عودة الهذالين شهيد الدفاع عن أم الخير.. الاحتلال يفرج عن القاتل ويعتقل العائلة
استمع إلى الملخص
- تتعرض مسافر يطا لحملة استيطانية تهدف لتهجير السكان الفلسطينيين الأصليين، تشمل هدم المنازل والاعتقالات والاعتداءات، بدعم حكومي، مع إعلان تجمع أم الخير منطقة عسكرية مغلقة.
- يعكس الإفراج عن المستوطن القاتل التمييز القضائي الإسرائيلي، حيث يُمنح المستوطنون الحماية القانونية، بينما يُعامل الفلسطينيون بصرامة، مما يعزز سياسة الإفلات من العقاب.
يمعن الاحتلال الإسرائيلي في تمرير رسالة قاسية إلى سكان تجمّع أم الخير في مسافر يطا جنوبي الخليل، جنوبي الضفة الغربية، مفادها "أن لا مكان لهم على أرضهم في قادم الأيام"، كما يقول لهم المستوطن المتطرف يانون ليفي، الذي هدّدهم بأن البقاء هنا يقابله "القتل والتهجير"، وهو ما جرى مع الشهيد عودة الهذالين (31 عاماً)، الذي قُتل بدم بارد أول من أمس الاثنين، على يد ليفي الذي أطلق رصاصة على صدر الشاب الفلسطيني خلال اقتحام المستوطنين لأراضي السكّان الخاصّة.
وفيما قُتل الهذالين على أرضه، مدافعاً عنها بالصمود والوقوف فيها أمام حفريات جرّافات الاحتلال، ويُحتجز جثمانه ويُعتقل 13 شخصاً من أقاربه، من بينهم أربعة أشقاء له، أحدهم مصاب برصاصة في قدمه، تطلق محكمة الصلح الإسرائيلية في القدس المحتلة سراح المستوطن القاتل بدعوى "الدفاع عن النفس"، رغم أنّ كاميرات النشطاء، والمقاطع المصوّرة المتداولة، وشهادات الموجودين في المكان، تظهر أنّ المستوطن قتل عودة متعمّداً، ولم يكن الأخير يلقي عليه الحجارة كما ادعى في المحكمة، وفق ما يقول خليل الهذالين، رئيس مجلس تجمّع أم الخير، وشقيق الشهيد، في حديث مع "العربي الجديد".
ويتابع الهذالين: "دائماً يلعبون دور الضحية، لكن رواية الاحتلال مفنّدة تماماً، لأنّ عودة، لحظة استشهاده، كان بعيداً عن المستوطن، وكان يحمل هاتفه لتوثيق الاعتداء والهجوم، ولا صحة على الإطلاق لادعاء الاحتلال أنه كان يرشق الحجارة، لأنه لم يقترب أحد من المستوطن، بل هو من هاجم أرضهم". ويُضيف شقيق الشهيد: "لدينا محامٍ من الداخل ويحمل الجنسية الإسرائيلية لسهولة وصوله إلى الأدلة من الإسرائيليين، ولدينا فيديوهات موثّقة، وسنسلك المسار القانوني لمحاولة إنصاف الشهيد، وتحرير جثمانه، ودفنه كما يليق به في أرضه. لكننا نعرفهم جيداً، فهم دائماً يحاولون تبرئة المستوطنين، ويلعبون لعبة التضليل بادعاء أنّ المعتدي هو الضحية".
ويتابع مستنكراً: "المستوطن هو من اقتحم الأرض، وخرّب أشجار الزيتون، وبدأ بتجريفها، فلماذا لم تمنعه شرطة الاحتلال؟ ولماذا سُمح له بدخول أراضٍ خاصة؟ الناس هنا كانوا فقط يدافعون عن أرضهم، ووقفوا بأجسادهم أمام جرافة المستوطنين التي تنفّذ حفريات تخريبية. المستوطن، الذي كان يقود الجرافة، اعتدى على شقيقي الآخر أحمد، وضربه على رأسه باستخدام حفّار الجرافة، ما تسبب له بإصابة مباشرة، وكل من كان في المكان أعزل تماماً، بلا أي شيء".
وحول الإجراءات القانونية، يوضح الهذالين: "نتابع موضوع تسليم الجثمان مع محامٍ من الداخل يحمل الجنسية الإسرائيلية، وطبيبة عربية أيضاً، لكن الشرطة الإسرائيلية تُماطل وتؤخر الإجراءات عمداً. وفوق ذلك، اقتحموا بيت العزاء أمس، وأغلقوه بالقوة، واعتقلوا ناشطين أجنبيين، وأعلنوا أم الخير منطقة عسكرية مغلقة. صحيح أن الإعلان انتهى صباح اليوم، لكن خطورته أنه يمكن تجديده في أي لحظة، كما حدث مع خربة خلة الضبع قبل شهرين التي هُجِّر سكّانها، ما يجعل أم الخير مهددة بالتهجير في أي وقت".
ورغم كل ذلك، الناس صامدون على أرضهم وفق الهذالين، قائلاً: "سنستمر في متابعة القضية بكل السبل. الشهيد عودة لم يكن عادياً، بل كان ناشط سلام معروفاً في المنطقة، وله حضور واسع بين الصحافيين والنشطاء الدوليين. شارك في إنجاح فيلم "لا أرض أخرى" الذي فاز بجائزة أوسكار، وربما كان هذا أحد الأسباب التي دفعت المستوطن إلى استهدافه تحديداً، لأنه كان ينزعج من نشاط عودة وعلاقاته مع النشطاء الأجانب".
وكانت قوات الاحتلال قد اعتقلت، فجر اليوم الأربعاء، ثمانية شبان من أم الخير، جميعهم من أقارب الشهيد، واعتُقل أمس الثلاثاء، خمسة آخرون، بالإضافة إلى اثنين من النشطاء الأجانب. ومن بين المعتقلين شقيق الشهيد الهذالين، وهو مصاب برصاصة في قدمه، ولا تعلم عائلته عن وضعه الصحي أي شيء.
ويقول رئيس مجلس أم الخير: "الاحتلال يمارس دور الحاكم والجلاد: يقتل ثم يعتقل أشقاء الشهيد، بينما يُطلق سراح القاتل فوراً (...) نحن الآن محاصرون، ولم يزرنا أحد من الجهات الرسمية أو الحقوقية الفلسطينية. يجب أن يكون هناك تحرّك عاجل وحضور فوري في أم الخير، قبل فوات الأوان".
وكان الشهيد عودة الهذالين معلم لغة إنكليزية في المدارس الحكومية، وناشطاً رياضياً في نادي سوسيا المحلي، ومناصراً قوياً للسلام، وله علاقات متينة بالنشطاء الأجانب. وهو أب لثلاثة أطفال، أكبرهم يبلغ خمس سنوات، وأصغرهم لا يتجاوز ثمانية أشهر، فيما يُعتبر قاتله المستوطن يانون ليفي من الأكثر تطرفاً بين المستوطنين، إذ يسكن في مستوطنة ميترِيم، وهي بؤرة استيطانية غير قانونية أنشأها بنفسه في جنوب الخليل عام 2021، وقد فرضت الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي عقوبات عليه في وقت سابق، لكنّ القضاء الإسرائيلي لم يتعامل معه بناءً على ذلك، بل سارعت منظمة "حونينو" اليمينية المتطرفة إلى الدفاع عنه أمام القضاء.
ولم يكن قرار سلطات الاحتلال بالإفراج عن ليفي مفاجئاً، بحسب الناشط ضد الاستيطان من مسافر يطا، أسامة مخامرة، الذي يؤكد في حديث مع "العربي الجديد" أنّ "المشهد مألوف لدينا في مسافر يطا، فمن يقتل الفلسطيني يُكافأ، ومن يُعتَدَ عليه يُلاحق ويُزج في السجون". ويتابع مخامرة: "هذه ليست الحادثة الأولى، ولن تكون الأخيرة. قبل سنوات، أُحرقت عائلة دوابشة وهم نيام داخل منزلهم، كذلك فإن إطلاق النار على المواطنين العُزّل يتكرر يومياً في وقائع متعددة، وفي كل مرة يُطلق سراح القتلة دون محاسبة. إسرائيل لا تحاكم المستوطنين، بل تحميهم".
ويُشير مخامرة إلى حادثة إطلاق النار على الشيخ سعيد العمور منتصف إبريل/ نيسان الماضي، حين أُصيب بطلق ناري في قدمه، وأُجريت له عملية بتر، ورغم توثيق الجريمة بالصوت والصورة، "لم يبقَ المستوطن الجاني في الاحتجاز سوى ساعات معدودة قبل أن يُفرج عنه، وكأن شيئاً لم يكن"، على حد تعبيره.
ويحذر مخامرة من أن ما تتعرض له مسافر يطا "حرب استيطانية مكتملة الأركان، تُنفّذها المؤسسة الإسرائيلية بكل أذرعها"، موضحاً أن "الهدف تفريغ الأرض من سكانها الأصليين، من خلال الهدم والترهيب والاعتقالات، لزرع البؤر الاستيطانية مكانهم، بدعم علني من الحكومة، ومن الواضح أن الدور الآن وصل عند تجمع أم الخير لإيصال رسالة مفادها أنه لن يُترك الفلسطيني في أرضه، ولأن الاحتلال لا يمارس عدالة، بل وقاحة استعمارية تُكرّس واقع الفصل العنصري (الأبارتهايد)".
ويقول مخامرة: "اعتداءات المستوطنين يقودها الوزير المتطرف إيتمار بن غفير، ومعه الوزير المتطرف بتسلئيل سموتريتش، وذلك يحصل بلا أقنعة، ويمنحان المستوطنين الغطاء الكامل للجرائم. وما يجري ليس مجرد تمييز، بل تطهير عرقي لإيصال رسالة بأن منطقة مسافر أرض للمستوطنين، رغم وجود أصحابها الأصليين فيها".
من جانب آخر، أكد نادي الأسير الفلسطيني، في بيان له، اليوم الأربعاء، أنّ قرار محكمة الاحتلال الإفراج عن المستوطن المتهم بقتل الشهيد عودة الهذالين من مسافر يطا "يُعدّ دليلاً إضافياً، وليس الأخير، على الدور الوظيفي الذي تؤديه المنظومة القضائية الإسرائيلية، بكونها أحد الأذرع الأساسية في ترسيخ منظومة التوحش الإسرائيلية". وأوضح النادي أنّ هذا القرار "يكرّس سياسة الإفلات من العقاب ويوفّر مظلة حماية قانونية لمرتكبي الجرائم بحق الشعب الفلسطيني".
وبيّن النادي أنّ الجهاز القضائي للاحتلال، بما في ذلك المحاكم العسكرية، "شكّل ولا يزال إحدى أبرز الأدوات التي يوظفها الاحتلال لشرعنة جرائمه، وتكريس سيطرته على الأرض والإنسان الفلسطيني، واستهداف وجوده وحقوقه الأساسية عبر إجراءات قضائية ظاهرها "قانوني" وجوهرها تمييزي وقمعي وعنصري".
وأكد نادي الأسير أنّ الإفراج عن القاتل، والمشهد الذي ظهر فيه المستوطن أمام المحكمة، "يمثّلان رسالة تحريض علنية للمستوطنين لقتل المزيد من الفلسطينيين". وأشار النادي إلى أنّ القرار "لم يكن مفاجئاً في ضوء عشرات ومئات حالات الإعدام الميداني والقتل المتعمّد التي نفذها جنود الاحتلال والمستوطنون دون أي مساءلة، الأمر الذي يعزّز سياسة الإفلات من العقاب ويوفّر بيئة حاضنة لارتكاب المزيد من الجرائم".
وبيّن النادي أنّه "لو كان الأمر يتعلق بفلسطيني، لأصدرت المحكمة حكماً بالسجن المؤبد بحقه، وأقدمت على هدم منزله ومعاقبة عائلته بشكل جماعي". وفي المقابل، وضمن سياسة التمييز المنهجي ونظام الفصل العنصري، أقدمت قوات الاحتلال صباح اليوم على اعتقال عدد من أفراد عائلة الشهيد الهذالين في خربة أم الخير بمسافر يطا.