غزة تنتظر مغادرة مربع الأزمات: حراك القاهرة يسبق لقاءات تل أبيب
مصادر مقربة من حماس توقعت أن يلتقي وفد الحركة مع كوشنر وملادينوف
محمد صافي: تعدّد الأطراف المتدخلة في غزة عمّق حالة الضبابية
بالتزامن مع الحراك السياسي والتفاوضي في القاهرة وتل أبيب، يعيش الفلسطينيون في قطاع غزة، وفي مقدمهم النازحون الذين فقدوا بيوتهم وباتت الخيام على قسوتها جزءاً من يومياتهم، واقعاً ضبابياً يزداد قسوة مع مرور الوقت، في ظل غياب وعدم وضوح نتائج هذا الحراك المتواصل بشأن غزة.
جهد دبلوماسي جديد
وبدأ رئيس المكتب السياسي لحماس خليل الحية ووفد من قيادة الحركة، اليوم الأحد، سلسلة لقاءات مع مسؤولين مصريين بينهم رئيس جهاز الاستخبارات اللواء حسن رشاد، ووسطاء التهدئة، في محاولة لدفع الوضع في غزة قدماً إلى الأمام. إلى ذلك، قال مصدر دبلوماسي لـ"رويترز"، إن جاريد كوشنر ونيكولاي ملادينو التقوا، اليوم الأحد، وسطاء من مصر وقطر وتركيا في القاهرة، سعياً إلى دفع خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسلام في غزة قدماً. وقال الدبلوماسي إن مسؤولين من حماس حضروا بعض الاجتماعات التي عقدها الوسطاء.
صافي: أهالي قطاع غزة يعيشون حالة من غياب الرؤية الواضحة
وسبق لقاء الحية برشاد تصريح المتحدث باسم "حماس" حازم قاسم الذي قال، اليوم، إن "اللقاءات مع الأشقاء في مصر تأتي في إطار مواصلة الاتصالات والجهد الدبلوماسي للحركة مع الوسطاء، لوضعهم في صورة انتهاكات الاحتلال، وضمان إلزام الاحتلال بخريطة الطريق التي تمّ الاتفاق عليها مع مجلس السلام".
على الأرض، باتت الحياة اليومية في غزة محكومة بتفاصيل شاقة تبدأ من البحث عن المياه ولا تنتهي عند محاولة الاحتماء من حرارة الطقس، فيما تراجعت مقومات الحياة الأساسية إلى مستويات شديدة الصعوبة، وبات الحلّ المنتظر مهما كان أملاً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
وتتحول ساعات النهار في مواقع النزوح إلى اختبار جديد لقدرة العائلات الغزّية على الاحتمال، فالخيام التي يفترض أن توفر الحد الأدنى من الحماية لا تقي سكّانها من الحرارة المرتفعة، فيما يجد الأطفال وكبار السن صعوبة في تحمل الأجواء الخانقة، خصوصاً في ظل نقص المياه، وسط واقع لا يتيح لهم توفير احتياجاتهم بصورة منتظمة.
ولا تقتصر الأزمة على الظروف المعيشية، إذ يخيّم على الناس شعور متزايد بعدم اليقين: الأخبار المتضاربة حول مستقبل القطاع، وما يرافقها من أحاديث عن ترتيبات أو تطورات محتملة، تجعلهم في حالة انتظار دائم، من دون أن يمتلكوا معلومات مؤكدة تساعدهم على اتخاذ قرارات تتعلق بحياتهم ومصير عائلاتهم.
ويوضح المحلل السياسي شرحبيل الغريب، لـ"العربي الجديد"، أن الأيام الحالية تشهد حراكاً سياسياً ودبلوماسياً متزامناً على أكثر من صعيد، في محاولة لتحريك المياه الراكدة، خصوصاً بعد حالة الجمود التي خيّمت على مسار التوصل إلى خطوات جديدة من الجانب الإسرائيلي. ويشير الغريب إلى أن وصول وفد أميركي إلى إسرائيل للقاء رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، وضمّه شخصيات مثل كوشنر، يوحي بأن ملف غزة يحتل موقعاً مهماً في هذا الحراك، بالتزامن مع وصول وفد من "حماس" إلى القاهرة، معتبراً أن تزامن التحركات يعكس محاولة لاستطلاع المواقف والدفع نحو تحريك المسار السياسي. ويعتبر الغريب أن الحراك الأميركي يبدو، في جانب منه، محاولة لاستطلاع الموقف الإسرائيلي ومدى استعداد نتنياهو للانتقال إلى خطوات جديدة، في ظل عدم رضا أميركي عن بعض مواقفه، لافتاً إلى أن هذه الجهود تصطدم بحسابات سياسية وانتخابية إسرائيلية معقدة.
ويبين المحلّل السياسي أن سلوك نتنياهو على الأرض خلال الفترة الأخيرة يوحي بمحاولة خلط الأوراق، لا سيما مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية في أواخر أكتوبر/تشرين الأول المقبل، مشيراً إلى أن تصاعد الانتهاكات الإسرائيلية أخيراً قد يدفع باتجاه إشعال جبهة غزة مجدداً.
ويرى الغريب أن هذه التطورات تلقي بظلال قاتمة على المواطن الفلسطيني في غزة، الذي يعيش كارثة إنسانية مفتوحة وحالة من الضبابية وعدم وضوح المستقبل، في وقت ينتظر فيه انتهاء الأزمة وبدء لجنة التكنوقراط عملها في مجالات الإغاثة والإسناد، وتحقيق تقدم ملموس في مسار التهدئة. لكن الغريب يستبعد ظهور بوادر لحل شامل قبل الانتخابات الإسرائيلية، مؤكداً أن المرحلة الحالية تحتاج إلى ضغط سياسي أميركي ودولي كبير على إسرائيل لدفعها إلى تطبيق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، حتى يلمس المواطن ملامح حقيقية للحل.
محمد صافي: تعدّد الأطراف المتدخلة في غزة، عمّق حالة الضبابية
يوميات ثقيلة لأهل غزة
بدوره، يرى المحلل السياسي محمد صافي أن أهالي قطاع غزة يعيشون حالة من غياب الرؤية الواضحة بشأن مستقبل القطاع بفعل تضارب التصريحات السياسية، ما جعلهم عاجزين عن معرفة ما إذا كانوا أمام مرحلة انتقالية قصيرة أم واقع جديد قد يستمر طويلاً. ويضيف صافي لـ"العربي الجديد" أن المشكلة لا تكمن فقط في طول الانتظار، بل في غياب المعلومات المؤكدة، فالناس يتابعون أخباراً عن مفاوضات وخطط واتفاقات محتملة، لكنهم لا يعرفون أيها سيجد طريقه إلى التنفيذ، وينعكس ذلك على تفاصيل حياتهم، من السكن والعمل والتعليم إلى إمكانية العودة وإعادة بناء ما دمّرته الحرب.
ويرى صافي أن تعدد الأطراف المتدخلة في مستقبل غزة، مقابل غياب قرار فلسطيني موحد وواضح، عمّق حالة الضبابية، وجعل المواطن الغزّي الطرف الأكثر تأثراً والأقل قدرة على معرفة ما ينتظره، لافتاً إلى أنه مع كل يوم إضافي من دون حسم، تتراكم مشاعر القلق والإحباط وفقدان الثقة بالمستقبل.
ويحذر المحلل السياسي من أن استمرار هذه الحالة قد يحول الانتظار إلى نمط حياة، خصوصاً في مجتمع أنهكته الحرب والنزوح والدمار، معتبراً أن كسر هذا الواقع يتطلب رؤية سياسية معلنة وخطة واضحة للمرحلة المقبلة، تتيح للناس استعادة الحد الأدنى من الاستقرار والقدرة على التخطيط لحياتهم.
وبالنسبة لكثير من الفلسطينيين، لم يعد النزوح مجرد انتقال مؤقت، وإنما تحول إلى نمط حياة طويل الأمد فرضته الحرب والدمار، ومع تآكل الخيام ونقص المستلزمات، تجد الأسر نفسها مطالبة بإعادة ترتيب حياتها حول الحد الأدنى من الاحتياجات، بينما يبقى المستقبل سياسياً وإنسانياً واقتصادياً وأمنياً مجهولاً.
وفي هذا السياق، تقول الفلسطينية نسمة لولو، وهي نازحة تقيم مع أطفالها في إحدى مناطق النزوح غربي مدينة غزة: "أكثر شيء يتعبنا هو عدم معرفة إلى أين نحن ذاهبون، نحن منذ مدة طويلة نعيش في الخيمة، وكلما سمعنا خبراً عن إمكانية العودة إلى المناطق الشرقية نفرح، ثم نكتشف أن الأمور لم تتغير، الأطفال يسألونني متى سنرجع إلى بيتنا، ولا أعرف ماذا أجيبهم".
وتذكر لولو لـ"العربي الجديد" أن الاحتلال معني بإبقاء الفلسطينيين في حالة توتر وقلق وغياب للأفق، بما قد يدفعهم نحو مزيد من الهجرة الطوعية، واصفةً الواقع الحالي بأنه أشبه بحالة التيه التي انعكست على اهتمامات الجميع، الذين باتت القضايا الوطنية الكبرى، كالقدس والعودة والأسرى والدولة، تتراجع في سلم أولوياتهم.
وبينما كان مصطفى الفيراني يستمع داخل خيمته في ميناء غزة إلى الراديو محاولاً فهم ما ستأتي به الزيارات القريبة لتل أبيب والقاهرة، يذكر لـ"العربي الجديد" أن "أصعب شيء نعيشه اليوم في غزة هو أننا لا نعرف ماذا سيحدث غداً، كل يوم نسمع خبراً مختلفاً: مرة يقولون إن هناك انفراجة، ومرة نسمع عن تصعيد أو نزوح جديد، لا نعرف ماذا نصدق، ولذلك نعيش يومنا فقط ونحاول تأمين احتياجاتنا الأساسية". وبالنسبة إلى الفيراني، فإن "الغموض لم يعد متعلقاً بالسياسة أو الميدان فقط، بل أصبح حاضراً في تفاصيل الحياة اليومية، فكل قرار، مهما كان بسيطاً، يرتبط بالسؤال عن الغد". ويختم: "نحن محكومون بالأمل ونتمنى أن نغادر مربع الانتظار".