عون يدعو العالم لمساعدة لبنان بعد التلويح بـ"الذهاب إلى جهنّم"... ولا تقدم حكومياً

22 سبتمبر 2020
الصورة
استمرار الخلافات بشأن تشكيل الحكومة ولا مؤشرات للانفراج (حسين بيضون)
+ الخط -

دعا الرئيس اللبناني ميشال عون، ليل أمس الإثنين، عبر الفيديو بمناسبة الاحتفال بالذكرى الخامسة والسبعين لإنشاء الأمم المتحدة، الذي نُظم في قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، العالم إلى المساعدة في تأمين العودة الآمنة للاجئين السوريين (الدولة اللبنانية تعتمد توصيف النازحين)، إلى ديارهم، "لأنّ لبنان، الذي يئن من وطأة الأزمات غير المسبوقة التي تثقل كاهله، لن يستطيع الاستمرار في استضافة أكبر عدد من اللاجئين في العام نسبة إلى عدد السكان".

وأكد الرئيس اللبناني على "تعلّق لبنان بالمبادئ السامية للأمم المتحدة وميثاقها، وبما تطمح إليه من أهداف نبيلة لصالح شعوب العالم"، داعياً إلى "إدخال الإصلاحات اللازمة على طريقة عمل هذه المؤسّسة الدولية، ومضاعفة السعي لمساعدة الدول المحتاجة في سبيل مستقبل أفضل"، مشدداً على أنّ "الصعوبات لن تثني لبنان عن متابعة دوره الإيجابي على الصعيد الدولي، وتفاعله البنّاء مع الأمم المتحدة وضمن الأسرة الدولية".

وترفض السلطات اللبنانية التعامل مع السوريين على أنهم لاجئون، وتحرص على ربط قضيتهم في كل مناسبة دولية بالأزمة الاقتصادية في لبنان، علماً أنّ مساعدات كثيرة وصلت إلى الدولة كهبات وأموال خصّصت للوقوف إلى جانب اللاجئين، في قطاعات عدّة، أبرزها التعليم.

وفي وقتٍ يواصل لبنان طلب دعم الجهات الدولية المانحة، للخروج من أسوأ أزمة اقتصادية ومعيشية عرفها في تاريخه، يريد في الوقت نفسه أن تصل إليه الأموال على طبقٍ من فضة أو شيك على بياض، كما اعتاد مسؤولوه دوماً، من دون القيام بأي إصلاحٍ يُذكر، وهو أمرٌ تطرّق إليه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في زيارته الأخيرة إلى بيروت، مطلع سبتمبر/ أيلول الجاري، وشمله في إطار المبادرة الفرنسية لإنقاذ البلاد، والتي تبدأ بتشكيل حكومة خلال 15 يوماً، وهو ما تعجز عنه الطبقة السياسية حتى اليوم، رغم تمديد المهلة، وما تزال غارقة في منطق الحصص الطائفية وخسارة الفرصة الأكبر التي تنتشل الوطن "من جهنم" الذي قد يذهب إليها في حال عدم وفاء المسؤولين اللبنانيين بالتزاماتهم، وفق ما قالها صراحةً  عون نفسه، أمس الإثنين.

وعلى الصعيد الحكومي، لا جديد يُذكَر سوى مبادرات واقتراحات ومشاورات واتصالات لم تنجح بعد في اتفاق موحّد وزارياً، في وقتٍ لوّح فيه رئيس الحكومة المكلف مصطفى أديب، أمس، بقوله: "لا أعتقد أنّ أحداً يستطيع أن يحمّل ضميره مسؤولية التسبّب بمزيدٍ من الوجع لهذا الشعب"، علماً أنّ أديب كان يتّجه إلى الاعتذار قبل أسبوعٍ، لكنه تريّث بعد اتصالات داخلية وفرنسية تمنّت عليه التمهّل.

لا جديد يُذكَر سوى مبادرات واقتراحات ومشاورات واتصالات لم تنجح بعد في اتفاق موحّد وزارياً

ويتمسّك "الثنائي الشيعي"، ممثلاً بـ"حزب الله" وحليفته "حركة أمل"، بزعامة رئيس البرلمان نبيه بري، بتسمية وزرائهم والتشبث بحقيبة وزارة المال، وهو ما تعارضه بقية الأطراف، ولا سيما رؤساء الحكومة السابقون، وأبرزهم رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري، الذي يتّهمه بعض أفرقاء الثامن من آذار بالتأثير على قرارات أديب، والتدخل في عمله، وتغييب الكتل النيابية عن لقاءاته، فيما رفع البطريرك الماروني بشارة الراعي سقف الهجوم على "حزب الله"، مكرّراً ضرورة اعتماد الحياد.

وأعاد تمسّك "حركة أمل"، التي طاولتها العقوبات الأميركية عبر وزيرها السابق مستشار بري النائب علي حسن خليل بوزارة المال، الخلاف بينها وبين "التيار الوطني الحرّ" بزعامة النائب جبران باسيل، علماً أنّ الهدوء الحذر دائماً ما يطغى على علاقة الطرفين التي لا يربطها سوى "حزب الله"، لكن هذه المرّة تخطى الحدود كلّها، وطاولت شظاياه العهد برئيسه ميشال عون.  

فبعد الاتهامات المتبادلة بالفساد، من دون أن يعتبر القضاء اللبناني المواقف بمثابة إخبار، أشار النائب في "التيار الوطني الحر" زياد أسود، إلى أنّ "وزارة المالية نموذج فاقع عن حالات الفساد تبدأ من أصغر معاملة إلى أكبرها، ولا يمرّ شيء من دون حصة، ونموذج آخر يوم كانت لجنة المال والموازنة من نصيب مسيحي (النائب الراحل سمير عازار) في كنف الرئيس بري، وكنا نمشي بلا موازنة وأرقام وتلاعب بحساب وحصص، وهي نفذت مهمة ما وصلنا إليه اليوم من إفلاس".

وأتى رد خليل بالقول: "عهدكم الأسود هو النموذج الذي لم يسبه أحد بالفساد من أعلى المقامات إلى أدنى متوتر يكذب نفسه والناس". مضيفاً: "تحديناكم مرات فلا تصدقوا أنفسكم على حساب الحقيقة، ولا تنسوا أن الكل يعرف طاقتكم (غامزاً من قناة وزارة الطاقة التي تمسك بها التيار لسنين، ورفض المداورة عليها بعكس ما هو يطالب اليوم، وتسببت بعجز مالي كبير)، فالوزارة معنا أعادت الانتظام للمالية، موازنات وحسابات وتدقيقا وتقارير محاسبة، لتكمل ما أنجزه المسيحي الوطني في لجنة المال، ودوره الذي لا يختلف عليه اثنان"، مع الإشارة إلى أن رئيس لجنة المال والموازنة اليوم هو النائب في التيار إبراهيم كنعان.

واستكمل الرجلان التراشق الكلامي في مشهدٍ لا يوحي بقرب الحلول على الصعيد الحكومة في ظلّ الأجواء الخلافية التي تزيد مع كلّ مماطلةٍ.

ويقابل إصرار "الثنائي الشيعي" على التمسّك بمطالبهم، تصميم باريس على مساعدة لبنان ومنحه المزيد من الفرص، "لأجل الشعب اللبناني المتضرّر الأبرز في الأزمة الراهنة، من هنا أتت خطوتها في تمديد المهلة الزمنية، إلى أجل محدود وغير مسمّى"، وفق ما يؤكد مصدر دبلوماسي فرنسي، لـ"العربي الجديد".

ويضيف المصدر أنّ "فرنسا تمنح القوى السياسية المزيد من الوقت، لعلمها بتداعيات سقوطها، وهي تناقش إمكانية تعديل المبادرة، بشكلٍ لا يعيق مبدأها الأساسي بمجلس وزراء من أصحاب الكفاءة والنزاهة والاختصاص يضع برنامجاً إصلاحياً ينفذ في وقتٍ سريع، ضمن خارطة إصلاحات تتضمن جملة مساعدات دولية".

وخرق الرئيس عون مشهد الجمود، باقتراح تقدّم به، أمس الإثنين، للقيام بالخطوة الأولى في اتجاه مدنية الدولة، عبر إلغاء التوزيع الطائفي للوزارات التي سميت بـ"السيادية"، وعدم تخصيصها لطوائف محددة، بل جعلها متاحة لكل الطوائف، ورفع سقف الموقف تجاه "الثنائي الشيعي"، ومن ضمنهم حليفه الأساسي "حزب الله"، لكنه أكد في المقابل أنّ تفاهم "مار مخايل" لم يفك، ولكن هذا لا يمنع أن يبديَ كلّ فريق رأيه عندما لا يكون هناك تفاهم حول موضوع ما.

من ناحية ثانية، ترأس عون اجتماعاً مالياً بحضور رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب، خصّص للبحث في السُبل الكفيلة بمواصلة الدعم، ولا سيما الأدوية والقمح والمواد والسلع الأساسية، وتقرّر الطلب من الوزارات المعنيّة تكثيف اجتماعاتها مع مصرف لبنان بهدف تحقيق ما تقدم ضمن خريطة متكاملة لهذه الغاية.