عام على سقوط الأسد... تحصين السلم الأهلي يبدأ من العدالة الانتقالية

10 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 01:12 (توقيت القدس)
من احتفالات النصر في دمشق، 8 ديسمبر 2025 (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- بعد سقوط نظام الأسد في 2024، أصبحت العدالة الانتقالية أولوية في سوريا، مع مطالب بمحاكمات عادلة وعلنية للمتهمين بجرائم بين 2011 و2024، وتشكيل هيئة مستقلة لكشف الحقائق ومحاسبة المسؤولين.

- تواجه هيئة العدالة الانتقالية تحديات تتعلق بفعاليتها وشفافيتها، مع انتقادات لعدم شمولية استشاراتها وغياب الشفافية، مما يتطلب إصلاحات وتوسيع نطاق التحقيقات.

- المطالب الشعبية تدعو لمحاسبة الجلادين وتحقيق العدالة، مع الحاجة لإصلاحات قانونية كبيرة وتخصيص موازنات مالية لضمان منع الإفلات من العقاب وتعزيز الاستقرار.

من بين الملفات الأكثر أهمية في سورية ما بعد مرحلة نظام الأسد، يبرز ملف العدالة الانتقالية الذي يأتي في مقدمة اهتمام السوريين المنتظرين محاكمات عادلة وعلنية لكل من شارك في ارتكاب جرائم، سيما تلك التي جرت ما بين عامي 2011 عام الثورة على النظام السابق وعام 2024 الذي شهد سقوطه. وعلى مدى أكثر من 13 عاماً ارتُكبت مجازر وعمليات قتل جماعية بحق عشرات آلاف السوريين، موثقة من قبل منظمات حقوقية تطالِب الحكومة السورية اليوم بإيلاء مسار العدالة الانتقالية ما يستحق من اهتمام لتحصين السلم الأهلي. الإدارة السورية الحالية بدأت منذ الأيام الأولى لتوليها مقاليد الأمور في البلاد، عمليات مطاردة لآلاف المتهمين بارتكاب جرائم من عسكريين وأمنيين وسياسيين بل وحتى رجال دين من الصفوف الأولى والثانية والثالثة من النظام الأسبق، لم يتمكنوا من الفرار خارج البلاد. وجرى إيقاف المئات منهم بعضهم من رتب عسكرية رفيعة، ومنهم من عُرض على قاضي التحقيق في دمشق تمهيداً لإحالته الى محاكم مختصة، لم تُعرف بعد تفاصيل عملها وأبعاده.

ضرورة المساءلة والمحاسبة

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع أصدر في مايو/أيار الماضي مرسوماً بتشكيل هيئة مستقلة للعدالة الانتقالية، تتولى كشف الحقائق بشأن انتهاكات النظام السابق، ومحاسبة المسؤولين عنها، وجبر الضرر الواقع على الضحايا. وفي أغسطس/ آب الماضي، أصدر الشرع، مرسوماً بتشكيل لجنة الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية مكوّنة من 13 عضواً، بينهم رئيسها عبد الباسط عبد اللطيف ونائبته زهرة نجيب البرازي. ونص القرار الرئاسي على أن يباشر أعضاء لجنة الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية مهامهم فوراً، على أن يتم توزيع المهام وفق النظام الداخلي للهيئة. وأعلن عبد اللطيف التزامه الكامل بالعمل الجاد لـ"كشف الحقيقة بشأن الانتهاكات الجسيمة التي تسبب فيها النظام البائد"، و"مساءلة المسؤولين عن تلك الانتهاكات ومحاسبتهم بالتنسيق مع الجهات المعنية"، و"جبر الضرر الذي لحق بالضحايا"، و"ترسيخ مبادئ عدم التكرار، وتعزيز المصالحة الوطنية".


فضل عبد الغني: هناك مجموعة من التحديات الجوهرية التي تقيّد فعالية الهيئة

وعن الخطوات التي قامت بها هيئة العدالة الانتقالية منذ تأسيسها، أوضح عضو اللجنة المحامي رديف مصطفى لـ"العربي الجديد"، أنه "شُكّلت ست لجان ضمن الهيئة هي: لجنة الحقيقة ولجنة المحاسبة ولجنة جبر الضرر ولجنة تخليد الذاكرة ولجنة الإصلاح المؤسساتي وأخيرا لجنة المصالحة والسلم". وتابع: "كل لجنة وضعت استراتيجيتها بالتفاعل مع الناس والمنظمات والضحايا وذويهم. قمنا بزيارات عديدة لكل من دير الزور وحلب وحمص وحماة للتعريف بالهيئة وعملها وسماع الناس، خصوصاً الضحايا وسنكمل قريباً هذه الزيارات إلى باقي المحافظات". وأشار إلى أن أعضاء في اللجنة قاموا بزيارات خارجية لـ"الاطلاع على تجارب الدول والاستفادة منها مثل رواندا وألمانيا"، موضحاً أن الهيئة "أقرّت نظامها الداخلي، ومدونة السلوك الخاصة بها". وأضاف: كما أنجزت الهيئة بالتعاون مع كلية الحقوق في جامعة دمشق مسودة مشروع القانون الخاص بالعدالة الانتقالية والذي سيتم عرضه على الناس، وإجراء تعديلات عليه قبل عرضه على مجلس الشعب. وبيّن أنه "يفترض بموجب هذا القانون إنشاء محاكم متخصصة بمحاكمة المجرمين ممن ارتكبوا انتهاكات جسيمة"، مضيفاً: أجرينا الكثير من اللقاءات مع منظمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية إضافة إلى لقاءات عدة شملت وفود حكومية رسمية.

وأبدت منظمات مجتمع مدني تحفظاً على تشكيل هذه الهيئة كونها لم تأت نتيجة مشاورات وطنية كافية لتعزيز الثقة بهذه الهيئة، التي تتولى ملفاً يشكّل تحدياً كبيراً للحكومة لكونه يمسّ السلم الأهلي في الصميم. كما رأى البعض أن اللجنة لم تضمّ خبراء عملوا في العدالة الانتقالية، وراكموا خبرات على هذا الصعيد، ولم تُشرك روابط ذوي الضحايا، ومنظمات سورية عملت على هذا الملف طيلة سنوات.

بدوره، رأى مدير الشبكة السورية لحقوق الانسان، فضل عبد الغني، في حديث مع "العربي الجديد"، أن "أداء هيئة العدالة الانتقالية في سورية يمثل خطوة أولية في مسار بناء منظومة للعدالة الانتقالية"، غير أنه ما "يزال محكوماً بجملة من نقاط الضعف والقصور البنيوية والإجرائية". وبرأيه هناك "مجموعة من التحديات الجوهرية التي تقيّد فعالية الهيئة وتقوّض قدرتها على إحداث اختراق حقيقي في مسار العدالة الانتقالية"، مضيفاً: لم تُنشر بعد اللوائح التنظيمية الداخلية ولا المعايير التفصيلية التي تحكم عمل الهيئة، ما يخلق حالة من الضبابية حول صلاحياتها ومدى قدرتها على إجراء إصلاحات عميقة أو مساءلة شاملة لجميع المسؤولين عن الانتهاكات، بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية أو مواقعهم السابقة. ومسار العدالة الانتقالية في سورية "يحتاج إلى إصلاحات تتجاوز الطابع الرمزي الحالي لعمل الهيئة"، بحسب عبد الغني "باتجاه توسيع نطاق التحقيقات ليشمل مختلف أطراف النزاع، وبناء منظومة شفافة لا تسمح بإعادة إنتاج الإفلات من العقاب، وتؤسس لشراكة حقيقية مع الضحايا ومنظمات المجتمع المدني".

ودعا إلى أن "تكون العدالة الانتقالية ذات منطلق وقيادة سورية بالأساس، مع نسج علاقة تكاملية متينة مع المنظومة الدولية، بما في ذلك الآليات الأممية ذات الصلة". وتابع: وفق هذا المنظور، يمكن القول إن هيئة العدالة الانتقالية تتحرك في مسار يؤسس لبعض عناصر العدالة، لكنها ما تزال عالقة بين الرمزية السياسية وقيود التنفيذ العملي؛ ما يجعلها بحاجة إلى رؤية استراتيجية واضحة، وإرادة سياسية جادة، وإصلاحات مؤسسية تضمن التشاركية والشفافية، بما يتيح تحقيق انتقال حقيقي وسليم نحو منظومة عدالة انتقالية متكاملة.

وأثار منح الإدارة السورية "الأمان" لمتهمين بارتكاب مجازر وتجاوزات بحق المدنيين استياء الشارع السوري، وأبرزهم المدعو فادي صقر الذي كان يتزعم ما كان يُعرف بـ"الدفاع الوطني" في العاصمة دمشق وكان يضم أكثر شبيحة النظام البائد قسوة ووحشية ذات طابع طائفي. ولم ترض تبريرات ساقتها الإدارة لهذه الخطوة هذا الشارع الذي عبّر عن سخطه في تظاهرات، لا سيما في حي التضامن حيث كان ينشط صقر ومجموعته. وأكدت هذه الإدارة أكثر من مرة أن وجود صقر في الواجهة يساعد في تثبيت الاستقرار ويحول دون صدامات على أسس طائفية. ويُعتقد أن صقر واللواء طلال مخلوف (قائد سابق للحرس الجمهوري) كان لهما دور في تجنيب العاصمة دمشق صداماً عسكرياً دامياً، وذلك عبر تحييد مجموعات كاملة وتسليم سلاحها.

من جهته، شدّد زكريا الطحان (ما يزال لاجئاً في تركيا)، في حديث مع "العربي الجديد"، على أن ملف العدالة الانتقالية من "أهم الملفات التي نوليها كل الاهتمام"، مشيراً إلى أنه كان سجيناً في معتقل صيدنايا ولن يرضيه "إلا محاسبة الجلادين". وتابع: لن يندمل الجرح السوري ويشفى، لننتقل الى مرحلة التصالح والمسامحة بين أطياف الشعب من دون محاسبة المجرمين. لا أجد أي مبرر لعدم تحقيق تقدم في التأسيس لمسار عدالة انتقالية في سورية. وشاطرته الرأي عبير ش، التي لم تكشف عن كامل هويتها، والتي فقدت شقيقها في سجن صيدنايا، ورأت في حديث مع "العربي الجديد"، أن خطوات الحكومة في هذا المسار ما تزال "خجولة"، مطالبة بإنشاء وزارة مخصصة للاهتمام بذوي الضحايا والمفقودين وتقديم مساعدات مادية لهم. وتابعت: لن يرضى ذوو الشهداء والضحايا ما دام القتلة والمجرمون خارج أسوار السجون. نريد محاكم علنية لمن تم القبض عليهم وبعضهم مضى على توقيفه عام كامل.


محمد صبرا: مسار العدالة الانتقالية لم يأخذ مداه حتى اللحظة

مسار العدالة الانتقالية

في السياق، رأى الحقوقي والسياسي محمد صبرا في حديث مع "العربي الجديد"، أن "مسار العدالة الانتقالية لم يأخذ مداه حتى اللحظة"، مضيفاً: هناك خطوات بطيئة جداً. هذا المسار يحتاج إلى عمل كبير جداً. وأشار إلى أن الحكومة السورية "ورثت إرثاً ثقيلاً جداً إن كان على مستوى الكم الهائل من الجرائم التي ارتُكبت إبان النظام البائد، أو تآكل مرفق القضاء في البلاد"، مضيفاً: كان عدد القضاة محدوداً والجهاز القضائي مستوى عليه من قبل السلطة الاستبدادية. وبيّن أن "تفعيل مسار المحاسبة والمحاكمة يتطلب موازنات مالية كبيرة، وإصدار قوانين جديدة في سورية"، موضحاً أن البلاد بحاجة إلى "تعديل نحو 30 قانونا لضبط الجرائم التي وقعت خلال فترة النظام البائد".

ولفت صبرا إلى أن "القوانين السورية لا تعالج كل الحالات. قانون العقوبات السوري صدر عام 1949 وهناك تطور هائل حدث على مستوى القانون المدني الإنساني، بما يتعلق بموضوع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بين ذاك العام وحتى اليوم، وبالتالي لا بد من صدور قوانين مواكبة". وأمِل أن "يتصدى المجلس التشريعي القادم لهذا الامر بالغ الأهمية من أجل السير بخطوات واضحة لإحقاق العدالة وجبر الضرر والمحاسبة"، مشيراً إلى أن "أساس استقرار السلم الأهلي في سورية يستند على العدالة الانتقالية". وتابع: الهدف من العدالة الانتقالية ليس محاسبة المجرمين فحسب، بل تكريم الضحايا، وجبر ضرر ذويهم. تحقيق الاستقرار من حل هذه المعضلة الكبيرة وهذا يتطلب من وزارة العدال انشاء محاكم جديدة ورفد القضاء بقضاة مؤهلين ورصد موازنات مالية كبيرة. وطالب صبرا الحكومة السورية بـ"إعلان برنامج زمني واضح لمسار العدالة الانتقالية بشكل يضمن منع الإفلات من العقاب"، مضيفاً: مسار عدالة انتقالية نشط وموضوعي يغلق الباب أمام عمليات انتقامية وثأرية، ويعزز الاستقرار خلال المرحلة الانتقالية.

المساهمون