غرينلاند في دائرة التصعيد من جديد... تصريحات ترامب توحّد دول الشمال
استمع إلى الملخص
- ردت الدنمارك بقوة، مؤكدة أن غرينلاند ليست للبيع وأن مصيرها يقرره شعبها، مشيرة إلى عضويتها في حلف الناتو وضماناته الأمنية، ودعت إلى وقف التهديدات ضد حليف تاريخي.
- أظهرت الأزمة تضامناً إسكندنافياً، حيث دعمت دول الشمال كوبنهاغن، معتبرة أن تصريحات ترامب تهدد سيادة غرينلاند وتؤثر على الثقة بين حلفاء الناتو.
أعادت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول غرينلاند، تفجير توتر سياسي ودبلوماسي حاد بين واشنطن وكوبنهاغن، محدثة صدمة واسعة في الدنمارك وغرينلاند سرعان ما امتدت إلى دول الشمال، التي سارعت إلى إعلان تضامنها الكامل مع المملكة الدنماركية. وجاء هذا التصعيد بعد سخرية لاذعة أطلقها ترامب على متن الطائرة الرئاسية "إير فورس وان"، حين قال مستهزئاً: "هل تعلمون ما الذي فعلته الدنمارك أخيراً لتعزيز الأمن في غرينلاند؟ لقد أضافوا زلاجة تجرّها الكلاب"، في تعليق أثار استياءً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية الإسكندنافية.
ولم تقتصر تداعيات التصريح على نبرته الساخرة، بل زاد من حدته إصرار ترامب المتكرر على أن الولايات المتحدة "بحاجة إلى غرينلاند لأسباب تتعلق بالأمن القومي"، مبرراً ذلك بتنامي النفوذ الروسي والصيني في القطب الشمالي. هذا الخطاب، بحسب محللين إسكندنافيين، لم يُقرأ بمعزل عن سياق أوسع من الرسائل الأميركية المبطنة، خصوصاً بعد التدخل الأميركي في فنزويلا واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو.
وساهمت منشورات على منصات التواصل الاجتماعي في تعميق هذه المخاوف، ولا سيّما تلك التي نشرتها كاتي ميلر، زوجة مستشار ترامب ستيفن ميلر، التي تضمنت خريطة لغرينلاند مغطاة بالعلم الأميركي ومرفقة بكلمة "قريباً". واعتُبرت هذه الإشارة الرمزية في الدنمارك وغرينلاند تلميحاً مقلقاً إلى طموحات مستقبلية تجاه الجزيرة الاستراتيجية، ما أعاد إلى الواجهة تساؤلات جدية حول ما إذا كانت غرينلاند قد تكون "الهدف التالي". وزاد القلق في كوبنهاغن ونوك بعد أن عيّن ترامب، الشهر الماضي، حاكم ولاية لويزيانا جيف لاندري مبعوثاً خاصاً إلى غرينلاند، وهي خطوة رُبطت مباشرة بتصعيد سياسي محتمل، وعُدّت مؤشراً على سعي واشنطن إلى تعزيز نفوذها، وربما توسيع حضورها، في واحدة من أكثر المناطق حساسية في الجغرافيا السياسية العالمية.
"غرينلاند ليست للبيع"... غضب في نوك
في كوبنهاغن، اعتُبرت تصريحات ترامب تجاوزاً خطيراً يمس جوهر السيادة الدنماركية وتركيبة "كومنولث المملكة" الذي يضم الدنمارك وغرينلاند وجزر فارو. وردّت رئيسة الوزراء ميتا فريدركسن ببيان "مباشر وحازم" أكدت فيه أن الولايات المتحدة "لا تملك أي حق في ضم أي من الدول الثلاث الأعضاء في الكومنولث"، مشددة على أن غرينلاند ليست موضوعاً للتفاوض أو المساومة. وفي موازاة الموقف الرسمي، تعالت أصوات سياسية من مختلف الأحزاب، وصفت تصريحات ترامب بأنها "قلة احترام" لدولة ذات سيادة، مجدّدة التأكيد أن "غرينلاند ليست للبيع"، وأن مصير الجزيرة يحدّده شعبها وحده.
كما ذكّرت فريدركسن بأن مملكة الدنمارك، بما فيها غرينلاند، عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتتمتع بضماناته الأمنية، في ظلّ اتفاقية دفاعية قائمة مع واشنطن تمنحها بالفعل صلاحيات عسكرية في الجزيرة، لكنها دعت في المقابل إلى وقف "التهديدات غير المقبولة" ضدّ حليف تاريخي. وترى أوساط سياسية وإعلامية في كوبنهاغن ونوك، أن توقيت تصريحات ترامب ليس عابراً، ولا سيّما مع ربطه العلني بين غرينلاند والتدخل الأميركي في فنزويلا، ما يعزّز المخاوف من سياسة ضغط أوسع تُوظَّف فيها مفاهيم "الأمن القومي". ورغم امتناعه عن الإعلان عن خطوات مباشرة، فإن سخريته من حليف أطلسي، أعادت إلى الواجهة هواجس "الضم" وفرض الأمر الواقع في دول الشمال.
إدارة ترامب بالنسبة لكثيرين في الدنمارك ستحاول استمالة البعض في غرينلاند، خصوصاً من خلال التركيز على ما يسمونه مظالم تاريخية في العلاقة بكوبنهاغن. مع ذلك، فإنه في غرينلاند نفسها، جاءت ردّات الفعل غاضبة. وعبّر رئيس حكومة الحكم الذاتي ينس فريدريك نيلسن، عن استيائه الشديد من تصريحات ترامب، معتبراً ربط غرينلاند بفنزويلا والتدخل العسكري "استخفافاً وقلة احترام". وكتب بلهجة حازمة: "كفى! لا مزيد من الضغوط، ولا مزيد من التلميحات، ولا مزيد من أوهام الضم"، مؤكداً أن غرينلاند "ليست أداة في خطاب القوى العظمى"، وأن مستقبلها يقرّره سكانها وحدهم.
حقائق على الأرض… لا زلاجات وكلاب
خلافاً لما أوحى به ترامب عن الكلاب والزلاجات، تؤكد الوقائع أن الدنمارك عملت خلال السنوات الأخيرة على تعزيز أمن غرينلاند على نحوٍ منهجي. فقد تصدت خلال سنوات مضت، بالتنسيق مع حكومة الحكم الذاتي، لمحاولات صينية لدخول الجزيرة عبر مشاريع استثمارية كبرى، وعززت وجودها العسكري والأمني في الدائرة القطبية الشمالية. هذا بالطبع إلى جانب احتضانها قاعدة أميركية كبيرة في ثولا. وفي أواخر يناير/كانون الثاني 2025، أعلنت كوبنهاغن إضافة 14.6 مليار كرونة دنماركية (نحو 2.5 مليار دولار) لتعزيز الوجود العسكري في القطب الشمالي، كما تشمل الخطط استثمارات أوسع في السفن والطائرات وأنظمة الرادار والمراقبة، إضافة إلى شراء 16 مقاتلة من طراز إف-35، التي تشارك في صناعة بعض مقتنياتها، ويصل إجمالي هذه الاستثمارات إلى عدة مليارات من الدولارات، ضمن خطط متعددة السنوات، تشمل أمن القطب الشمالي والدفاع الدنماركي عموماً، وليس غرينلاند وحدها.
تضامن شمال إسكندنافي غير مسبوق
لم تقتصر ردّات الفعل على الدنمارك وغرينلاند. فقد أعلنت مجموعة دول الشمال السويد والنرويج وفنلندا وأيسلندا دعمها الكامل لكوبنهاغن، في موقف عكس وحدة إسكندنافية نادرة. وأكد رئيس الوزراء السويدي أولف كريسترسون أن "الدنمارك وغرينلاند وحدهما تملكان حق اتخاذ القرارات المتعلقة بهما"، فيما شدد نظيره النرويجي يوناس غار ستوره، على أن "غرينلاند جزء من مملكة الدنمارك"، أما الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، فأكد بدوره أن "لا أحد يتخذ قرارات نيابة عن غرينلاند والدنمارك".