السبت الماضي، وجمعت طيفاً واسعاً من التونسيين، تؤكد ذلك، فقد كانت الأكثر مشاركة عددياً ومتنوعة بضمّها كل القوى السياسية والمدنية تقريباً". وترى المرايحي أن هناك شبه إجماع على ضرورة رحيل قيس سعيّد باعتباره لم يعد مُجمعاً للتونسيين، فخطاب "السنوات السبع" يتكرر (في إشارة إلى سنوات حكم قيس سعيّد منذ عام 2019)، وهو خطاب يفرق التونسيين ولا يوحدهم.
وتشير المرايحي إلى أن المواطن لم يلمس أي إنجازات على المستوى المعيشي والإجتماعي، فالشعارات تطالب اليوم برحيل قيس سعيّد والعيش الكريم والحريات، وحتى الحقوق البيئية التي زادت سوءاً. وتوضح أن منسوب الاحتقان كبير ولم يعد هناك حديث عما حصل قبل فترة قيس سعيّد بقدر ما أصبح التركيز عن سوء هذه الفترة وما تلاها من تدهور، فمسألة فقدان الماء والكهرباء مسألة حياتية تهم الأمن القومي، وبالتالي القرارات بيد السلطة التنفيذية وأي إخلالات وتقصير تضر بالجميع. وتضيف المرايحي أنه بقطع النظر عن من هو في السلطة أو من يحكم ومن سيأتي، فإن الأهم هو مصارحة الشعب بحقيقة الوضع والإقرار بالعجز والدعوة إلى الإنقاذ، لأننا فعلاً في منعرج خطير ودقيق وحاسم.
أما منية إبراهيم، النائبة السابقة، عضوة تنسيقية عائلات المعتقلين السياسيين، وزوجة السجين السياسي عبد الحميد الجلاصي، فتقول في حديث لـ"العربي الجديد"، إن هناك فئة مهمة من الشعب التونسي أصبحت تعي أن الدولة تعيش أزمة خانقة وغير مسبوقة في تاريخها. وهذه الأزمة أثّرت مباشرة على الوضع المعيشي للتونسيين، موضحة أن المعارضة وعدداً من القوى المدنية التي خرجت في مسيرة السبت الماضي، كان لديها هذا الوعي منذ البداية وأجمعت على فشل قيس سعيّد ولكن تبقى هناك فئة مساندة للسلطة، رغم ما تعانيه من وضع اجتماعي سيئ، ومن غياب للكهرباء والماء وظروف إجتماعية قاسية. لكن هذه الفئة راضية بالوضع، وتساند قيس سعيّد لأن الأهم بالنسبة لها عدم عودة المعارضة، ومن تصفهم الدولة بالمتآمرين ومن برزوا في الساحة السياسية بعد الثورة، معتبرة أن المسؤولية فيما آلت إليه الأوضاع تتحملها مؤسسات الدولة، نظراً لغياب الإصلاح ولأن أولويات الجهاز التنفيذي كانت فقط تسويق الأوهام.
وتبيّن إبراهيم أنها لا تتوقع رحيل السلطة على الأقل في الوقت الراهن، لأن الجهاز التنفيذي يتمتع بصلاحيات واسعة وحصانة مطلقة، رغم عجزه طيلة سبع سنوات من الحكم الفردي عن تحقيق أي مطلب، أو على الأقل الحفاظ على ما أنجز من مكتسبات أساسية كانت قد وفرتها دولة الاستقلال في عام 1956. وتلفت إلى أن الدولة أنشأت مرافق عامة لتأمين المرافق الحياتية الأساسية، وهذه المكتسبات لم تمسّ طيلة سنوات، ولا حتى خلال أحداث الثورة التونسية، حيث استمر المرفق العمومي في تأمين الخدمات العامة، ولكن للأسف هذه المكتسبات في حالة انهيار تام، فلأول مرة في تاريخ الدولة يفقد الماء وتقطع الكهرباء وذلك نتيجة عدم الكفاءة والتخبط وغياب الاستشراف والبرامج، ولأن السلطة الحالية بنيت على أوهام.
اتفاق على تصحيح المسار؟
أما حسام الحامي، منسق ائتلاف صمود، العضو المؤسس لـ"حراك نفس"، فيعتبر في حديث لـ"العربي الجديد"، أن صفة المواطنة تجمع الجميع، مؤكداً أن الشارع جمع التونسيين، السبت الماضي، رغم الاختلاف والخلافات الأيديولوجية. ويشدّد على أن هناك اتفاقاً على المطالبة بتصحيح المسار، واليوم يجمع جزء هام من التونسيين على الحصيلة السلبية لمسار 25 يوليو 2021
(تاريخ إعلان قيس سعيّد إجراءاته الاستثنائية)، سواء في إدارة شأن البلاد أو في الخروج من الأزمة، وهؤلاء يرفضون طريقة الحكم الفردي التي ضربت الحريات وزجت بالخصوم السياسيين في السجون وساهمت في التضييق على الفضاء العام، وصادرت الرأي المخالف. ويلفت الحامي إلى أن الإجماع الحاصل والتقييم السلبي للوضع، جعل الشارع الملاذ الوحيد لكل من يطالب بالتغيير وبالإصلاح، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فالبلاد تشكو من أزمات متتالية، وأمام عدم جدية السلطة في التعامل مع الوضع السائد والإستجابة لمطالب التونسيين، كان لا بد من التحرك والاحتجاج. ويشير إلى أن "حراك نفس" كان وراء الدعوة إلى النزول إلى الشارع، السبت الماضي، من دون تفرقة ولا إقصاء أو على أساس الانتماء الأيديولوجي أو الفكري أو السن، وبالتالي اتحد التونسيون صفاً واحداً وأجمعوا على كلمة واحدة وهي رحيل السلطة.
حسام الحامي: التفويض الشعبي الذي تحدث عنه الرئيس قيس سعيّد لم يعد موجوداً على أرض الواقع
ويشرح الحامي أن وحدة الساحات والشوارع بحدّها الأدنى، أصبحت ممكنة اليوم، وهو ما يجعل المسؤولية أكبر، لأن توحيد جزء هام من التونسيين لا بد أن يترافق مع أفق سياسي كي تصبح الشعارات واقعاً والمطالب حقيقية، وتتم مقارعة السلطة ومطالبتها بالتنفيذ، وإن لم تستجب فسيتم المضي في مزيد من من التحركات والاحتجاجات، لأن التفويض الشعبي الذي تحدث عنه الرئيس قيس سعيّد لم يعد موجوداً على أرض الواقع. وهو ما لمسناه في تحرك أنصار الرئيس في 25 يوليو الحالي، ويمكن للجميع تقييمه، ولكن جزءا كبيرا من التونسيين فوضوا لأنفسهم حق الاحتجاج، وحق المطالبة بحقوقهم ومعالجة الملفات العالقة وإطلاق سراح السجناء السياسيين وإلغاء المرسوم 54 (الصادر في عام 2022، ويجيز اعتقال المعارضين). وإذا كانت السلطة غير قادرة على الاستجابة وإيجاد الحلول، فعليها أن تستقيل وتترك المجال لإجراء انتخابات شفّافة، فالتونسي هو صاحب السيادة وله حق الاختيار عبر الآليات الديمقراطية، وبالتالي لا خوف على تونس، فالتداول السلمي على السلطة رحمة وليس نقمة.
قيس سعيّد ومنطق المحاسبة
بدورها، تؤكد الناشطة ناجية العجيمي في حديث لـ"العربي الجديد"، أن جميع المواطنين في ذات السفينة، ووطأة الأزمة لا تستثني أحداً، فالشعب يعاني من انقطاع الكهرباء والماء الذي طاول الجميع، موضحة أن غلاء المعيشة وفقدان عدة مواد أساسية والقمع والسجن، كل ذلك يتربص بالجميع من دون استثناء، مما ساهم في تصاعد الغضب والانتقادات، خصوصاً أن رئيس الدولة غائب ولا يملك أي حلول والدولة للأسف تنهار والشعب يعاني. وتلفت العجيمي إلى أنه لا وجود لدولة تتفاعل مع كل ما يحدث، وسلطة تخاطب المواطنين، وتتحرك في الأزمات، بل يقع اللوم على مؤسسات الدولة نفسها، حيث دعا قيس سعيّد إلى محاسبة مسؤولين في شركة الكهرباء والغاز، وفتح تحقيق وهذا قمة العبث، وكأن سبع سنوات من الحكم لا تكفي للاستعداد وحل الأزمات المتتالية، مؤكدة أن المطالب مشروعة والاحتجاجات لن تتوقف إلا برحيل المنظومة الحالية كاملة. كذلك ترى المواطنة ثريا الماجري في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، أن الوضع سيئ وللأسف السلطة عاجزة عن مصارحة الشعب وطمأنته، مبينة أنهم لن يصمتوا ويكتفوا برؤية الدولة تنهار والمرافق الأساسية تتراجع، فالفشل واضح والتغيير قادم.