عقيلة صالح ينهي زيارة لأثينا: مواقف دون حسم لملف الحدود البحرية

07 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 13:18 (توقيت القدس)
عقيلة صالح يلتقي وزير الخارجية اليوناني في أثينا، 6 ديسمبر 2025 (كوستاس بالتاس/ الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- اختتم رئيس مجلس النواب الليبي، عقيلة صالح، زيارة لأثينا لمناقشة الخلاف البحري بين ليبيا وتركيا، حيث أكدت اليونان استعدادها لمناقشة الاتفاق البحري التركي الليبي وتجديد موقفها الرافض له.
- اللقاءات بين صالح والمسؤولين اليونانيين ركزت على استكشاف المواقف بشأن مذكرة الترسيم البحري الموقعة بين طرابلس وأنقرة عام 2019، مع سعي اليونان لتثبيت موقف صالح الرافض للمذكرة.
- تعود الخلافات الليبية اليونانية حول ترسيم الحدود البحرية إلى سنوات سابقة، وتسعى اليونان للحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع الأطراف الليبية لمنع تركيا من الانفراد بالساحة الليبية.

أنهى رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح، أمس السبت، زيارة لأثينا استمرت يومين، التقى خلالها رئيس البرلمان اليوناني نيكيتاس كاكلامانيس، ووزير الخارجية جيورجوس جيرابتريتيس، ضمن دعوة رسمية وجهتها له اليونان. ورغم اللغة الدبلوماسية التي أحاطت ببيانات المركز الإعلامي لرئيس مجلس النواب بشأن الزيارة، والتي قُدمت فيها المباحثات بوصفها "إطاراً عاماً لتنسيق المواقف" حول "قضايا ذات اهتمام مشترك"، وهي اللغة نفسها التي تبنّاها الجانب اليوناني في بياناته، إلا أن تصريحاً نقلته صحيفة "توفيما" اليونانية عن المتحدثة باسم الخارجية اليونانية لانا زوكيو، قبيل وصول صالح، أكد استعداد أثينا لطرح الاتفاق البحري التركي الليبي معه، وتجديد موقفها الرافض له.

ويزداد ثقل هذا التصريح بالنظر إلى أن الزيارة جاءت في ذروة تصاعد الخلاف البحري بين البلدين. ويبدو أن هذه اللغة العامة التي طبعت بيانات الطرفين بشأن الزيارة لم تكن غطاءً دبلوماسياً فقط، بل انعكاساً فعلياً لمضمونها، إذ كشفت مصادر برلمانية متطابقة، أحدها على صلة مباشرة بالوفد المرافق لصالح، بمعلومات تشير إلى أن اللقاءات لم تتجاوز حدود استكشاف المواقف، واستعراض كل طرف أوراقه في ما يتعلق بمذكرة الترسيم البحري الموقعة بين طرابلس وأنقرة عام 2019، والتي تُعدّ عقدة الخلافات بين البلدين.

ووفق المعلومات التي أدلت بها المصادر لـ"العربي الجديد"، فقد سعت اليونان إلى تثبيت موقف عقيلة صالح الرافض للمذكرة، وإلى استيضاح موقفه حيال ما إذا كان مجلس النواب سيبدل موقفه إذا ما تعرّض للمزيد من الضغوط التركية، خصوصاً من طرف اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر الذي بات ميالاً لدعم الاتفاق مع تركيا، ويسعى لاحتكاره، مستفيداً من كون المنطقة البحرية المشتركة مع تركيا تقع قبالة الشريط الساحلي الخاضع لسيطرته في الشرق. وفي المقابل، أشارت المصادر إلى أن صالح قدّم نفسه لأثينا باعتباره "الشرعية الوحيدة" القادرة على تمرير أو تعطيل أي اتفاق مع أي سلطة في البلاد، وأن مجلسه هو البوابة القانونية التي لا يمكن تجاوزها في أي ترتيبات تخص المناطق الاقتصادية البحرية.

وتضيف المصادر أن صالح ألمح خلال النقاشات، إلى إمكانية حصول مجلس النواب على دعم سياسي أوروبي إذا حافظ على موقفه المعرقل للاتفاق البحري مع تركيا، لكنه، في الوقت نفسه، لم يقدم أي طمأنات صريحة للجانب اليوناني، مكتفياً بالإيحاء بأن استمرار التجاهل الأوروبي لمعسكر الشرق قد يدفعه إلى خيارات أخرى، من دون أن يمنح اليونانيين أي التزام نهائي. وذكرت المصادر أن اللقاءات في أثينا تضمنت طرح ملفات أخرى، تشمل إشراك اليونان في عمليات الإعمار في شرق ليبيا، وكذلك مناقشة ملف الهجرة غير الشرعية الذي يُعدّ من القضايا المزعجة لليونان وأوروبا.

ويعود تاريخ الخلافات الليبية اليونانية حول ترسيم الحدود البحرية إلى سنوات سابقة بدأت فيها جولات تفاوض أولية منذ عام 2006، قبل أن تتوقف لاحقاً، لتبقى مجمّدة حتى توقيع أنقرة وحكومة الوفاق الوطني السابقة مذكرة التفاهم البحرية عام 2019، التي فجرت خلافاً واسعاً في شرق المتوسط، إذ سارعت اليونان إلى إعلان رفضها، واعتبارها اعتداءً على منطقتها الاقتصادية، وحشدت دعماً أوروبياً واسعاً لموقفها، إلى جانب مواقف إقليمية أخرى، أبرزها القاهرة. ويتمحور جوهر الخلاف حول المنطقة البحرية جنوب شرق جزيرة كريت، الغنية بمصادر الغاز، التي تعتبرها اليونان جزءاً أصيلاً من حدودها، بينما دخلت ضمن نطاق مشترك بين ليبيا وتركيا في اتفاق 2019. وتفاقم التوتر أكثر مع توقيع حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس مذكرة جديدة مع أنقرة عام 2022، لتجديد الاتفاق السابق، وتعزيز التعاون في مجالات الطاقة والتنقيب.

وعقب ارتفاع مؤشرات الانفتاح التركي على معسكر شرق ليبيا، عاد ملف الحدود البحرية للواجهة، إذ دفع حفتر الحكومة الخاضعة لسلطته في بنغازي إلى تقديم مذكرة لمجلس النواب للتصديق على الاتفاق البحري مع تركيا، فيما أعلن مجلس النواب في يونيو/ حزيران الماضي اعتزامه تشكيل لجنة للنظر في طلب الحكومة، وهو ما اعتبرته أثينا تصعيداً مرفوضاً دفعها إلى إعلان مناقصة للتنقيب عن الغاز جنوب جزيرة كريت، داخل منطقة متنازع عليها. وردت حكومتا ليبيا معاً، في طرابلس وبنغازي، حينها بخطوات متزامنة، إذ سلّمت كل منهما مذكرة احتجاج للحكومة اليونانية، فيما رفعت البعثة الليبية لدى الأمم المتحدة مذكرة مماثلة إلى الأمين العام أنطونيو غوتيريس، في مؤشر على تصاعد التوتر البحري الإقليمي، وتداخل المواقف الليبية المتعارضة.

وتزامنت هذه التطورات مع نشاط دبلوماسي لافت بين ليبيا واليونان، بدأ مع زيارة وزير الخارجية اليوناني جيورجوس جيرابتريتيس لبنغازي مطلع يوليو/ تموز الماضي، حيث التقى حفتر وبحث معه قضايا الهجرة، والحدود البحرية المشتركة بين البلدين، وفق بيان الخارجية اليونانية الذي تحدث عن "نتائج ملموسة" ستنعكس على العلاقات الثنائية. وبعد أيام، توجه الوزير إلى طرابلس، حيث التقى رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة، حيث أعلن المكتب الإعلامي للأخير الاتفاق على إعادة إحياء اللجان الفنية والاقتصادية المشتركة. وتأتي الزيارتان ضمن سعي اليونان للحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف الليبية، وعدم ترك الملف البحري رهينة طرف واحد.

وفي التاسع من سبتمبر/ أيلول الماضي، زار بلقاسم حفتر، نجل قائد قوات شرق ليبيا ورئيس صندوق التنمية وإعادة الإعمار، العاصمة أثينا، في زيارة وُصفت بأنها ذات طابع اقتصادي، لكنها جاءت في سياق سياسي لا يمكن فصله عن ملف الحدود البحرية، حيث التقى بلقاسم رئيس الوزراء كيرياكوس ميتسوتاكيس ووزير الخارجية جيرابتريتيس ومسؤولين يونانيين آخرين. وعقب الزيارة، أعلن نجل حفتر أن الزيارة شهدت مناقشات لتطوير العلاقات الاقتصادية بين البلدين. ولم يمضِ أسبوع حتى استقبلت أثينا وزير الخارجية في حكومة الوحدة الوطنية، الطاهر الباعور، وأجرت معه محادثات شملت مناقشة فنية حول ترسيم الحدود البحرية، والمناطق الاقتصادية الخالصة، إلى جانب بحث قضايا الهجرة وعدد من الملفات الإقليمية والدولية.

وبينما يتصاعد الخلاف الذي فجرته الاتفاقية البحرية بين أنقرة وطرابلس، تبدو الأطراف الإقليمية عاجزة أمام تعقيدات الداخل الليبي التي تحول دون حسم هذا النزاع. فتركيا، رغم توقيعها الاتفاق مع الحكومة بطرابلس المعترف بها دولياً، لم تتمكن من تنفيذه بسبب رفض مجلس النواب المصادقة عليه، فضلاً عن أن الشريط الساحلي الذي يتقاطع مع الحدود البحرية محل الخلاف يقع تحت سيطرة حفتر. وفي المقابل، لا تملك اليونان، ومن ورائها الاتحاد الأوروبي، قدرة فعلية على تعطيل الاتفاق بسبب أن الحكومة في بنغازي، التي تناوئ الحكومة في طرابلس، غير معترف بها دولياً، ما يجعل تحركاتها بلا وزن قانوني. ورغم هذه التعقيدات، إلا أن تحركات اليونان تكشف عن رغبتها الواضحة في منع تركيا من الانفراد بالساحة الليبية ضمن التنافس المحتدم على النفوذ البحري وموارد الطاقة في شرق المتوسط.

المساهمون