عنف الشرطة الفرنسية: هل يُنهي تشتت اليسار؟

30 نوفمبر 2020
الصورة
جمعت التظاهرات الضخمة بحسب المنظمين 500 ألف شخص (Getty)
+ الخط -

ليست حركة الاحتجاج ضد عنف الشرطة في فرنسا بالأمر الجديد. فهذه القضية هي محل نقاش منذ سنوات عديدة، لكن بعد حادثة الأميركي جورج فلويد اتخذت منحى تصاعدياً مع لجوء الناس إلى الشارع. وما تزال التظاهرة التي خرجت للمطالبة بكشف حقيقة مقتل الشاب الفرنسي من أصول أفريقية آداما تراوري، أثناء استجوابه على يد الشرطة عام 2016، تُشكل نقطة التحول في هذه القضية، مع خروج نحو 100 ألف شخص للتظاهر في يونيو/حزيران الماضي، تحدوا حالة الحجر الصحي المفروضة على الفرنسيين للمطالبة بالعدالة لهذا الشاب. وما بين ذلك التاريخ والتظاهرات العارمة التي خرجت أول من أمس في معظم المدن الفرنسية، والتي جمعت بحسب المنظمين 500 ألف شخص، و133 ألفاً بحسب أرقام وزارة الداخلية، حدثت تحولات عدة، يبدو أن اليسار يحاول استثمارها لصالحه، من دون أن يكون محسوماً ما إذا كان سيتمكن من توظيف غضب الفرنسيين لإنهاء تشتته.

اليسار الراديكالي متهم من قبل التيار الداعم للشرطة والسلطة التنفيذية بأنه يسعى للفوضى وتقويض حكم القانون

فتظاهرة يونيو الماضي كانت محط إدانة معظم الأحزاب الفرنسية، بما في ذلك اليساريون، فيما اختار زعيم اليسار الراديكالي وحزبه "فرنسا غير الخاضعة" جان لوك ميلانشون دعم عائلة تراوري، فكان مع نواب كتلته البرلمانية الوجوه السياسية الوحيدة التي رآها الناس تهتف معهم: "كل الناس تكره الشرطة". ثم ما لبثت كرة الثلج هذه أن كبرت، مع ارتفاع أصوات عائلات ضحايا كثر فقدوا حياتهم على يد الشرطة الفرنسية، مثل سدريك شوفيا، عامل التوصيلات الذي قضى خنقاً عند إشارة ضوئية أمام المارة في وضح النهار، مطلع العام الحالي. وتلاه المراهق صبري شهبي، الذي مات أثناء مصادفته دورية للشرطة خلال الحجر الصحي في مايو/أيار الماضي، وقالت عائلته إن خوفه من الشرطة أفقده، خلال فراره، توازنه على دراجته النارية ما أدى لوفاته.
عبدالمؤمن ليف، صديق طفولة صبري، أصبح وجهاً معروفاً في كل التظاهرات المناهضة لعنف الشرطة الفرنسية منذ يونيو. يأخذ الميكروفون ويروي للآلاف قصة صديقه. يحمسهم، ويطلق، مع عائلة صبري وأصدقائه، هتاف "كل الناس تكره الشرطة" في ساحة شامب دو مارس أمام برج إيفل. في برنامج "ملف تابو" على قناة "M6" قدّم معد البرنامج برنار دو لا فيلارديير، في حلقته في 8 نوفمبر/تشرين الثاني الحالي، هذا الشاب ذا 18 سنة على أنه مراهق مُغرر به من قبل اليسار، وخصوصاً جماعة ميلانشون. وهي تهمة تواجه معظم الناشطين الذين يحتجون على عنف الشرطة في محاولة لكسر مصداقيتهم أمام الناس. يقول ليف، لـ"العربي الجديد": "لقد فقدت صديقاً مات أثناء مصادفته دورية للشرطة". ويضيف "أنا مجرد شخص عادي، ليس لدي أي خلفية سياسية، لكن لا أريد أن تقع مآسٍ أخرى من هذا النوع. لا أريد أن يصادروا حقنا بتصويرهم أثناء الاعتداء علينا، فالكاميرا سلاحنا الوحيد بوجههم".

وإلى جانب ليف، أظهر البرنامج الصحافي الفرنسي طه بوحفص، الذي سبب فضيحة "ألكسندر بنالا" للرئيس إيمانويل ماكرون، عندما صوّر مسؤول أمنه يعتدي على أشخاص بمناسبة عيد العمال، ما أدى إلى إقالته مع عدد من المسؤولين المقربين من ماكرون، يوصفون بـ"مستشاري الظل" في الإليزيه. بوحفص، قدّمه البرنامج أيضاً على أنه تلميذ ميلانشون. لكن الصحافي الشاب كان قد ترك حزب "فرنسا غير الخاضعة" قبل سنوات، لاختلاف وجهات النظر في القضايا التي تخص الإسلاموفوبيا والمهاجرين. وكان بوحفص، الذي أصبحت صوره رمزاً في الآونة الأخيرة للرافضين لقانون "الأمن الشامل"، قد قال، لـ"العربي الجديد" في تصريحات سابقة، إن توثيق عنف الشرطة في فرنسا "وضع المسألة في صلب النقاش السياسي والإعلامي... واليوم المؤسسة البوليسية والسلطة عامة فهمت جيداً أنها تخسر حرب الصور هذه"، لذلك أرادت سن قانون "لقمع توزيع هذه الصور". ويتضمن مشروع قانون "الأمن الشامل" عقوبة بالسجن سنة ودفع غرامة قدرها 45 ألف يورو في حال بث صور لعناصر من الشرطة بدافع "سوء النية". كما يحتج المعترضون على تقنين استخدام قوات الأمن للطائرات المسيرة وكاميرات المراقبة.
بوحفص وليف، يعتبران مثالاً عمّا يحاول التيار الداعم للشرطة والسلطة التنفيذية إظهاره لضرب مصداقية هذه الاحتجاجات. فاليسار الراديكالي متهم من قبل أولئك بأنه يسعى للفوضى وتقويض حكم القانون. بل أكثر من ذلك هو المحرّض على كراهية الناس للشرطة. وهذا الاتهام لطالما كان مصدره اليمين واليمين المتطرف، مع غض بصر من الاشتراكيين والأحزاب اليسارية الأخرى، التي كانت تسير في خط موازٍ معهم عندما أدانت تظاهرة "العدالة من أجل آداما" قبل أشهر، على سبيل المثال. لكن هذه الحالة يبدو أنها ستتغير مع استمرار فضائح الشرطة وانتهاكاتها بالخروج إلى العلن.

غياب أحزاب اليمين وممثليهم عن تظاهرة السبت في ساحة الجمهورية مناسبة ليستغل اليسار الفراغ

وفي صورة مفاجئة، أعلن الحزب الاشتراكي دعمه تظاهرات أول من أمس، مستغلاً اعتراضه كذلك على قانون "الأمن الشامل"، الذي ابتكرته الكتلة النيابية التابعة لحزب ماكرون "الجمهورية للأمام" ووزير الداخلية جيرالد درمانان. فخرجت الأصوات المؤيدة للتظاهرات الضخمة، والتي جمعت بحسب المنظمين 500 ألف شخص، و133 ألفاً بحسب أرقام وزارة الداخلية.
وأمام السيول البشرية التي شهدتها فرنسا، السبت الماضي، خصوصاً في باريس، كان رموز اليسار الحزبي يصفقون، ويعلنون تحولاً في صمتهم وتجاهلهم لقضايا تمس الفرنسيين، مثل عنف الشرطة وقانون "الأمن الشامل". أوليفييه فور، ويانيك جادوت، وجوليان بايو، وأودريه بولفار، وأوليفييه بيسانسينوت، وبينوا هامون، وفرانسوا هولاند، كلهم غيّروا لهجتهم وشجبوا بشكل مشترك صور العنف وقانون ماكرون-درمانان، وأعلنوا وقوفهم جنباً إلى جنب مع المتظاهرين في ساحة الجمهورية. هذا الإجماع الذي حققته صور العنف الأخيرة في صفوف اليسار، ما يزال من المبكر القول إنه سيعيد رص صفوف اليسار المفكك، والمتناحر بين تيارات عديدة، أبرزها التيار الاشتراكي التقليدي والتيار الآخر الذي يمثله ميلانشون. فبالنسبة للأخير أصبح النظام الذي يمثله ماكرون حالياً "استبدادياً"، أما نائبه أوغو برناليسيس، فيصف الوضع الحالي لفرنسا بأنها "دولة بوليسية". لكن الاشتراكيين وإن ظهروا أكثر اعتدالاً إلا أن نغمتهم تغيّرت، والسخط ظهر بشكل واضح في خطابات ممثليهم، مثل يانيك جادوت مرشح حزب "الخضر" لانتخابات الرئاسة عام 2017، الذي يندد بقانون "الأمن الشامل" بوصفه "قاتلاً للحرية".
وبرغم موقفهم الصريح الداعم لتظاهرات الفرنسيين الأخيرة، تبقى المثالب كثيرة على اليسار عموماً، والاشتراكيين بشكل خاص. فهشاشة مواقفهم يستغلها اليمين، وحتى شريحة واسعة من الفرنسيين عندما يذكّرون بأن الرئيس السابق فرانسوا هولاند كان يريد سن قانون لا يقل خطورة عن قانون "الأمن الشامل" بالنسبة إليهم، عندما أراد سحب الجنسية ممن توجه إليهم تهم دعم الإرهاب، حتى وإن كانوا مواطنين فرنسيين ولدوا في البلاد. في هذا السياق، حاول هولاند قطع الطريق على من يريد إعادة تلك المرحلة الصعبة من حكمه إلى الواجهة. وكتب، في تغريدة السبت، معلّقاً على قانون "الأمن الشامل": "عندما يصطدم نص القانون بالضمير ويقسم المجتمع، وعندما يهدد بإثارة العنف، يجب سحبه... لقد واجهت هذا الأمر في مسألة قانون سحب الجنسية، واليوم إذا كان هناك شرف، فلا بد من وجوده في سحب نص قانون (الأمن الشامل) وليس في الإبقاء عليه".
وبعدما تغيّرت نبرة الاشتراكيين واليسار، يرى كثيرون أنها بداية جيدة لاتفاق المجموعات اليسارية سيكون لها تأثير على المجلس الدستوري لعرقلة قانون "الأمن الشامل"، حيث سيكون القرار النهائي بيده. كما أن غياب أحزاب اليمين وممثليهم، رغم اعتراض عدد كبير منهم على القانون، عن تظاهرة أول من أمس في ساحة الجمهورية، سيكون مناسبة ليستغل اليسار الفراغ، ليعود مجدداً إلى واجهة الأحداث بصورة مشذّبة أكثر، بعيدة عن التناحر، وبمشهد يجب أن يحرصوا بشدة على ألا يظهروا فيه وكأنهم ركبوا هذه الموجة قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة في 2022، وقد سجل ميلانشون اسمه كأول مرشح رسمي لها.

المساهمون