عمر شاكر: إسرائيل ترتكب جرائم ضد الإنسانية بحق الفلسطينيين

مسؤول مكتب "هيومن رايتس" في فلسطين لـ"العربي الجديد": إسرائيل ترتكب جرائم ضد الإنسانية بحق الفلسطينيين

27 ابريل 2021
الصورة
أبعدت إسرائيل شاكر خارج فلسطين نهاية 2019 (عباس مومني/فرانس برس)
+ الخط -

يخلص تقرير لمنظمة "هيومن رايتس ووتش"، والصادر اليوم الثلاثاء، إلى أنّ السلطات الإسرائيلية تمارس الأبارتهايد (الفصل العنصري) والاضطهاد وبذلك ترتكب جرائم ضد الإنسانية بحق الفلسطينيين، بحسب القانون الدولي. وهذه هي المرة الأولى التي تستخدم فيها المنظمة رسمياً مصطلح "الأبارتهايد" لوصف الممارسات الإسرائيلية. وللوقوف على أهمية التقرير وتسليط الضوء على تبعاته، أجرت مراسلة "العربي الجديد" في الأمم المتحدة في نيويورك، هذه المقابلة الخاصة مع مسؤول مكتب المنظمة في فلسطين الحقوقي عمر شاكر، وهو أميركي من أصول عراقية، ويقيم حالياً في عمّان، حيث قامت السلطات الإسرائيلية بإبعاده إلى خارج فلسطين نهاية عام 2019.

ما أهمية هذا التقرير، وما الذي يميّزه؟

لقد حذر عدد من المختصين والمعنيين، ولسنوات، من أننا قد نصل إلى واقع نظام "أبارتهايد". وقامت منظمة "هيومن رايتس ووتش" ولسنوات بتحقيقات على الأرض وتوصلنا إلى القرار بأن هذا الحد الفاصل قد تم تجاوزه، وأن السلطات الإسرائيلية ترتكب جرائم ضد الإنسانية على مستوى سياسة "الفصل العنصري" والاضطهاد. وسمح المجتمع الدولي، ولفترة طويلة، بالتعامل مع الاحتلال، الدائم منذ 54 عاماً، على أنه مرحلة مؤقتة، أو أن ثلاثين سنة من المفاوضات ستفضي "قريباً" لحل ما. وأعتقد أن هذا أعماهم عن الواقع على الأرض الذي أصبح واضحاً وهو واقع "الأبارتهايد" والاضطهاد.

رسّخ قانون القومية حقيقة أن مجموعة واحدة فقط تمتلك الحقوق الأساسية

بعض المدافعين عن حقوق الإنسان بمن فيهم مختصون ومنظمات حقوق إنسان فلسطينية، قد ينتقدون منظمة "هيومن رايتس ووتش" بالقول إن هذا التقرير متأخر، وكان يجب أن يصدر قبل سنوات. ما تعليقكم؟

ندرك أننا لسنا المنظمة الحقوقية الأولى التي تتحدث عن ممارسات لنظام فصل عنصري، وهناك منظمات حقوقية إسرائيلية توصلت كذلك للنتيجة نفسها خلال السنة الأخيرة. بالنسبة لنا، فإننا نتوخى الحذر الشديد عند الحديث عن ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، ونحاول أن تكون الحقائق التي نتوصل إليها قوية ومدعومة بشكل كامل بإثباتات. وصحيح أن هناك توثيقاً منذ مدة طويلة للاضطهادات ضد الفلسطينيين، ولكن كان هناك نقاش (من الناحية القانونية) حول ما إذا يمكن إثبات نية السيطرة (بالمعنى القانوني) عند السياسيين الإسرائيليين. والسنوات الأخيرة أظهرت، بشكل لا لبس فيه، أن هذه النية موجودة. وهناك بعض الحقائق التي يمكن الاعتماد عليها لإثبات ذلك، من بينها التوسع الهائل للاستيطان، والبنية التحتية التي تربط المستوطنات بالداخل الإسرائيلي، بما فيها المياه والكهرباء والطرق، وجميعها أمور تجعل إمكانية إثبات نية السيطرة أكثر وضوحاً وممكنة. أضف إلى ذلك أنّ الساسة الإسرائيليين كانوا يتحدثون ولسنوات عن أنّ الوضع (الاحتلال) مؤقت. كما كانت هناك فترات من المفاوضات، وكان يمكن أن تؤدي لنتائج أخرى. ولكن الآن وصلنا إلى وضع أصبح فيه واضحاً أن الساسة الإسرائيليين اليوم يتحدثون عن حكم دائم على الضفة الغربية. وبالإضافة إلى كل هذا، فإنّ تبني قانون القومية في 2018 يصب كذلك في هذا الاتجاه. فقد رسّخ القانون حقيقة أن مجموعة واحدة فقط تمتلك الحقوق الأساسية، وأوضح بما لا يقبل الشك النية في السيطرة.

هذه العوامل وغيرها مجتمعة، أوضحت بدون أي شك أنّ هناك نية للسيطرة من قبل مجموعة على مجموعة أخرى. وهذا ما أدى إلى توصلنا إلى القرار بأن انتهاكات حقوق الإنسان المتعلقة بالأبارتهايد والاضطهاد ترتكب ضد الفلسطينيين. قد يكون من الممكن القول إنّ هذا الحد تم تخطيه قبل سنوات، ولكن اليوم يمكننا قول هذا من دون أدنى شك.

نحن كمنظمة حقوق إنسان لا نأخذ مواقف رسمية سياسية من الاحتلال أو غيره، ولكن نقوم بتوثيق اضطهادات حقوق الإنسان من قبل أي طرف يرتكبها

ما هي التحديات التي واجهتكم في العمل على التقرير؟ وهل لك أن تضع هذا في سياق صدور قرار من الحكومة الإسرائيلية بإبعادك عن فلسطين كرئيس مكتب "هيومن رايتس ووتش" هناك، ومصادقة المحكمة الإسرائيلية العليا على قرار إبعادك نهاية عام 2019 بادعاء دعمك لحملة المقاطعة، واضطرارك الآن لممارسة عملك من العاصمة الأردنية؟ وهل يمكن وضع هذا في سياق الممارسات الإسرائيلية لمهاجمة المدافعين عن حقوق الإنسان؟

إنّ ترحيلي في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2019، أظهر مجدداً ممارسة ممنهجة من قبل الحكومة الإسرائيلية ضد المدافعين عن حقوق الإنسان. الحكومة تتهم وبشكل مستمر، حتى المدافعين عن حقوق الإنسان الإسرائيليين، بالخيانة. أما الفلسطينيون من العاملين في هذا المجال، فيواجهون تحديات إضافية بما فيها منعهم من السفر والحركة، وتقييد تمويلهم، وفي بعض الأحيان تتم محاكمتهم. وغيري من المدافعين عن حقوق الإنسان (الدوليين) يُمنعون من الدخول أو يتم ترحيلهم، وهذا حدث مع عدد من العاملين في منظمات أخرى. كذلك في بقع أخرى مُنعنا أو أبعد عاملون من منظمتنا. ولكن عملنا على الأرض وعلى الرغم من ذلك مستمر، ونستخدم طرقاً عديدة لتوثيق المعلومات، ويوجد لدينا كذلك موظفون محليون، إضافة إلى تمكن آخرين من "هيومن رايتس ووتش" من الدخول واستكمال عمل فريقنا على الأرض. وفي سياق هذا التقرير، الكثير من العمل والبحث لا يعود للسنوات الأخيرة فقط، بل مبني كذلك على بحوث لسنوات سابقة ولعقود. هذا التقرير يحاول وضع النقاط على الحروف والربط بين ما قمنا بتوثيقه من خروقات لحقوق الإنسان، وما تم توثيقه خلال كل هذه الفترة.

ملحق فلسطين
التحديثات الحية

قدمتم عدداً من التوصيات لحكومات أجنبية وللأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية. هل لك أن تتطرق لهذه التوصيات وتضعها في سياقها الأوسع؟

إنّ التوصيات التي قدمناها في هذا التقرير، تتماشى مع توصياتنا عموماً في كل الحالات الأخرى حول العالم التي وجدنا فيها أن جرائم ضد الإنسانية ترتكب بغض النظر عن سياقها. والأبارتهايد يعد جريمة ضد الإنسانية. قدمنا عدداً من التوصيات، ولكن ستا منها هي الأساسية في ما يخص المجتمع الدولي. نطالب بالاعتراف بوجود جرائم ضد الإنسانية تمارس بحق الفلسطينيين، ونناشد الأمم المتحدة بتشكيل هيئة تحقيق، وتعيين لجنة تقصي حقائق للتحقيق بالقمع الممنهج والتفرقة في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة، إضافة إلى تعيين مبعوث أممي (عموماً) مسؤول عن التحقيق بجرائم الأبارتهايد والاضطهاد حول العالم. كما نناشد المحكمة الجنائية الدولية بالتحري ومحاكمة أولئك الذين يثبت تورطهم بالأبارتهايد وجرائم ضد الإنسانية، وفرض عقوبات محددة ضد مسؤولين إسرائيليين متورطين في الجرائم، وربط المساعدات الأمنية والعسكرية (من قبل الحكومات) وبيع السلاح لإسرائيل، بإنهاء الأبارتهايد والاضطهاد. وعلى الدول والحكومات التأكد من أن اتفاقياتها وخطط التعاون بما فيها التجارية (مع إسرائيل) لا تساهم في اقتراف جرائم، أو الاشتراك فيها، وذلك من أجل إنهاء النشاطات والتمويل الذي يثبت أنه يسهّل هذه الجرائم.

على الرغم من هذه التوصيات كما نتائج تحقيقكم، إلا أنّ "هيومن رايتس ووتش" لا تدعم رسمياً حركة المقاطعة الدولية لإسرائيل. لماذا؟

لا تقوم المنظمة بأخذ موقف رسمي ضد حركة المقاطعة أو معها. توصياتنا مرتبطة كلياً بالجرائم المتعلقة بممارسات الأبارتهايد والاضطهاد. يتعلق توجه النشطاء الذين يدعمون حركة المقاطعة، ببرنامج واسع له أهداف سياسية من بينها إنهاء الاحتلال مثلاً. نحن كمنظمة حقوق إنسان لا نأخذ مواقف رسمية سياسية من الاحتلال أو غيره، ولكن نقوم بتوثيق اضطهادات حقوق الإنسان من قبل أي طرف يرتكبها في المناطق التي نعمل بها. ونطالب الأطراف المختلفة بالعدول عن الاشتراك في خرق حقوق الإنسان. وفي هذا السياق، يمكن رؤية توصياتنا التي تتعلق بشكل مباشر بالأطراف المتورطة بشكل مباشر؛ سواء كانت حكومات أو شركات وغيرها، لها سلطة مباشرة. إذاً، هناك مهمة مختلفة وطبيعة عمل مختلفة. إن حديثنا عن عقوبات تتعلق باستهداف أشخاص وأطراف ثبت تورطها بالجرائم. والكثيرون عندما يتحدثون عن الأبارتهايد يفكّرون بجنوب أفريقيا. حديثنا عن الأبارتهايد يأتي في سياق كونه (بحسب القانون الدولي) جريمة ضد الإنسانية. وتوصياتنا تأتي في إطار ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، والتوصيات التي نقدمها في هذا السياق، نقدمها في أي مكان.

الحكومة الإسرائيلية تمارس سياسة واحدة في مختلف المناطق، تتمثّل بتثبيت سيطرة اليهود الإسرائيليين على الفلسطينيين

هل هناك شيء ترغبون بالتأكيد عليه في سياق هذا التقرير؟

نعم، ما يقدمه هذا التقرير، إضافة إلى الاثباتات القوية، هو محاولته وضع النقاط على الحروف وربط عدد من الوقائع على الأرض. هذا التقرير يوضح أنّ هناك اليوم حكومة واحدة إسرائيلية تفرض سلطتها من البحر إلى النهر على مجموعتين متساويتين من ناحية العدد (6.8 يهودا إسرائيليين و6.8 فلسطينيين على اختلاف أوضاعهم القانونية)، وأنّ هذه الحكومة تقوم وبشكل ممنهج بإعطاء الأفضلية لليهود الإسرائيليين وتضطهد الفلسطينيين بشكل ممنهج وعلى أساس انتمائهم. هذه الحكومة تمارس سياسة واحدة في مختلف المناطق، تتمثّل بتثبيت سيطرة اليهود الإسرائيليين على الفلسطينيين على اختلاف ذلك الاضطهاد ومستوياته. منظمة "هيومن رايتس ووتش" ترى أنّ الاضطهادات في الأراضي الفلسطينية المحتلة تصل إلى مستوى اضطهاد ممنهج وممارسات لا إنسانية. ومن الواضح أننا نتحدّث هنا عن ممارسات ترتكب من قبل مسؤولين في الحكومة الإسرائيلية التي تسيطر على تلك المناطق وعن أبارتهايد.

عمر شاكر

عمر شاكر هو مدير "هيومن رايتس ووتش" في الأراضي المحتلة وفلسطين، ويُجري تحقيقات في انتهاكات حقوق الإنسان في "إسرائيل" والضفة الغربية وغزة. قبل عمله الحالي، شارك في العديد من التحقيقات كزميل ضمن برامج ومراكز حقوقية دولية، بما في ذلك حول سياسات الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب، والتمثيل القانوني لمعتقلي غوانتنامو، فضلاً عن التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان في مصر، بما في ذلك مذبحة رابعة العدوية عام 2013.

حاصل على دكتوراه من معهد القانون بجامعة ستانفورد، حيث شارك في إعداد تقرير حول الخسائر والآثار المدنية للضربات الأميركية بالطائرات بدون طيار في باكستان، وماجستير في الدراسات العربية المعاصرة من معهد الشؤون الخارجية بجامعة جورج تاون، وبكالوريوس في العلاقات الدولية من جامعة ستانفورد.

تقارير عربية
التحديثات الحية

المساهمون