عشرون عاماً على الانتفاضة الثانية: سقوط محاولات شيطنة عرفات

28 سبتمبر 2020
الصورة
عرفات حاول تهدئة الأوضاع في الضفة الغربية وغزة (Getty)

على مدار عشرين عاماً، رددت دولة الاحتلال الفرضية التي أطلق نواتها رئيس حكومتها السابق، إيهود براك، بأنه لم يجد في مفاوضات كامب ديفيد مع الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات في يوليو/ تموز 2000 شريكاً فلسطينياً. وردد الإعلام الإسرائيلي هذه الرواية مع زيادة عليها في نسب تقارير لأجهزة الاستخبارات تؤكد أن عرفات لم يكن ليصل إلى اتفاق دائم من دون اللجوء "إلى العنف". وساندت الولايات المتحدة، ورئيس الحكومة البريطاني حينها توني بلير، براك في أكاذيبه وصولاً إلى حالة حصار عرفات خلال اجتياح الضفة الغربية المحتلة ومدنها عام 2002 تحت مسمى "حملة السور الواقي" خلال رئاسة أريئيل شارون للحكومة بعد تغلبه على براك في انتخابات رئاسة الحكومة المباشرة عام 2001.

وحاول الإسرائيليون على مدار سنوات، بمن فيهم من وُصفوا بأقطاب اليسار، ترديد أكاذيب براك والبناء عليها للتغطية على حقيقة نيّة براك المسبقة من المفاوضات بعدم حل قضايا الحل الدائم لجهة إقامة دولة فلسطينية، ومحاولة فرض التنازل عن القدس المحتلة على عرفات، ورفض الأخير لهذه الشروط، مما أدى إلى نهاية المفاوضات. لكن مقالاً نشره أمس الأحد أحد مسؤولي الملف الفلسطيني في أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية سابقاً، البريغدير احتياط يوسي بن أريه، في صحيفة "هآرتس"، فنّد كل هذه الادعاءات. وأكد بن أريه أنه وضع بناءً على تكليف ممن خلفه في المنصب تقريراً أظهر بعد فحص كافة التحذيرات والتقديرات لأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية لغاية شهر سبتمبر/ أيلول، أنه لم ترد أي إشارة إلى أن عرفات كان قد خطط مسبقاً لتفجير الانتفاضة الثانية.

مسؤول إسرائيلي سابق: لم ترد أي إشارة إلى أن عرفات كان قد خطط مسبقاً لتفجير الانتفاضة الثانية


وأوضح بن أريه في مقالته أن هذا الاستنتاج وفق التحقيق الذي أجراه، ورفع تقريراً عنه للمسؤولين عنه، كان مطابقاً في تلك الفترة لتقديرات كل من رئيس "الشاباك" السابق، أفي ديختر (يشغل اليوم منصب عضو كنيست عن حزب الليكود) ونائبه يوفال ديسكين (عيّن لاحقاً رئيساً لجهاز الشاباك) ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية للجيش، الجنرال عاموس مالكا، الذين توصلوا هم أيضاً إلى الاستنتاج نفسه بأن عرفات لم يخطط للانتفاضة مسبقة. زيادة على ذلك أكد بن أريه أن الرئيس عرفات حاول تهدئة الأوضاع في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة بعد اندلاع التظاهرات والمواجهات والصدامات مع قوات الاحتلال، منذ اقتحام شارون للمسجد الأقصى (بمباركة من إيهود براك) أيضاً لمنع فقدان السيطرة على مقاليد الأمور في الضفة والقطاع، ولإتاحة المجال أمام تمكين انطلاقة "مسار كلينتون" لحل قضايا الحل الدائم.
وأكد المقال أنه تبيّن أن قادة الأجهزة لم يرفعوا صوتهم ضد مقولات براك والاتجاه الذي بدأ يخيم على الأجهزة الأمنية بالتماشي مع مقولة أنه لا يوجد شريك فلسطيني للمفاوضات، فضلاً عن عدم تعميم وتوزيع تقرير بن أريه في الأوساط الاستخباراتية ولا رفعه لصنّاع القرار.

وإذ اتهم بن أريه كلاً من ديختر ومالكا وديسكين بعدم مواجهة المستوى السياسي، فإنه أشار بشكل واضح إلى أن من أسكت هذه الأصوات كان في الواقع الجنرال عاموس جلعاد الذي شغل آنذاك مدير قسم الأبحاث في شعبة الاستخبارات العسكرية، وعُيّن لاحقاً لسنوات طويلة رئيساً لقسم السياسة والأمن في وزارة الأمن الإسرائيلية وكان مقرباً لسنوات من بنيامين نتنياهو. ثم تطوّرت الرواية الإسرائيلي من أن عرفات ليس شريكاً إلى عرفات قاتل في عهد شارون، الذي أطلق في إبريل/ نيسان 2002 عملية اجتياح الضفة الغربية المحتلة تحت مسمّى "السور الواقي" في حرب اعتبرها في حينه المفكر العربي عزمي بشارة استمراراً لحرب لبنان وأن شارون يستغل هذه الحرب لإنهاء ما لم يستطع تنفيذه خلال غزو الجيش الإسرائيلي للبنان عام 1982.

وتنبع أهمية الكشف الإسرائيلي الجديد من كونه يضع حدّاً لأكاذيب المستوى السياسي والعسكري في إسرائيل ضد عرفات، وبث هذه الأكاذيب للتنصّل من استحقاقات أوسلو، وتبرير الارتداد عليها، لا سيما الترويج لموقف اليمين الإسرائيلي برفض أي انسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة، لأن ذلك سيحوّل هذه الأراضي والمناطق إلى مراكز لتهديد أمن إسرائيل. وقد طوّر نتنياهو هذا الطرح إلى برنامج سياسي مكّنه لاحقاً، خصوصاً بعد الانسحاب الإسرائيلي من غزة، وفشل مفاوضات أنابوليس بين إيهود أولمرت والرئيس الفلسطيني محمود عباس، من العودة لرئاسة الحكومة في عام 2009.

لكن عبارة أخرى وردت في مقالة بن أريه حددت بشكل واضح أن نقطة التحوّل في موقف عرفات لجهة تعزيز الاتجاه لخيار الانتفاضة الثانية بعد انفجارها هي قيام الاحتلال الإسرائيلي في 14 يناير/ كانون الثاني 2002 باغتيال قائد "كتائب شهداء الأقصى" التابعة لحركة "فتح"، في الضفة الغربية، الشهيد رائد الكرمي. ويحدد بن أريه أن هذه كانت نقطة التحوّل في موقف الزعيم الفلسطيني.

وفي تقرير مفصل عن اغتيال رائد الكرمي، نشرته "هآرتس" أمس، اعتبر معدّ التقرير عوفر أدرات أن اغتيال الكرمي كان نقطة تحوّل في الانتفاضة الفلسطينية الثانية ومؤشراً إلى انضمام تنظيم حركة "فتح" و"كتائب شهداء الأقصى" إلى تنفيذ العمليات الفدائية داخل إسرائيل أيضاً، كانت أولاها تنفيذ عملية فدائية من قبل عنصر تابع لحركة "فتح" في قاعة أفراح إسرائيلية في 17 يناير، بعد ثلاثة أيام من اغتيال الكرمي، أسفرت عن مقتل ستة إسرائيليين.

اغتيال الكرمي كان نقطة تحوّل في الانتفاضة الفلسطينية الثانية ومؤشراً إلى انضمام تنظيم حركة "فتح" و"كتائب شهداء الأقصى" إلى تنفيذ العمليات الفدائية

ومقابل هذا الكشف من قبل كل من يوسي بن أريه وعوفر أدرات، فقد حاول المراسل العسكري لـ"يديعوت أحرونوت"، رون بن يشاي، من جانبه، في مقالة مطوّلة نشرها في موقع "يديعوت"، تكرار الرواية الإسرائيلية الكاذبة بشأن نوايا مسبقة لدى عرفات لتفجير انتفاضة جديدة، مدعياً اعتماده على تقارير ومعلومات استخباراتية. وكشف بن يشاي أن رئيس أركان جيش الاحتلال في حكومة نتنياهو الأولى، شاؤول موفاز، ومباشرة بعد أحداث "هبة نفق الأقصى" الذي قام نتنياهو بافتتاحه عند "درب الآلام" بادعاء أنه نفق يؤدي إلى الهيكل الإسرائيلي، أوعز للجيش باستخلاص العبر من هبة النفق والاستعداد لانتفاضة كبيرة إضافية ستكون أشدّ خطراً يستخدم فيها الفلسطينيون الأسلحة النارية. وقد أطلق الجيش على عملية الاستعداد هذه اسم "المدّ والجزر". وأضاف بن يشاي أنه حتى قبل توجّه براك إلى كامب ديفيد في يوليو/ تموز 2000 أصدرت شعبة الاستخبارات العسكرية "أمان" تقريراً جاء فيه "أن عرفات لن يسمح لنفسه بالتوصل إلى اتفاق مع إسرائيل لنهاية الصراع من دون مواجهات عنيفة"، وهو تقدير يدعيه بن يشاي، في الوقت الذي أكد فيه بن أريه أنه مع دراسته واطلاعه على كل التحذيرات والتقديرات في أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية لم يعثر أو يقرأ تحذيراً واحداً بأن عرفات استعدّ مسبقاً لتفجير انتفاضة جديدة.

مقابل ذلك، فإن تقرير بن يشاي يبيّن أن من كان يستعد لمواجهات وصدامات هو الجيش الإسرائيلي، مضيفاً أن براك صرّح قبل سفره إلى كامب ديفيد بأنه "إذا فشل هذا التحرك فإنه سيكشف الوجه الحقيقي لعرفات أمام العالم والمجتمع الدولي". وفي هذه النقطة يعيد بن يشاي الادعاء بأنه بعد فشل المفاوضات عاد عرفات الغاضب إلى رام الله، وهناك وفق تقديرات استخباراتية للجيش أعطى الضوء الأخضر لرجاله بالتمهيد لانتفاضة شعبية كبيرة، وهو ادعاء كما أسلفنا أظهر مقال يوسي بن أريه أنه لم يعثر له على أي سند حقيقي بل على العكس من ذلك تسترت أجهزة الاستخبارات على تقريره الذي أكد أن عرفات لم يخطط مسبقاً للانتفاضة الثانية وحاول تفادي اللجوء إلى هذا الخيار في المرحلة الأولى من اندلاع المواجهات والصدامات مع جيش الاحتلال.