عزلة قيس سعيّد عن العالم الخارجي: عجز سياسي أم نسف للدبلوماسية التونسية؟
- يُعزى ضعف الدبلوماسية إلى غياب رؤية استراتيجية واضحة، حيث يفضل الرئيس ترك المناصب شاغرة حتى يجد من يراه موالياً له، مما أثر سلباً على صورة البلاد وقدرتها على التأثير.
- يؤكد الخبراء أن العزلة تضعف الموقع التفاوضي لتونس وتحد من قدرتها على جلب الاستثمارات، مما يتطلب استعادة دبلوماسية نشطة ومتوازنة.
تشهد الدبلوماسية التونسية تراجعاً غير مسبوق، سواء على مستوى الحضور الخارجي للرئيس التونسي قيس سعيّد أو من حيث التمثيل الدبلوماسي لتونس، إذ لم يغادر سعيّد البلاد منذ نحو عام، باستثناء زيارة الجزائر العام الماضي، ولم يحضر قمماً باستثناء قمتين عربيتين في الجزائر 2022 والسعودية 2023. وتعاني تونس من شغور في نحو 29 سفارة وفي مناصب دبلوماسية، الأمر الذي جعلها في عزلة عن اللقاءات الكبرى. بعضهم تحدث عن "سجين قرطاج"، وبعضهم الآخر وصف ما يحصل بالعطالة الدبلوماسية، فهل اختار قيس سعيّد هذه العزلة التي لم تشهدها تونس عبر تاريخها، أم أن هذا التراجع عن الزيارات الخارجية وغياب التمثيل الدبلوماسي لتونس نتيجة عجز في التسيير السياسي للدولة؟
أسباب ضعف الدبلوماسية التونسية
في السياق، يرى وزير الخارجية الأسبق رفيق عبد السلام في حديث لـ"العربي الجديد" أن ضعف الدبلوماسية التونسية ناتج عن ثلاثة عوامل رئيسية، أهمها غياب رأس الدبلوماسية، أي رئيس الدولة، عن القيام بمهامه، فهو يكاد يكون غائباً بصورة كاملة، فلا يحضر القمم العربية ولا الأفريقية ولا المحافل الدولية، بما في ذلك الدورة السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، التي يحضرها أغلب رؤساء وملوك العالم. وإلى جانب ذلك، لا تستقبله دول في زيارات رسمية، باستثناء بعض الزيارات الخاطفة لتقديم واجب العزاء لبعض الدول العربية، أو مشاركاته المحدودة في لقاءات متعددة الأطراف مع بعض دول الجوار، مثل الجزائر وإيطاليا، مبيناً أنه ليس هناك ما هو أدل على شلل الدبلوماسية التونسية من كون رئيس الدولة لم يغادر قصر قرطاج في أي زيارة رسمية منذ نحو عام، وهو أمر لم تشهده تونس منذ الاستقلال عن فرنسا في عام 1956.
ويشير عبد السلام إلى أن هناك حالة من الفراغ الدبلوماسي الناتجة عن شغور 32 مركزاً دبلوماسياً، بين سفارات وقنصليات عامة وقنصليات في مختلف أنحاء العالم. ويُعدّ هذا الأمر جزءاً من الحالة العامة التي تعيشها مؤسسات الدولة في حقبة قيس سعيّد، إذ يفضّل ترك المناصب شاغرة إلى أن يعثر على من يراهم موالين له، فيُعيّنهم في تلك المواقع على أساس الولاء لا الكفاءة. ويبيّن أن هذا يعود إلى غلبة المزاجية الفردية، وغياب الرؤية في مجال السياسة الخارجية للدولة، أي الرؤية الاستراتيجية، لا الأوهام أو الأحلام التي تسوق، إذ لم يلتزم النظام بثوابت الدبلوماسية التونسية التي استقرت منذ الاستقلال، ولم يعمل على تطويرها وتحسينها بما يراعي تلك الثوابت ويتفاعل مع المتغيرات الدولية على نحو ما حصل بعد الثورة في الفترة بين عامي 2010 و2011.
ويلفت عبد السلام إلى أن العزلة الخارجية لتونس تعود إلى مجموعة من العوامل، منها انتهاج سياسة المحاور، وهي سياسة أضرّت بتونس وبعلاقاتها مع محيطها الخارجي، وخرجت عن تقاليد الدولة التونسية التي انتهجت تاريخياً سياسة تقوم على الهدوء وتجنب الانخراط في صراعات مكلفة تتجاوز حجم البلاد وإمكاناتها. وبددت العزلة أهم رصيد رمزي ومعنوي كانت تمتلكه تونس، باعتبارها بلداً يعيش مساراً ديمقراطياً في مرحلة ما بعد الثورة، وقد حلّت محل تلك الصورة، بعد أحداث عام 2021، صورةُ نظام فردي يمارس المحاكمات السياسية واعتقال المعارضين والنشطاء والصحافيين والمدونين. لذلك لا ترغب كثير من الدول في أن تقترن صورتها بالتقارب أو التعاون مع النظام التونسي. ويشير عبد السلام إلى أنه وحتى بالنسبة إلى حلفاء الضرورة، يبقى قيس سعيّد شريكاً ثقيل الظل، وهو ما يفسر محدودية الدعوات التي تلقاها للقيام بزيارات رسمية إلى الخارج منذ توليه الرئاسة، والتي لا تكاد تتجاوز أصابع اليد الواحدة، وأن كل ما يراه التونسيون في المقابل هو بعض الأنشطة البروتوكولية، مثل استقبال السفراء لتقديم أوراق اعتمادهم أو توديعهم، أو استقبال بعض الوزراء، لا سيما من الدول الأفريقية، بين الحين والآخر وليس أكثر. ويكفي أن تقارب واقع الدبلوماسية الرئاسية بين حقبة الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي (2011 ـ 2014)، ثم الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي (2014 ـ 2019)، حتى نكتشف الفوارق الكبيرة أداءً ونشاطاً.
عدنان منصر: ما يسمى بـ"العزلة الدبلوماسية" يعني أن هناك عملاً لم يكتمل
من جانبه، يؤكد رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية حول المغرب العربي عدنان منصر، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن دور السفراء مهم وأساسي في تمتين العلاقات مع الدول الأجنبية، واقتراح مجالات وأنشطة التعاون والتهيئة للزيارات، والتنسيق لزيارة الرؤساء عندما تكون هناك مواضيع مهمة تستدعي تعزيز الدبلوماسية الثنائية. ويضيف أن هناك قمماً ومؤتمرات مهمة، كالأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي ومنظمة المؤتمر الإسلامي، حيث يتولى السفير في ذلك البلد التحضير لها مسبقاً مع وزارة الخارجية وإعداد برنامج الزيارة واللقاءات، مشيراً إلى أنه أحياناً يتم تخصيص لقاء لنحو 15 دقيقة بين رئيس دولة ورئيس آخر، ويكون أصعب من أشهر من التحضيرات والمحاولات والاستعدادات لإنجاز اتفاقية معينة.
ويؤكد منصر أنه عند وجود نحو 30 سفارة من دون سفير، فهذا يجعل العمل الدبلوماسي في حالة شلل، ولن يقوم بهذا العمل أي شخص آخر كنائب السفير، لأنه عادة تكون تجربة هؤلاء ناقصة. بالتالي تعامل دولة الاعتماد مع ذلك البلد لن يكون ممكناً، وكأن عدم التعيين يشير إلى أن الدولة لا تريد علاقات مع ذلك البلد، أو أن العلاقة ليست ذات أولوية، مبيناً أن كل هذا ينعكس على العلاقات الدبلوماسية لتونس. ويضيف أن ما يسمى بـ"العزلة الدبلوماسية" يعني أن هناك عملاً لم يكتمل، والتأخير في تعيين السفراء يتكرر كل سنة في تونس، كما أنه سنوياً تعقد ندوة السفراء، وهي تقاليد قديمة دأبت عليها تونس منذ عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة (1957 ـ 1987)، ويشرف عليها رئيس الجمهورية ويتحدد من خلالها التوجه العام، سواء حول الاستثمارات أو الأسواق الجديدة، وهي نوع من التوجيهات والرؤية المشتركة للسفراء، ولكن للأسف منذ سنوات لم تعقد أي ندوة للسفراء، مبيناً أن غياب التوجيهات الدبلوماسية يجعل دولاً أخرى تستأثر بذلك الاهتمام.
ويلفت منصر إلى أنه من غير المعقول ألا تولي دولة أهمية للدور الدبلوماسي، مؤكداً أن لا برامج عمل للسفراء في الخارج ولا لقاءات مع أولئك الموجودون في بلادنا، وباستثناء لقاءات تسليم اعتماد السفراء، لا نكاد نسمع صدى لأي نشاط يذكر، إلا حين يغادر هؤلاء بلادنا. بالتالي، إن الحد الأدنى الدبلوماسي غير موجود، مؤكداً أن هذا له عدة انعكاسات على البلاد والاتفاقيات المبرمة، وهناك كسل وعطالة دبلوماسية.
أما القيادي في جبهة الخلاص الوطني رياض الشعيبي، فيؤكد أن الدبلوماسية التونسية تشهد منذ الانقلاب الرئاسي في 25 يوليو/تموز 2021 تراجعاً غير مسبوق في مستوى الحضور الخارجي للدولة، وهو ما أصبح يثير تساؤلات جدية حول قدرة هذه السلطة على الدفاع عن مصالح الدولة في محيط إقليمي ودولي يشهد تحولات متسارعة. ويقول الشعيبي في حديث لـ"العربي الجديد" إنه من اللافت أن رئيس الجمهورية يكاد يكون غائباً عن الزيارات الرسمية الخارجية، باستثناء مشاركات محدودة جداً، بينما يقتصر التواصل مع عدد قليل من القادة، وفي كثير من الأحيان، على مكالمات هاتفية أو لقاءات بروتوكولية داخل تونس. ويرى أن هذا الوضع لا ينسجم مع تقاليد الدبلوماسية التونسية، التي عُرفت تاريخياً بحضورها الفاعل وانفتاحها على مختلف الشركاء.
رياض الشعيبي: العزلة لا تصنع السيادة، بل قد تؤدي إلى تقليص هامش الحركة وإضعاف الموقع التفاوضي للدولة
ويشير الشعيبي إلى أن الدبلوماسية التونسية ليست نشاطاً بروتوكولياً، بل أداة أساسية لجلب الاستثمار، وتعزيز التعاون الاقتصادي، والدفاع عن المصالح الوطنية، وبناء الشراكات الاستراتيجية. ولكن عندما يغيب رأس الدولة عن الفضاء الدبلوماسي الدولي لفترات طويلة، فإن ذلك ينعكس سلباً على صورة البلاد وعلى قدرتها في التأثير وكسب الدعم في الملفات الحيوية. ويؤكد أن تونس اليوم بحاجة إلى استعادة دبلوماسيتها النشطة والمتوازنة القائمة على الانفتاح والتواصل مع مختلف الشركاء، لأن العزلة لا تصنع السيادة، بل قد تؤدي إلى تقليص هامش الحركة وإضعاف الموقع التفاوضي للدولة في عالم تحكمه المصالح والشراكات.
كيف غيّب قيس سعيّد تونس عن الخريطة؟
من جانبه، يرى الكاتب بسام بونني أن هناك ركوداً في التمثيل الدبلوماسي التونسي، تقابله زيارات قليلة إلى الخارج تكاد لا تتعدى الـ20 زيارة طيلة فترة حكم قيس سعيّد منذ عام 2019، مؤكداً في حديثٍ لـ"العربي الجديد" أن قيس سعيّد لم يغادر البلاد منذ سنة تقريباً، باستثناء زيارة واحدة إلى الجزائر في سبتمبر/أيلول 2025، ولم يحضر سوى قمتين عربيتين، ولم يحضر القمة الأفريقية ولا أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو ما يفسر غياب البلاد عن خريطة الأحداث الكبرى. ويقول إنه تقريباً باستثناء زيارة قيس سعيّد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون والمصري عبد الفتاح السيسي في 2021، فإن أهم مسؤول أجنبي يتواصل مع قيس سعيّد، أو يزور تونس، رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، وأغلب الاتصالات كانت لها علاقة بملف الهجرة.
ويلفت بونني إلى أن عدة سفارات تونسية لا تزال شاغرة وتدار بقائم أعمال، إلى جانب شغور ما لا يقل عن 12 منصب قنصل عام وقنصل، مؤكداً أنه لا وجود لتمثيل دبلوماسي ولا زيارات خارجية من تونس وإليها، فالرئيس التونسي لا يسافر، ولا يلتقي رؤساء، إلى جانب وجود أزمة دبلوماسية مع المغرب. وهذا غير معهود في تاريخ الدبلوماسية التونسية لأن تونس عرفت سابقاً بحيادها وبدورها الدبلوماسي مع أغلب الدول، مبيناً أن هذا الركود غير مسبوق، وقد ينم عن عجز السلطة عن القيام بدورها في هذا المجال.