عن "مأساوية" الربيع العربي

عن "مأساوية" الربيع العربي

03 ديسمبر 2021
استخدام فلاديمير بوتين مفردة "المأساة" في توصيف نتائج الربيع العربي (Getty)
+ الخط -

بمعزل عن تقييم ثورات الربيع العربي عند ناسها، من المأساوي أن يقدم لنا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مطالعة عن الربيع العربي، غارقة ضمنياً في نظرية المؤامرة، المنطلقة محلياً من مؤيدي الاستبداد العسكريتاري الوراثي، منذ الثورة التونسية في ديسمبر/كانون الأول 2010.

استخدامه مفردة "المأساة" في توصيف النتائج أقرب أيضاً إلى قراءة سطحية استشراقية مقصودة، وفي جوهرها تذهب لاحتقار ذاكرة وقيمة العربي.

سورية أقرب مثل عن حقيقة مواقف موسكو من الشعوب، وإن كان المجال لا يتسع لاستعراضها كاملة للطعن بالثورة السلمية فيها. فمبكراً عبر عنها وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف، بأسلوب غير دبلوماسي، وبعجرفة المتفاهم مع بعض الغرب المذعور من انتقال الحالة العربية إلى الحرية والديمقراطية. فالرجل نصب نفسه لتحديد شكل نظام حكم سورية، وبكلام طائفي ممجوج. وذلك عدا عن "الفيتو" المكرر في مجلس الأمن، حتى عن جرائم حرب واستخدام السلاح الكيميائي، وتكذيب الضحايا وأهاليهم حتى يومنا هذا.

سياسة التفاخر بـ"عقيدة غروزني" التدميرية، بتجريب الأسلحة الروسية على رؤوس السوريين، أشارت مبكراً لانضمام موسكو إلى تحالف إقليمي للثورات المضادة، أراد من سورية التحول إلى نموذج قمع إرادة الشعوب بالحديد والنار، والتحالف مع عصابات ومليشيات مرتزقة عابرة للجنسيات، بما فيها "فاغنر"، لا تستره بكائيات على اللاجئين السوريين، المطاردين، حتى برلين منذ 2015، بأخبار موسكو الزائفة، كما استخدمتهم أخيراً في بيلاروسيا.

بل حتى بين المتوهمين أن موسكو صارت جزءاً من "محور الممانعة"، بات يُطرح سؤال عن حقيقة جهدها في التنسيق وحماية دولة الاحتلال، حدوداً وقصفاً، على أنقاض سورية، برضا تام من تل أبيب.

الوقائع تقول إن تلك السياسة لم تختلف كثيراً عن النفاق الغربي، وإن بدون قفازات حريرية، لدعم بقاء الأنظمة العسكريتارية في مواجهة الربيع العربي، من تونس وليبيا إلى اليمن.

باختصار، موسكو تعيش على وهم أن ذاكرة الناس قصيرة، وهو ما يفعله غيرها، ككيانات ومليشيات إقليمية، أوغلت في دماء السوريين وغيرهم. والمأساة الحقيقية هي المشاركة بتحويل الدول إلى أطلال لأجل المصالح الروسية وغيرها من قوى. أما مآلات ثورات الربيع العربي فيكفي أنها أعلت شأن إدراك الشعوب مكمن ومنابع مأساتها، ولم يعد همساً سؤال التخلص من الاستبداد.

المساهمون