غرينلاند "في عين العاصفة" صراع السيادة بين واشنطن وكوبنهاغن والانقسام الهادئ للبيت الداخلي

13 يناير 2026   |  آخر تحديث: 20:39 (توقيت القدس)
مشاهد من عاصمة غرينلاند نووك، 12-13 يناير 2026 (ناصر السهلي)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تواجه غرينلاند ضغوطًا من الولايات المتحدة لضمها، مما يضعها في مواجهة مع قضايا الهوية والسيادة، بينما ترفض كوبنهاغن ونووك أي نقاش حول نقل السيادة.
- داخليًا، يقود نيلسن تيارًا حكوميًا يركز على حماية الوضع القائم، بينما ترفض أحزاب الاستقلال ضم غرينلاند، وتظهر تيارات براغماتية ترى في الولايات المتحدة شريكًا محتملاً.
- دوليًا، تحذر ألمانيا من تحركات أمريكية، وتدعو غرينلاند لموقف أوروبي داعم، بينما تسعى الدنمارك لتعزيز دفاعها، مع اعتبار الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو ركائز لحماية السيادة.

لم تكن العاصفة الثلجية التي شلّت أول من أمس حركة الطيران المتجه إلى عاصمة غرينلاند نووك، سوى صورة عابرة لعاصفة أعمق وأشد تعقيداً تعيشها الجزيرة الواقعة في قلب القطب الشمالي. فعلى وقع الضغوط الأميركية المتصاعدة، وتجديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب رغبته في ضم الجزيرة التابعة للدنمارك "بطريقة أو بأخرى"، تجد غرينلاند نفسها، كما وصف رئيس حكومتها ينس فريدريك نيلسن، "في عين الإعصار"، حيث تتقاطع حسابات الجغرافيا السياسية مع أسئلة الهوية والسيادة والاستقلال.

وقبيل اللقاء المرتقب في واشنطن بين الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند، بدا المشهد الخارجي متماسكاً، إذ أعادت كل من كوبنهاغن ونووك التأكيد على موقفهما الرافض لأي نقاش حول نقل السيادة. غير أن هذا التماسك الرسمي يخفي خلفه حراكاً سياسياً داخلياً هادئاً في غرينلاند، يكشف عن تباينات بين الأحزاب والتيارات حول طبيعة العلاقة مع الدنمارك، وحدود الانفتاح على الولايات المتحدة، وتوقيت الحلم القديم بالاستقلال الكامل.

التيار الحكومي: الواقعية السياسية في زمن الضغط

في صدارة المشهد يقف التيار الحكومي الذي يقوده نيلسن، وهو تيار يتبنى مقاربة واقعية حذرة ترى أن اللحظة الراهنة لا تسمح بإعادة فتح كل الملفات الكبرى دفعة واحدة. هذا التيار، المدعوم من قوى رئيسية داخل البرلمان الغرينلاندي يركز على حماية الوضع القائم ضمن مملكة الدنمارك، ويعتبر أن الأولوية القصوى اليوم هي صدّ الضغوط الأميركية ومنع تحويل غرينلاند إلى ساحة اختبار للقوة بين الحلفاء.

تقارير دولية
التحديثات الحية

في هذا السياق، لم يكن إعلان نيلسن المتكرر أن غرينلاند "تختار الدنمارك" تراجعاً عن فكرة الاستقلال، بقدر ما كان رسالة تهدئة داخلية مفادها أن فتح نقاشات مصيرية في ذروة الأزمة قد يضعف الموقف التفاوضي للجزيرة ويعمّق الانقسام الداخلي.

أحزاب الاستقلال بين رفض الضم والتحفّظ على الوصاية

في المقابل، تقف أحزاب الاستقلال التاريخية، وعلى رأسها "إنويت أتاكاتيغييت" والتيارات القومية اليسارية، أمام معادلة أكثر تعقيداً. فهذه القوى ترفض بشكل قاطع أي محاولة أميركية لضم غرينلاند أو فرض وصاية جديدة عليها، لكنها ترى في الوقت نفسه أن الأزمة الحالية تكشف حدود الاعتماد الطويل على كوبنهاغن.

وبالنسبة لهذه الأحزاب، فإن الاصطفاف الكامل خلف الدنمارك، وإن بدا مفهوماً في لحظة الضغط، يحمل خطر تثبيت وضع انتقالي إلى أجل غير مسمى، وتحويل الاستقلال من مشروع سياسي فعلي إلى شعار مؤجل. ويخشى قادتها من أن تتحول غرينلاند إلى ورقة تفاوض بين واشنطن وكوبنهاغن، من دون أن يكون لصوت سكانها الوزن الحاسم في تقرير مصيرهم. ويجد ذلك صداه في أوساط بعض سكان نووك، حيث يصف بعضهم ما يجري بأنه "أمر مقلق"، رافضين التخلي عن فكرة الاستقلال، وإن كان بعضهم يحبذ التعاون الأوثق مع الدنمارك لمواجهة هذه العاصفة الحالية مع قوة كبرى مثل أميركا.

تيارات براغماتية مع الانفتاح المشروط

وبين هذين المعسكرين، تظهر تيارات أكثر براغماتية وأقل أيديولوجية، لا ترى في الولايات المتحدة خصماً مطلقاً ولا في الدنمارك حليفاً أبدياً غير قابل للنقاش. هذه القوى، التي تضم سياسيين محليين ونخباً اقتصادية، تنظر إلى واشنطن باعتبارها شريكاً محتملاً في مجالات الاستثمار والبنية التحتية واستغلال الموارد الطبيعية الضخمة في الجزيرة، خصوصاً في ظل التغير المناخي وفتح ممرات جديدة في القطب الشمالي. غير أن هذه التيارات تدرك حساسية المزاج الشعبي، وتحرص على التأكيد أن أي تعاون مع الأميركيين يجب أن يتم ضمن إطار احترام السيادة، ومن خلال القنوات الرسمية، لا عبر صفقات أو ترتيبات تتجاوز الإرادة المحلية.

أما الرأي العام في غرينلاند، على الأقل بحسب ما تحدث البعض إلى "العربي الجديد" اليوم الثلاثاء في نووك، فيبدو أكثر وضوحاً من النخب السياسية نفسها. ففكرة "بيع غرينلاند" أو التعامل معها كأصل استراتيجي قابل للتملك قوبلت برفض واسع من تيارات مختلفة، وعبّر عنها رئيس الحكومة المحلية الذي يدرك ما يدور في الشارع حين قال إن ما شهدته الجزيرة هو "رفض واضح من السكان لأن يكونوا معروضين للبيع". وهذا الرفض الشعبي يشكل عامل ضغط إضافي على الأحزاب كافة، ويدفعها إلى الحذر في خطابها تجاه واشنطن، مهما اختلفت قراءاتها للمستقبل. وينتظر أن تشهد مختلف المدن الدنماركية السبت القادم تظاهرات رافضة للرغبات الأميركية بالاستحواذ على الجزيرة.

اختبار للنظام العالمي

في خلفية هذا المشهد الداخلي، تتسع أبعاد الأزمة دولياً. فقد حذرت ألمانيا، على لسان وزير دفاعها بوريس بيستوريوس من أن أي تحرك أميركي للسيطرة على غرينلاند سيكون سابقة داخل حلف شمال الأطلسي، فيما يرى باحثون في كوبنهاغن أن القضية لم تعد تخص جزيرة أو حتى مملكة، بل باتت اختباراً للنظام الدولي القائم على القواعد، ولمبدأ عدم ترهيب الدول الصغيرة من قبل القوى الكبرى.

ومع توجه الوفد الدنماركي–الغرينلاندي إلى واشنطن، تتكرر العبارات نفسها: "نأتي معاً، نبقى معاً، ونغادر معاً"، في محاولة لإظهار جبهة موحّدة وتماسك في مواجهة الضغوط. غير أن الأسئلة الأصعب قد لا تُطرح فقط على طاولة البيت الأبيض، بل داخل غرينلاند نفسها، بعد انقشاع العاصفة، وخصوصا حول العلاقة بالدنمارك ومستقبل شعب الجزيرة، الذي يزعجه كثيرا أن يجري الحديث عن مصيره دون استشارته.

بالنسبة لغرينلاند، لا تُختصر الأزمة في خلاف دبلوماسي عابر مع واشنطن، بل تُقرأ كاختبار لمكانتها داخل المنظومة الغربية. ورغم أن الجزيرة ليست عضواً في الاتحاد الأوروبي منذ تطبيق الخروج منه باستفتاء شعبي عام 1985، فإنها ترتبط به عبر الدنمارك باتفاقيات تعاون متعددة.

في نووك، يسود اعتقاد بأن صمت الاتحاد الأوروبي أو حياده قد يُفسَّر كضوء أخضر ضمني لإعادة رسم خرائط النفوذ في القطب الشمالي. لذلك، تتوقع الأوساط الغرينلاندية موقفاً أوروبياً أكثر وضوحاً، يرفض المساس بالسيادة، ويدعم الدنمارك وغرينلاند دبلوماسياً، ويعزز الحضور الأوروبي في الشمال كشريك. بالطبع ثمة قلق من ألا يقوم الأوروبيون بالرد على واشنطن، إذا ما صعدت اقتصاديا وتجاريا، على اعتبار أن نووك خارجة منه، بينما تظل كوبنهاغن ممثلة لسيادة الجزيرة وشعبها، كعضو في النادي الغربي.

أما في كوبنهاغن، فيُنظر إلى الاتحاد الأوروبي باعتباره ركيزة سياسية أساسية لتوازن النفوذ الأميركي، ويُخشى أن يؤدي أي تردد أوروبي إلى إضعاف الموقف التفاوضي ليس فقط في قضية غرينلاند، بل في ملفات سيادة أوروبية أخرى مستقبلاً. يقف حلف شمال الأطلسي بدوره أمام معضلة شديدة التعقيد، إذ إن الولايات المتحدة، الطرف الأكثر ضغطاً في الأزمة، تشكّل في الوقت نفسه العمود الفقري للحلف. ومع ذلك، يرى الغرينلانديون والدنماركيون أن حلف "ناتو" لا يمكنه غضّ الطرف عن أزمة تمس أحد أعضائه الأساسيين، ولا سيما إذا انطوت على تهديد ضمني بفرض أمر واقع. وفي هذا السياق، لمّحت رئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدركسن إلى أن أي محاولة لفرض السيطرة بالقوة ستعني، عملياً، نهاية فكرة التحالف الغربي كما عُرفت حتى اليوم.

من جهتها، تنظر كوبنهاغن إلى ناتو بوصفه خط الدفاع الأخير عن الاستقرار في الشمال، مؤكدة استعدادها للاستثمار في القدرات الدفاعية المطلوبة، لكنها تنتظر في المقابل من الحلف أن يضع حدوداً واضحة لأي سلوك أحادي داخل صفوفه. وتسعى الدنمارك إلى نزع الذرائع الأمنية التي تطرحها إدارة ترامب عبر تعزيز حضورها الدفاعي في المنطقة، حيث تمكن مراسل "العربي الجديد" من مشاهدة قطع بحرية دنماركية تجوب خليج العاصمة نووك في رسالة عسكرية–سياسية مزدوجة.

أما من وجهة نظر نووك، فلا يُنتظر من الناتو الاصطفاف ضد واشنطن، بقدر ما يُنتظر منه التأكيد أن مفهوم الأمن الجماعي لا يمكن أن يُستخدم غطاءً للهيمنة، وضمان أن أي ترتيبات أمنية في القطب الشمالي تتم بشفافية كاملة وبالتوافق مع السلطات الغرينلاندية المنتخبة. في الأوساط الغرينلاندية، يسود قلق من أن تتحول الحسابات الواقعية داخل الاتحاد الأوروبي وناتو إلى براغماتية صامتة تفضّل تجنّب الصدام مع واشنطن على حساب المبادئ. ويرى محللون أن أي فشل أوروبي أو أطلسي في التعامل الجدي مع الأزمة سيقوّض ثقة الدول الصغيرة في المنظومة الغربية بأكملها.

سواء أسفر لقاء واشنطن عن تهدئة مؤقتة أو فتح جولة جديدة من التوتر، تدرك غرينلاند والدنمارك أن المعركة الدبلوماسية لن تُحسم في اجتماع واحد. فالرهان الحقيقي هو على قدرة الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي على التحول من أطر تحالف نظرية إلى مظلة فعلية تحمي السيادة وتمنع منطق الإملاء. وفي انتظار ذلك، تبقى غرينلاند، كما قال رئيس حكومتها، "في عين الإعصار" تراقب هذه المرة ليس فقط اتجاه الرياح القادمة من واشنطن، بل أيضاً صمت أو صوت الحلفاء في بروكسل.