عقد على المحاولة الانقلابية في تركيا: ماذا تغيّر؟

15 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 04:03 (توقيت القدس)
فعالية بمناسبة إحباط انقلاب تركيا في نوشهير، 14 يوليو 2026 (بهجت بلكان/الأناضول)
+ الخط -
اظهر الملخص
- المواجهة المستمرة مع جماعة الخدمة: تحيي تركيا الذكرى العاشرة لمحاولة الانقلاب الفاشلة ضد الرئيس أردوغان، متهمة جماعة الخدمة بقيادة فتح الله غولن بتدبيرها، حيث شملت المواجهة ميادين القضاء والحكومة والاستخبارات.

- تغيير النظام السياسي وتعزيز السلطة: أدت المحاولة الانقلابية إلى انتقال تركيا من النظام البرلماني إلى الرئاسي، مما عزز صلاحيات الرئيس أردوغان، مع استمرار فعاليات تذكير الشعب بالحدث وتأثيره.

- الإجراءات القانونية والملاحقات المستمرة: نفذت الحكومة آلاف العمليات ضد جماعة الخدمة، مع استمرار الإجراءات القانونية، واعتقال مئات المشتبه بهم، مما يعكس تخوف الحكومة المستمر من الجماعة.

تحيي تركيا اليوم الأربعاء ذكرى مرور عقد على المحاولة الانقلابية العسكرية الفاشلة ضد الرئيس رجب طيب أردوغان، في ظل استمرار المواجهة مع جماعة الخدمة بقيادة الداعية الراحل فتح الله غولن، المتهمة من الحكومة بتدبير المحاولة الانقلابية، وتواصل عمليات التوقيف والسجن والمحاكمات، فيما تجاوز خلال السنوات العشر عدد الخاضعين للإجراءات القانونية 720 ألف شخص وفق المعطيات الرسمية. وتطرح هذه المتابعة تساؤلات عديدة عن حقيقة غياب شبح الانقلابات العسكرية عن تركيا بعد كل هذه الإجراءات. المواجهة بين حكومة أردوغان وجماعة الخدمة بزعامة غولن استمرت لسنوات طويلة وشملت ميادين القضاء والحكومة والاستخبارات ومؤسسات الدولة، وانتهت بالميدان العسكري ومحاولة الانقلاب في 15 يوليو/تموز 2016 التي استُخدمت فيها قطاعات عسكرية من القوات الجوية والبرية والبحرية، ولكن المحاولة فشلت وتمكنت الحكومة من السيطرة على الأوضاع، وتعزيز حكم أردوغان.

محاولة انقلاب غيّرت وجه تركيا

ساهمت المحاولة الانقلابية في تغيير الوجه السياسي لتركيا، إذ دفعت الحكومة لتعزيز الحملة ضد جماعة الخدمة لاقتلاعها من مفاصل الدولة، كما أدت المحاولة إلى تغيير نظام الحكم في البلاد من النظام البرلماني إلى الرئاسي وانتهى منصب رئيس الوزراء ليكون الرئيس هو رأس السلطة التنفيذية وتتوسع صلاحياته. وعلى الرغم من انتهاء الحديث عن واقعية حصول انقلاب جديد، فإن الحدث لا يزال عالقاً بأذهان الشارع التركي، وتسعى الحكومة إلى ترسيخ ما حصل مع مقتل 251 شخصاً في محاولة التصدي للمحاولة الانقلابية، من خلال فعاليات تستمر أياماً فيما أعلن يوم الذكرى عطلة رسمية في البلاد منذ سنوات.


تجاوز خلال السنوات العشر عدد الخاضعين للإجراءات القانونية 720 ألف شخص

وبلغة الأرقام، قال وزير العدل التركي أكين غورليك في تصريح صحافي الأحد الماضي، إن إجمالي عدد الأفراد الخاضعين لإجراءات قانونية في تركيا هو 720 ألفاً و338 شخصاً، وصدرت أحكام قضائية بحق 636 ألفاً و934 متهماً، وأُسقطت التهم عن 373 ألفاً و594 شخصاً وعدد من تمت تبرئتهم 124 ألفاً و743 شخصاً، فيما يقبع في السجن حالياً 10 آلاف و485 شخصاً، منهم 480 موقوفاً، و375 ينتظرون صدور الأحكام، و9630 أدينوا في قضايا، في وقت تستمر الإجراءات القانونية بحق 83 ألفاً و404 أفراد، وعدد من صدرت بحقهم أوامر اعتقال ولم يتم توقيفهم بعدُ 33 ألفاً و827 فرداً.

وأفاد غورليك بأن وفاة غولن في أكتوبر/تشرين الأول 2024 لا تعني انتهاء التهديد وزوال الخطر، ووصف المرحلة الجديدة من ملاحقة الجماعة بالقول: "لا تشكل الجماعة تهديداً لقائدها فحسب، إنها ليست مجرد مجموعة من الأفراد المرتبطين، بل هي أذرع أخطبوط عالمي، ورغم أن الدولة فككت هيكلها المؤسسي إلى حد كبير، فإن هذا الهيكل الخبيث يسعى جاهداً للحفاظ على وجوده من خلال فروعه السرية في الخارج، ومحاولة إنشاء نقاط اتصال جديدة تمر من دون أن يلاحظها أحد ضمن الأنشطة التجارية، والشركات الوهمية، وفي خضمّ الحياة اليومية".

وخلال النصف الأول من العام الحالي، أوضح غورليك أنه تم تنفيذ 1065 عملية ضد الجماعة، وأُلقي القبض على 2451 شخصاً، وفي إطار الحق في عدم التشهير، والذي بدأ تطبيقه منذ عام 2017، وحتى نهاية النصف الأول من العام الحالي، صدر قرار عدم وجود أساس للتحقيق بمليون و561 ألفاً و489 ملف شكوى من قرابة مليوني ملف. وعلى صعيد المحاكمات، أعلن غورليك أنه تم البتّ في جميع قضايا الانقلاب البالغ عددها 289 قضية في المحاكم الابتدائية، وقد صدرت أحكام بالسجن المؤبد المعزز على 1634 شخصاً، وحكم على 1366 شخصاً بالسجن المؤبد، وحكم على 1891 شخصاً بالسجن لفترات محددة، ليصل إجمالي عدد الإدانات إلى 4891 إدانة، ومن بين 271 ملفاً أُحيلت إلى محكمة الاستئناف العليا، تم تأييد 236 ملفاً وإنهاء الإجراءات.

ومع حلول الذكرى السنوية العاشرة أعلنت وزارتا العدل والداخلية، أول من أمس الاثنين، عن اعتقال 968 مشتبهاً به في 81 ولاية تركية مختلفة عبر قوى الأمن لأفراد يشتبه بانتمائهم لجماعة الخدمة، وهو ما يعيد إلى الأذهان استمرار تخوف الحكومة من الجماعة التي لا تزال معظم قياداتها مقيمة في أوروبا والولايات المتحدة، وفشلت جهود استعادتهم قضائياً من تلك الدول. وعن مواجهة الجماعة والمراحل التي وصلت إليها الحكومة، قال رئيس دائرة العلاقات الخارجية في فرع حزب العدالة والتنمية بولاية إسطنبول، فاتح تونا، لـ"العربي الجديد": "اتخذنا جميع التدابير اللازمة لحماية شعبنا ونظامنا، وكانت تجربة مؤلمة للغاية للشعب التركي ككل وكأمة". وأضاف: "كما يعلم الجميع لدينا بعض الأعراف والتقاليد، تقليد الانقلابات في تركيا، والفرق بين هذه المحاولة وسابقاتها هو فشل هذه المحاولة بفضل الرئيس، وأؤكد لكم وللعالم أجمع أن جميع التدابير اللازمة اتخذت من دولتنا ورئيسنا لتجاوز هذه الأزمة والتعامل معها بنجاح كبير".


إلياس قلج أصلان: محاكمات العديد من المشاركين في محاولة الانقلاب التي جرت في 15 يوليو 2016 انتهت

وعن سبل المواجهة المستقبلية أفاد تونا بأنه "لا توجد طريقة واحدة للتعامل مع هذه المشكلة فهي معقدة، أؤكد مجدداً أنه لن تكون هناك فرصة لمحاولة انقلاب عسكري أخرى، لأنه لو أقدم أي شخص على هذه المحاولة، أو حتى مجرد التفكير فيها، فستكون العواقب وخيمة، لأن المحاولات السابقة نجحت ولم يدفع مرتكبوها أي ثمن، لكن هذه المرة لن يكون الأمر كذلك، والشعب التركي يعرف كيف يتعامل مع مثل هذه المواقف". ورداً على سؤال عن الاتهامات الموجهة للحكومة بتوظيف الانقلاب لتعزيز نفوذها، أجاب تونا: "لسنا مضطرين للإجابة عن أي من هذه التساؤلات، فقد كانت محاولة انقلاب واضحة للغاية، تورط فيها العديد من الجنرالات، وللأسف فإن الأشخاص أو الدولة أو المؤسسة التي ادعت أنها شيء آخر، كانت تدعم محاولة الانقلاب التي وقعت في تركيا، حتى بعد الانقلاب فر جنود متورطون فيه من تركيا إلى تلك الدول، وهم يساعدونهم بل تربطهم بها علاقات وثيقة".

وختم تونا كلامه بالحديث عن الديمقراطية في تركيا قائلاً إن "جميع الانقلابات التي حدثت في تركيا سابقاً كانت مدعومة أو متسامحاً معها من جهات غربية سرية أو مؤسسات أخرى، وكأنها عملية طبيعية، وعملية التحول الديمقراطي جزء من تاريخ البشرية، وليست عملية محددة بوقت، لذا من الممكن أن تحدث، ولكن كما ذكرت فقد بذلنا في حزب العدالة والتنمية جهوداً كبيرة لمعالجة نقص التنظيم المجتمعي في العديد من القطاعات والفئات المختلفة، وأنا متأكد من أن هذا الجهد سيستمر".

من جانبه، لفت الكاتب إلياس قلج أصلان، في حديث مع "العربي الجديد"، إلى أن "محاكمات العديد من المشاركين في محاولة الانقلاب التي جرت في 15 يوليو 2016 انتهت، ويقضي المحكوم عليهم بالسجن مدة عقوبتهم، بينما أطلق سراح بعضهم بعد انقضاء مدة عقوبتهم". وأضاف: "جرى تثبيت الرقابة المدنية على الجيش، حيث وضعت اللوائح القانونية اللازمة، وأصبح هذا الأمر جزءاً لا يتجزأ من الثقافة السائدة، وعلى سبيل المثال كان رؤساء الأركان العامة

في السنوات السابقة يتصدرون عناوين الأخبار التركية باستمرار، أما الآن فقلما يعرف أحد أسماءهم". وأوضح أن الانقلاب "شكّل أساساً متيناً ومبرراً لتعزيز مكانة الحكومة، لكن القول إنه كان سيناريو مختلقاً لا يبدو لي دقيقاً، ولا أتوقع حصول محاولة انقلاب في المستقبل القريب، أما في المستقبل المتوسط أو البعيد، فالاحتمال ضعيف في رأيي، ومع ذلك فهذا واقع في جغرافيتنا وثقافتنا، ومن الصعب الجزم بأنه لن يحدث أبداً".