عام سوري بلا الأسد: الداخل والخارج والإخفاقات والنجاحات

08 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 04:06 (توقيت القدس)
احتفال بحماة بذكرى سقوط الأسد، 5 ديسمبر 2025 (عمر حج قدور/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يحتفل السوريون بالذكرى الأولى لسقوط نظام بشار الأسد، مما يمثل نقطة تحول تاريخية في البلاد، حيث يواجهون تحديات سياسية وأمنية معقدة، بالإضافة إلى التحديات الخارجية مثل العدوان الإسرائيلي.

- شهدت السياسة الخارجية السورية تحولات كبيرة بعد سقوط الأسد، حيث سعت الإدارة الجديدة إلى إعادة صياغة موقع سوريا دولياً، ونجحت في استعادة قنوات الاتصال مع الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وأمريكا.

- تواجه الإدارة الجديدة تحديات في بناء جيش وطني بعقيدة موحدة، مع برامج تدريبية وهيكلية، لكنها لا تزال تواجه صعوبات في تحويل القوى الفصائلية إلى وحدات منضبطة.

يحيي السوريون اليوم الذكرى السنوية الأولى لسقوط نظام بشار الأسد بفعل عملية ردع العدوان وما رافقها عسكرياً وسياسياً، وسقوطه من الداخل بعدما ظل لفترة طويلة ينهار في مؤسساته وجيشه وأجهزته. يحيون اليوم ذكرى تخلصهم من حكم هو الأشد استبداداً والأكثر إجراماً في التاريخ الحديث لسورية والمنطقة، وانتقالهم إلى مرحلة مغايرة كلياً حملت معها منذ اللحظة الأولى الكثير من الآمال والتحديات التي ترجمت نفسها على مدى اثني عشر شهراً.

وبقدر ما شكل سقوط الأسد محطة مفصلية في التاريخ الحديث لسورية، باعتباره لحظة تأسيس لواقع سياسي وأمني جديد تماماً، فإن انهيار نظام الأسد الذي دمر البلاد وهجر الملايين من السوريين، وحوّلهم إلى لاجئين في دول الجوار والدول الأوروبية، أو نازحين داخليين، خلّف تركة ثقيلة فرضت نفسها على السلطة الجديدة التي وجدت نفسها أمام اختبار إدارة انتقال معقّد تتداخل فيه التحديات الداخلية الخاصة بالواقع السياسي والأمني والسلم الأهلي، وخصوصاً بعد الأحداث الدموية التي سُجلت في الساحل السوري وفي السويداء، والتي لا تزال تفرض نفسها على المشهد حتى اليوم عقب الجرائم التي تخللتها، إلى جانب فرض ملفات العدالة الانتقالية ومهمة إعادة بناء مؤسسات الدولة المنهكة نفسها، مع التحديات الخارجية، ولا سيما مع التمادي الإسرائيلي في العدوان على سورية.

على المستوى الشعبي، كان إعلان إسقاط الأسد حدثاً مزلزلاً استقبله السوريون بفرحة لا توصف، وآمال لا حدود لها ببناء وطنهم، بعد أن دفعوا أثماناً باهظة على مدار 14 سنة من القتل والدمار والمعاناة والقهر، لتتحول أصوات القذائف التي كانت تقتلهم بالأمس إلى إلعاب نارية احتفالاً بالنصر، والطائرات التي كانت تقصفهم صارت تنثر عليهم الورود.

ومع تتالي الأيام، بدأ السوريون ينتقلون إلى حياة أخرى مختلفة تماماً عما كانوا يعيشون. إسماعيل خبية، من مدينة دوما بريف دمشق، يقول لـ"العربي الجديد": كان يوم التحرير بمثابة عودة لنا من الموت إلى الحياة. لقد توفرت كل السلع في الأسواق وبأسعار أرخص بكثير، ولم تعد هناك بطاقات ذكية تتصدق علينا بربطة خبز وكيلو بصل. اختفت كل الطوابير التي كنا نقف عليها مجبرين لتأمين أساسيات الحياة، والأهم أنني تمكنت من الاجتماع بابنتي وزوجها وأولادها الذين كانوا يقيمون في الشمال السوري. ويعتبر أنه بعد التحرير تحولت الحواجز إلى مصدر أمان بعد أن كانت مصدراً للموت.


محمد السكري: السياسة الخارجية السورية شهدت تحوّلات واسعة وسريعة


وبعد إسقاط الأسد وجدت الإدارة الجديدة نفسها أمام فرصة تاريخية لتحويل سورية إلى بلد مستقر أمنياً ومزدهر، بسبب توافر إرادة دولية لدعم استقرار سورية ووحدتها، وبسبب الدعم السياسي الدولي والإقليمي والعربي الذي حظيت به، بهدف حفظ الاستقرار فيها. دعم خارجي قلّما نالته أي سلطة وليدة، ليس في المنطقة فحسب، بل في العالم ربما. وبالتزامن مع هذا الدعم، وجدت الإدارة نفسها أمام العديد من التحديات، في مقدمتها الاعتداء الإسرائيلي على الأراضي السورية، وتدميرها منظومات الدفاع، ومعظم الأسلحة الاستراتيجية، واستخدام ورقة حماية الدروز في السويداء ذريعةً للتدخل في الشؤون السورية، وخلق حالة فوضى في الجنوب وإعلانها انتهاء العمل باتفاق فض الاشتباك مع دمشق، المعمول به منذ عام 1974، بالإضافة إلى تحدي إعادة تشكيل وزارة الدفاع، من فصائل كانت متناحرة بالأمس، وتحدي وحدة الأراضي السورية وضبط الأمن الداخلي، والحفاظ على السلم الأهلي، وإقامة سلطة تشريعية تمثل السوريين، ورسم سياسة خارجية تعيد سورية إلى موقعها الجيوسياسي الطبيعي.

السياسة الخارجية بعد إسقاط الأسد

وفي ما يتعلق بالسياسة الخارجية التي اتبعتها الإدارة الجديدة بعد إسقاط الأسد يرى الباحث في المركز العربي لدراسات سورية، محمد السكري، أن السياسة الخارجية السورية شهدت تحوّلات واسعة وسريعة، عكست سعي السلطة إلى إعادة صياغة موقع سورية في الإقليم والنظام الدولي، ليس فقط بوصفها دولة خارجة من صراع طويل، بل باعتبارها نظاماً سياسياً يسعى إلى بناء شرعية خارجية مغايرة لتلك التي ارتبطت بعقود من الحكم السلطوي.

ويضيف السكري، لـ"العربي الجديد": جاءت هذه التحولات لتعيد تعريف صورة سورية بوصفها فاعلاً غير مهدد على المستويين الإقليمي والدولي، إذ يُلاحظ أن الانفتاح الخارجي السوري اتسم بطابع شمل تقريباً جميع الأطراف الإقليمية والدولية (ما عدا إيران)، بما في ذلك الدول التي كانت تعد مصدر قلق دائم للنظام السابق. ويوضح أنه يمكن فهم هذا السلوك ضمن ما يُعرف في أدبيات العلاقات الدولية بسياسات إعادة الإدماج الدولي للدول الخارجة من الصراعات، حيث تسعى الدولة الجديدة إلى تفكيك صورتها السابقة بوصفها مصدر اضطراب، وإعادة تقديم نفسها باعتبارها شريكاً محتملاً في الاستقرار الإقليمي.

ويقول إن السياسة الخارجية بعد سقوط نظام الأسد اعتمدت على عدد من المرتكزات الأساسية الواضحة، في مقدمتها، التشديد المستمر على أن سورية لم تعد مصدر تهديد إقليمي أو دولي، وأنها تتبنّى سياسة "التوازن الإيجابي" مع المحيط، مع التزام صريح بعدم تصدير الأزمات أو "الثورات"، والانخراط بدلاً من ذلك في خطاب يرتكز على دعم السلم الإقليمي والاستقرار والتدرج في شراكة مكافحة الإرهاب. ويوضح أن هذا الخطاب يتقاطع بدرجات متفاوتة مع الرؤية الأميركية، ولا سيما في صيغتها الترامبية، تجاه الشرق الأوسط، التي تضع أولوية واضحة للاستقرار الأمني.

ويضيف السكري أن هذه المقاربة مكنت سورية من تحقيق اختراقات دبلوماسية مهمّة، كان أبرزها استعادة قنوات الاتصال والعلاقات السياسية مع الاتحاد الأوروبي، وبريطانيا، وأميركا، ويُعدّ هذا "الثلاثي الغربي" عنصراً مركزياً في إعادة إدماج سورية داخل النظام الدولي، إذ أسهم في تحسين موقعها التفاوضي، وفتح المجال أمام مراجعات سياسية جديدة تتعلق بتقاطعاتها الإقليمية ورؤيتها الاستراتيجية العامة. غير أن هذا التقدّم ظلّ، في معظمه، ضمن الإطار الرمزي الدبلوماسي، ولم ينعكس بعد بشكل ملموس على مستوى معالجة الملفات البنيوية العالقة إلا بحدود بسيطة.

ويشير السكري إلى أنه مع هذا التحوّل الظاهر، بقيت السياسة الخارجية السورية محاطة بسلسلة من الملفات المعقّدة التي لم تكن بطبيعتها داخلية فقط، بل مرتبطة بالبنية الإقليمية والدولية للصراعات، ويأتي في مقدمتها ملف العلاقة مع إسرائيل، الذي ظلّ الأكثر اضطراباً خلال العام الأول بعد سقوط النظام. فقد شهدت سورية سلسلة أحداث أمنية لافتة، كان أبرزها استهداف دمشق، ولا سيما منتصف ساحة الأمويين (وزارة الدفاع في يوليو/ تموز الماضي)، في سابقة شكّلت لحظة فارقة في التاريخ السياسي - الأمني السوري، نظراً لرمزية المكان بوصفه جزءاً من "المربع السيادي" للدولة.

ويوضح أنه يمكن قراءة هذه الضربات في إطار العربدة المركبة الإسرائيلية، ومحاولة إسرائيل إعادة تعريف قواعد الاشتباك في ظل غياب اتفاق أمني، أو ترتيبات واضحة مع السلطة السورية الناشئة. وإلى جانب ذلك، برز ملف السويداء بوصفه مثالاً صارخاً على تحوّل القضايا الداخلية إلى ملفات ذات أبعاد دولية، نتيجة ضعف التقدير الحكومي في المراحل الأولى من إسقاط الأسد واستغلال بعض الفاعلين الإقليميين والدوليين للثغرات التي أفرزتها حداثة الدولة ومحدودية خبرتها في إدارة التوازنات المحلية الحساسة.

العلاقة مع تركيا الأكثر تماسكاً

ويبين السكري أن العلاقة مع تركيا تبدو الأكثر تقدماً وتماسكاً ضمن السياسة الخارجية السورية، فتركيا لا تنظر إلى سورية بوصفها مجرد دولة جارة، بل باعتبارها ركيزة أساسية في مشروع إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية. كذلك تندرج هذه العلاقة ضمن إطار أوسع من التنسيق الإقليمي غير المعلن، ولا سيما بين تركيا والسعودية، لإدارة الملف السوري دون تصادم مباشر، وبمنطق تكاملي يهدف إلى ضبط قواعد التنافس الإقليمي. ويبرز في هذا السياق البعد الأهم بالنسبة إلى تركيا وسورية معاً، والمتمثل في إعادة تعريف قواعد الاشتباك مع الجانب الإسرائيلي، في ظل إدراك مشترك لمخاطر الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. ويتابع السكري: حاولت سورية خلال الفترة الماضية إعادة تعريف علاقتها مع روسيا، إدراكاً لحجم المصالح الروسية المتراكمة داخل الأراضي السورية، وتعقيد الملفات المرتبطة بالوجود العسكري والسياسي والاقتصادي الروسي، غير أن هذا المسار لا يزال في طور المراجعة، ويخضع لحسابات دقيقة تتعلق بتوازن النفوذ الدولي داخل سورية.


رشيد حوراني: نجحت وزارة الدفاع في عملية الهيكلة بما يتناسب مع الواقع الميداني والمهددات الأمنية في البلاد


ويستنتج السكري أن تحولات السياسة الخارجية السورية بعد إسقاط الأسد كشفت عن مسار إعادة تموضع طموح، نجح في استعادة الحضور الدبلوماسي والشرعية الرمزية، لكنه لم يترجم بعد إلى اختراقات حاسمة على مستوى الملفات الاستراتيجية العالقة، وهو ما يعني أن التحدي الأساسي في المرحلة المقبلة لن يكون في توسيع شبكة العلاقات، بقدر ما سيكون في تحويل الاعتراف الدولي إلى تسويات فعلية تعيد إنتاج الاستقرار السياسي والأمني لسورية.

تحدي بناء مؤسسة عسكرية

كذلك برز أمام الإدارة الجديدة تحدٍّ كبير يتعلق بإعادة بناء مؤسسة عسكرية وجيش بعقيدة وطنية مهمته الدفاع عن الحدود بعدما حلّت الجيش والأجهزة الأمنية التابعة إلى نظام الأسد القرار الذي يصفه كثر بأنه خاطئ ولا يتعلّم من درس العراق ما بعد 2003. وفي هذا المسار، يرى الباحث في الشأن العسكري، رشيد حوراني، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن بناء القوات المسلحة يعتمد أساساً على الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة، وبناءً على ذلك، فإن وزارة الدفاع السورية نجحت في عملية الهيكلة بما يتناسب مع الواقع الميداني والمهددات الأمنية في البلاد. ويضيف: لقد شكلت الوزارة لجاناً اختصاصية لجرد القوى البشرية والعتاد، وتشكيل الوحدات العسكرية بناءً على ما هو متوفر، ونتيجة لذلك توصلت إلى تشكيل 20 فرقة، تضم معظم التخصصات العسكرية، موزعة على الأراضي السورية، موضحاً أنه بعد الانتهاء النسبي من تشكيل الفرق بدأت بتشكيل هيئات وإدارات القيادة، كهيئات التدريب والإمداد وإدارة الاتصالات والإعلام، التي يقع على عاتقها تخطيط ومراقبة تنفيذ البرامج من قبل الوحدات.

الصورة
من الاستعدادات للاحتفال بذكرى إسقاط الأسد في حلب، 7 ديسمبر 2025 (العربي الجديد)
من الاستعدادات للاحتفال بذكرى إسقاط الأسد في حلب، 7 ديسمبر 2025 (العربي الجديد)

ويتابع: كذلك عملت الوزارة على تشكيل المنشآت التعليمية العسكرية، وأطلقت عمل الأكاديمية العسكرية العليا للدورات العسكرية المتقدمة، والكليات الحربية، والشؤون الإدارية والفنية، والهندسة والكيمياء، وغيرها بهدف تأهيل القاعدة التدريبية للقوات المسلحة. واتجهت الوزارة بشكل خاص إلى بلدين في ما يتعلق بالتسليح والتدريب، الأول تركيا، وقد تجلى ذلك من خلال زيارات متكررة لوفود عسكرية من البلدين للآخر، للاطلاع على ما يلزم الجيش السوري، والثاني روسيا للحصول على خدمات الصيانة لما تبقى من سلاحها الذي كانت تورده للنظام البائد، وبخاصة المدرعات والدفاع الجوي. ويرجح حوراني أن تشهد وزارة الدفاع مستقبلاً مزيداً من الاستقرار والاحتراف، نظراً لرفع العقوبات التي كانت مفروضة على الدولة السورية وعلى المؤسسة العسكرية، إضافة الى الدعم الأميركي والانضمام إلى التحالف الدولي ضد الإرهاب.

بناء نواة جيش وطني

أما الباحث في المركز العربي لدراسات سورية، نوار شعبان، فيرى في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن وزارة الدفاع تمكنت بعد عام من إسقاط الأسد من تحقيق تقدم ملموس في بناء نواة جيش وطني يعمل تحت سلطة الدولة ويستند إلى معايير مهنية واضحة. ويتفق شعبان مع حوراني على أن الوزارة نجحت في توحيد أغلب القوى التي شاركت في معارك التحرير، ضمن تشكيلات منظمة من فرق وألوية ووحدات خاصة، وإعادة تشكيل سلسلة قيادة منضبطة، إلى جانب إطلاق برامج تدريبية وهيكلية ترفع من مستوى الجاهزية العملياتية. لكن شعبان يرى، في المقابل، أن وزارة الدفاع لا تزال تواجه مجموعة من التحديات البنيوية المعقدة، موضحاً أن من أهم العقبات الحاجة إلى تحويل القوى التي نشأت في ظروف الحرب إلى وحدات منضبطة تمتلك عقيدة عسكرية وطنية موحّدة، ومعالجة إرث الولاءات الفصائلية والمحلية.

ويضيف: كذلك يشكّل ملف المسرّحين من جيش النظام السابق أحد أكثر الملفات حساسية، نظراً لغياب إطار إدماج واضح لهم حتى الآن، الأمر الذي يتطلب خطة وطنية تمنع تشكّل فراغات أمنية أو بيئات قابلة للاستقطاب. ويتابع شعبان: إضافة إلى ذلك، تستمر التحديات المرتبطة بالعلاقة مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وملف المقاتلين الأجانب داخل بعض التشكيلات، وفي مقدمتها الحزب الإسلامي التركستاني، وهي قضايا تعمل الوزارة على إدارتها ضمن مسار وطني، يضمن وحدة القرار العسكري ويحافظ في الوقت نفسه على حقوق جميع المكوّنات، ولا سيما الأكراد.

ومن وجهة نظر شعبان، فإنّ الحصيلة التي حققتها وزارة الدفاع خلال عام واحد من إسقاط الأسد تؤكد أن مسار بناء جيش وطني محترف في سورية لم يعد مشروعاً نظرياً، بل واقعاً يتقدّم بخطوات ثابتة رغم التحديات. ويضيف: تعمل الوزارة على ترسيخ هذا المسار عبر تعميق الإصلاح العسكري، وتطوير العقيدة القتالية، وتوسيع برامج التدريب، وتحويل المؤسسة الدفاعية إلى إطار وطني جامع يمثل جميع السوريين دون استثناء، ويحمي حدود البلاد وأمن مواطنيها، ويمهّد لبناء دولة حديثة تقوم مؤسساتها على القانون والشفافية والرقابة.

وفي ما يتعلق بالتحديات الأمنية، يرى شعبان أن الحكومة السورية تقف أمام مشهد أمني شديد التعقيد، يجمع بين إنجازات ملموسة في مسار إعادة بناء مؤسسات الدفاع والأمن، وشبكة تهديدات مركّبة، داخلية وخارجية، تفرض مقاربة مختلفة للأمن الانتقالي تتجاوز الحلول التقنية التقليدية. ويوضح أنه على مستوى الإنجازات المؤسسية، تمكّنت الدولة خلال عام من إسقاط الأسد، من إرساء ركائز أولية لمنظومة أمن انتقالي متكاملة، تضمنت إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية ضمن مقاربة إصلاح القطاع الأمني. ويوضح أن العفو العام عن المجنّدين غير المتورطين في الانتهاكات أتاح تخفيف الاحتقان داخل شرائح واسعة من العسكريين السابقين، والحدّ من خطر تشكّل فراغات أمنية مفاجئة، فيما أسهمت خطوات الدمج الأولى مع قوات سوريا الديمقراطية في خفض منسوب الاشتباك على خطوط التماس في الشمال الشرقي، ولو ضمن حدود جزئية حتى الآن.


نوار شعبان: الحكومة السورية تقف أمام مشهد أمني شديد التعقيد


ويبيّن أن مؤسسة الدفاع والأمن نجحت في إعادة تنظيم جزء كبير من القوة المسلحة ضمن أطر نظامية، وتثبيت وجود الدولة في العاصمة ومراكز المحافظات الكبرى، وإنشاء وحدات متخصصة لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وتهريب السلاح والمخدرات، إلى جانب تنفيذ عمليات نوعية ضد خلايا تنظيم داعش في البادية وبعض أطراف ريف دمشق. ويشير إلى أن هذه الخطوات لا تعني اكتمال السيطرة، لكنها تشير إلى تحول تدريجي من منطق "إدارة الجبهات" إلى منطق "إدارة الأمن الوطني" على مستوى الإقليم السوري كاملاً.

ويضيف شعبان أن رصد التهديدات خلال العام الأول للانتقال يشير إلى بنية تهديدات مركّبة لا يمكن التعامل معها بوصفها ملفات منفصلة، موضحاً أن هذه التهديدات لا تُنتج فقط حالة "تعدد جبهات"، بل تولّد بيئة أمنية ديناميكية يتغذى فيها كل خلل داخلي من حسابات القوى الإقليمية والدولية، وتتحول فيها كل ثغرة على الحدود، أو في مؤسسة، إلى فرصة لتوسيع النفوذ أو إعادة تموضع لفواعل مسلّحة محلية وخارجية. ويعرب شعبان عن اعتقاده أن أبرز العقبات التي تواجه منظومة الأمن الانتقالي يمكن تلخيصها في أربعة مستويات مترابطة، هي الهشاشة المؤسسية الداخلية، فمؤسسات الأمن والجيش ما زالت في طور التشكّل، ولم تكتمل بعد عملية الدمج والهيكلة، وملف عناصر المنظومة السابقة، إذ إن الاكتفاء بالعفو والتسريح دون خطة واضحة لإعادة إدماج شرائح واسعة من عناصر الأجهزة السابقة وأفرادها ترك فراغاً تنظيمياً واجتماعياً. ويوضح أن هذه الكتلة تمتلك خبرة عسكرية وأمنية، وفي حال استمرار التهميش، قد تتحول إلى حزام قابل للاستقطاب من قوى داخلية أو خارجية.

أما المستوى الثالث، فيرتبط بحسب شعبان، بالضغوط والتجاذبات الإقليمية، إذ إن التوازن المعقّد بين أدوار إسرائيل وتركيا وإيران وروسيا وأميركا على الأرض السورية يجعل أي مشروع للأمن محاطاً بحزام من التدخلات والرسائل المتبادلة. ويرى أن العوامل الاقتصادية والإنسانية، وبينها محدودية الموارد المالية، واستمرار الأزمات الخدمية، وبطء مسار رفع العقوبات أو تخفيفها، تُضعف قدرة الدولة على تقديم "أمن إنساني" حقيقي للمواطنين. ويشير إلى أن الانتقال إلى مرحلة أكثر استقراراً يتطلّب الاعتراف بأن سورية اليوم تواجه شبكة تهديدات مركّبة لا تُدار بخطط طوارئ متفرقة، بل برؤية استراتيجية طويلة الأمد تجعل من الأمن رافعة لبناء دولة عادلة ومستقرة، لا مجرد فترة فاصلة بين حربين.

ولعل التحدي الأهم للإدارة الجديدة بعد عام من إسقاط الأسد، كان يتمثل بانتخاب سلطة تشريعية تمثل السوريين، وإرساء السلم الأهلي، الذي تعرّض لهزات عدة خلال السنة الأولى من إسقاط الأسد، لأسباب منها ما يتعلق بعدم تطبيق العدالة الانتقالية، ومنها ما يتعلق بأخطاء ارتكبتها الحكومة في التعاطي مع هذا الملف.

ويرى الحقوقي غزوان قرنفل، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أنه رغم عدم التعويل على مجلس الشعب في إحداث فارق نوعي في الحياة السياسية بسبب بنية السلطة التي لا تسمح له بأن يحدث هذا الأمر، إلا أنه على الأقل يمكن أن يشكل إضافة في الجانب التشريعي، أي إن هناك قوانين يجب تعديلها، موضحاً أن تأخير اكتمال نصابه ليس في مصلحة البلد، ونأمل أن يكون هناك خطوة قريبة ببدء أعمال هذا المجلس. أما في ما يخص ملف العدالة الانتقالية، فيبين قرنفل قائلاً: "بكل أسف، فإن هيئة العدالة الانتقالية لم تتقدم خطوة إلى الأمام رغم مضي عدة أشهر على تشكيلها، وأزعم أنه لا يوجد لديها مقر رسمي تستطيع أن تجتمع فيه، وليس لديها عنوان رسمي يمكن مراجعته".

ويضيف قرنفل: "من الواضح أن التوجه العام لهذه السلطة أنها غير عابئة بشكل جدي في موضوع العدالة الانتقالية، حتى إن الهيئة لم تضع أي وثيقة داخلية خاصة بكيفية عملها، ولم تضع أي مسودة لقانون العدالة الانتقالية، لأن البنية القانونية الحالية في ما يتعلق بشق المساءلة غير كافٍ لمساءلة مرتكبي الجرائم والانتهاكات، فضلاً عن أن العدالة ذات انعكاس واحد، وهم من ارتكبوا جرائم وكانوا على ضفة نظام الأسد، ولا تشمل بقية الأطراف التي استباحت وارتكبت جرائم، وربما لا تزال حتى الآن. هناك الكثير من المليشيات مما تسمى الجيش الوطني السوري ارتكبت عشرات الجرائم والانتهاكات، وكان من المفترض مساءلتهم جميعاً".

ويرى الباحث المتعاون مع معهد الشرق الأوسط، سامر الأحمد، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن مناطق سيطرة نظام الأسد كانت قبل التحرير مفتتة ما بين المليشيات الإيرانية والمحلية والروس، وكانت درعاً شبه خارج عن سلطة النظام، والسويداء أيضاً خارج السيطرة، إضافة إلى فصائل الثورة الموجودة في الشمال السوري والفصائل الموجودة في ريف حلب الشمالي المدعومة من تركيا وهيئة تحرير الشام وأتباعها التي كانت تدير إدلب وريف حلب الغربي. ويوضح أن عملية إسقاط الأسد "غيرت خريطة السيطرة، وأصبح لدينا اليوم مناطق سيطرة الدولة وتوحيد لجميع الفصائل، إذ لا توجد مليشيات خارج دور الدولة في جميع المحافظات السورية، الأمر الذي يعتبر إنجازاً". ويوضح أن "التحدي اليوم يبقى في منطقتين: الأولى السويداء التي تخضع لترتيبات معقدة مع إسرائيل، ومن المفترض التوصل قريباً إلى اتفاق بشأنها، ومناطق شرق الفرات التي يحكمها اتفاق مارس/ آذار الماضي" بين الشرع وقائد "قسد" مظلوم عبدي. إلا أن الأحمد يرى أن "مهلة هذا الاتفاق انتهت، وبالتالي فإنه يعتبر فاشلاً في حال عدم تمديدها"، موضحاً أن "المناطق التي تسيطر عليها قسد تخضع لاتفاقيات ومصالح أميركية تركية سورية مشتركة، بمواجهة مليشيات محلية مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، وهذه المليشيات مستفيدة اقتصادياً وسياسياً"، مستبعداً أن "تتنازل قسد بسهولة، لذلك فإن تطبيق الاتفاق يخضع للرغبة الأميركية لإنهاء هذا الملف".

الصورة
عناصر من "قسد" في دير الزور، 4 سبتمبر 2023 (دليل سليمان/فرانس برس)
عناصر من "قسد" في دير الزور، 4 سبتمبر 2023 (دليل سليمان/فرانس برس)

ويرى الأحمد أن لدى الإدارة السورية فرصة لتوحيد الأراضي السورية، وعليها استثمارها، ومعالجة الأخطاء التي حصلت في السويداء، وعدم تكرارها في حالة "قسد"، ويجب عليها قراءة مطالب السكان المحليين، موضحاً أن "معاملتهم على أن قسد تمثلهم يُعَدّ خطأً كارثياً وقعوا فيه حين تعاملوا مع (الزعيم الروحي لطائفة الموحدين الدروز الشيخ حكمت) الهجري باعتباره ممثلاً للسويداء". ويضيف: "اليوم الدولة تكرر أخطاء السويداء في مناطق "قسد"، موضحاً أن هناك مكونات عربية وكردية وسريانية يجب على الحكومة التنسيق معها وعدم النظر إلى المنطقة الشرقية على أنها منطقة ثروات اقتصادية فقط".

تحديات تهدد مسار الانتقال السياسي

أما ممثل "الإدارة الذاتية" لشمال شرق سورية في دمشق، عبد الكريم عمر، فقد أكد في تصريح لـ"العربي الجديد" أن "سورية شهدت بعد عام من إسقاط الأسد وانهيار نظامه الاستبدادي، وانتقال السلطة إلى إدارة جديدة، مرحلة دقيقة تبرز فيها تحديات جوهرية تهدّد مسار الانتقال السياسي. وتتمثل هذه التحديات بصورة رئيسية باعتماد إجراءات أحادية الجانب، لا تعكس مبادئ الشراكة الوطنية ولا تراعي التنوّع المجتمعي السوري، بدءاً من عقد ما يسمى بمؤتمر "النصر"، مروراً بالمؤتمر الوطني والإعلان الدستوري، وصولاً إلى تشكيل برلمان انتقالي بآليات تعيين تقوّض حيادية المؤسسات وتوازن السلطات. وقد رافقت هذه الإجراءات انتهاكات خطيرة في بعض المناطق (الساحل، والسويداء)، ما يثير قلقاً بالغاً بشأن سلامة المرحلة الانتقالية".

ويضيف: "لقد نص اتفاق 10 مارس الذي يمثّل منعطفاً وطنياً حقيقياً وفرصة تاريخية للمّ شمل السوريين، بوضوح على دمج مؤسسات الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية ضمن الهيكلية الوطنية الجديدة، وترسيخ موقع قوات سوريا الديمقراطية كقوة وطنية تُدمَج في الجيش وفق معايير مهنية وتشاركية"، معتبراً أنه رغم التباينات في تفسير آليات الدمج، إذ نراها عملية تشاركية وتكاملية، بينما تطرحها بعض أطراف السلطة الانتقالية بوصفها حلّاً وتسليماً، فإن نجاح المرحلة الانتقالية مرهون بتبني رؤية وطنية شاملة تتناسب مع التكوين المتعدد للمجتمع السوري، وتجنب العودة إلى المركزية المغلقة التي أثبتت فشلها التاريخي وأدت إلى أزمات عميقة وصراعات طويلة".

ويؤكد عمر أن "القضية الكردية عنصر أساسي في أي تسوية سياسية عادلة، وأن الاعتراف الدستوري بالحقوق القومية والثقافية والسياسية للشعب الكردي يمثل شرطاً ضرورياً لتحقيق استقرار طويل الأمد". ويوضح أن "الإدارة الذاتية ملتزمة التزاماً كاملاً بتنفيذ اتفاق 10 مارس الماضي، ومستعدة للعمل مع جميع القوى الوطنية والدولية لإنجاح مسار الانتقال السياسي. فالتجربة السورية أثبتت أنه لا حل عسكرياً للصراع، وأن التسوية السياسية التشاركية هي الطريق الوحيد لحماية وحدة البلاد ومنع تجدد الصراع". ويدعو عمر إلى "إطلاق مسار مصالحة وطنية شاملة، ووقف التحريض الطائفي وخطابات الكراهية، والاعتراف بالانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها وفق معايير العدالة الانتقالية".

المساهمون