عشية الانتخابات النصفية: تحول تاريخي في المناخ السياسي الأميركي
- يشهد الحزب الديمقراطي تحولًا بفضل صعود "اليسار الاشتراكي"، حيث يحقق رموزه نجاحات في الانتخابات الأولية، مثل عبد الرحمن السيد في ميشيغن، الذي فاز بالترشيح الحزبي لمجلس الشيوخ رغم التحديات.
- يعكس صعود التيار "الاشتراكي" تحولًا في المشهد السياسي الأمريكي، مدفوعًا بالاختلالات الاقتصادية والاجتماعية، مع تزايد الاعتراض على القيادات التقليدية والعلاقة مع إسرائيل، مما قد يؤدي إلى مفاجآت في الانتخابات المقبلة.
بقي على الانتخابات النصفية الأميركية (كل مجلس النواب وثلث مقاعد مجلس الشيوخ) ثلاثة أشهر. واقترابها وضعها في واجهة الاهتمامات في واشنطن، رغم الانشغال بحرب إيران وتداعياتها، إذ يتوقف على نتائجها مصير ما تبقى من رئاسة دونالد ترامب. وقد عزز تدهور رصيد الرئيس حظوظ الحزب الديمقراطي، المرجح فوزه بالأغلبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ. لكن اللافت ليس هنا، على الرغم من أهمية هذا التغيير في الميزان الانتخابي، بل في صعود "اليسار الاشتراكي" الذي يكتسح رموزه معارك المنافسة الحزبية على الترشيح باسم الحزب الديمقراطي، في الانتخابات الأولية (مرحلة التصفية الحزبية تمهيداً لإجراء الانتخابات النصفية).
يوم الثلاثاء، جرت هذه المنافسة في عدة ولايات، كانت أهمها ولاية ميشيغن التي استأثرت باهتمام واسع نظراً لوزنها في معادلة هذه الانتخابات، فضلاً عن خصوصيتها. فلأول مرة في تاريخ مجلس الشيوخ يفوز عربي مسلم هو عبد الرحمن السيد "عبدول"، الطبيب الأميركي من أصل مصري، بالترشيح الحزبي لخوض معركة الفوز بأحد مقاعده. وليس ذلك فحسب، بل الأهم سياسياً أنه وصل إلى هذا الموقع على رافعة التيار "التقدمي" في الحزب الديمقراطي، الذي يقتحم أخيراً، وبتفوق، المسرح الانتخابي الأميركي على المستويات الفيدرالية والمحلية والبلدية داخل الولايات.
وقد تضافر زخم هذا التيار مع مؤهلات السيد وكاريزماه، إضافة إلى الالتفاف الواسع حوله، الذي شمل، للمرة الأولى، تأييد جمعية الأساتذة الجامعيين في أميركا له، ما مكّنه من هزيمة ثنائي قدير وصاحب باع طويل في خوض المعارك الانتخابية: مؤسسة حزبه الديمقراطي، التي وقفت ضدّه باعتباره "يسارياً خطيراً" ووضعت ثقلها وراء منافسته هايلي ستيفنز، بالإضافة إلى اللوبي الإسرائيلي في واشنطن، الذي نزل بثقله ضد ترشيح السيد، وساهم بنصف نفقات حملة ستيفنز، التي بلغت كلفتها أكثر من 64 مليون دولار، مقابل نحو 20 مليون دولار لحملة السيد.
وعدا عن الكلفة الباهظة، وُصِف السيد بأنه "شيوعي" و"اشتراكي" متطرف و"معادٍ" للسامية وإسرائيل. لكنه، في النهاية، فاز، ولو بفارق نقطة واحدة. وفشلت محاولات تشويه صورته، فضلاً عن المال الانتخابي وحملة اللوبي الإسرائيلي، بما أعطى شحنة تفاؤل بإمكان كسب المرشح "الاشتراكي" لمعركة ميشيغن، التي لا يقوى الديمقراطيون على امتلاك الأغلبية في مجلس الشيوخ من دونها. وقد عكست الردود الفورية للبيت الأبيض والجمهوريين، التي صعّدت حملة تصنيفه في خانة "المرشح الشيوعي"، التخوّف من هذا الاحتمال.
ما تخشاه المؤسسات والمرجعيات الحزبية، الديمقراطية منها والجمهورية، أن هذا الفوز لم يكن صدفة أو خروجاً فردياً استثنائياً عن المألوف. فمجيئه في سياق منتظم وتصاعدي يشير إلى هبوب رياح تغيير في الفضاء السياسي - الانتخابي الأميركي. فمنذ فترة، والظواهر في هذا الاتجاه تتراكم، وإن ببطء وبشكل متقطع. وقد انطلقت وتعمّقت في ظل الخلل المتزايد في الحياة السياسية وآلياتها، كما في التصدعات التي تشهدها الأوضاع الاجتماعية نتيجة تعاظم الفروق الاقتصادية.
وقاد التحذير من هذه الاختلالات، وضرورة إصلاحها، السيناتور بيرني ساندرز (اشتراكي يهودي محسوب على الحزب الديمقراطي). وقد بدأ خطابه، معطوفاً على تردي الأوضاع في الآونة الأخيرة، وبالتحديد بعد حرب إيران وتداعياتها، يلقى ترجمته في المعادلة السياسية. وكانت أبرز هذه الترجمات انتخابات بلدية مدينة نيويورك في 2025، التي فاز بها زهران ممداني (من أصل هندي)، المنتمي إلى التيار "الاشتراكي"، والذي حظي بتأييد كاسح رغم وقوف مؤسسة الحزب الديمقراطي ضده.
ثم توالى صعود رموز هذا التيار في انتخابات الكونغرس، أو الترشيح لها، في ولاية نيويورك، وهذه المرة في ولايات ميزوري وكولورادو وواشنطن وغيرها. وهو صعود رافض للقيادات التقليدية و"عجزها" عن معالجة القضايا التي ازدادت أعباؤها على قطاعات واسعة بدأت تتجاوب مع خطاب هذا التيار. ويشمل هذا الاعتراض العلاقة مع إسرائيل، التي يتزايد التبرم منها حتى في أوساط اليهود الأميركيين. ففي استطلاع أخير، صار 51% منهم، وخصوصاً في صفوف من هم دون الخامسة والثلاثين، مع دولة واحدة تجمع الإسرائيليين والفلسطينيين معاً. وكذلك يتزايد النفور من دور اللوبي الإسرائيلي في الانتخابات الأميركية. وجاء فوز الطبيب عبد الرحمن السيد، في أحد جوانبه، ليعكس هذا الرفض.
هل يواصل هذا التيار صعوده، وإلى أي حدود؟ سؤال ستجيب عنه صناديق الاقتراع يوم 3 نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، المتوقع أن تأتي نتائجه بمفاجآت تعكس أجواء التغيير السائدة.