ضغط أميركي على فنزويلا... التدخل البري مغامرة مكلفة وغير مضمونة

03 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 04:15 (توقيت القدس)
مادورو خلال تجمع في كاراكاس، 1 ديسمبر 2025 (جيسوس فارغاس/Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تصاعدت التوترات بين الولايات المتحدة وفنزويلا بسبب رفض الرئيس نيكولاس مادورو الاستقالة، مدعوماً بحلفاء إقليميين ورفضه لضغوط الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مما يعقد الوضع السياسي والعسكري في الكاريبي.

- بدأت الولايات المتحدة عمليات عسكرية في الكاريبي منذ سبتمبر، مستهدفة زوارق تهريب المخدرات، مما أثار جدلاً حول قانونية الضربات ومطالبات بإجراء تحقيقات في الكونغرس.

- حشدت فنزويلا قواتها العسكرية ونشرت صواريخ روسية الصنع لمواجهة التهديدات الأميركية، مع التخطيط لمقاومة على غرار حرب العصابات، مما يجعل الأزمة أكثر تعقيداً وخطورة.

قبل محادثات أجراها الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع

فريق الأمن القومي بشأن الوضع في فنزويلا، مساء أول من أمس الاثنين في المكتب البيضاوي، كان نظيره الفنزويلي نيكولاس مادورو، يقلّد رقصة ترامب الشهيرة، ويقول أمام حشد كبير من مؤيديه في كاراكاس: "لا نريد سلام العبيد". بدد ذلك حتى الآن على الأقل، احتمال رضوخ الزعيم الفنزويلي لمطالب ترامب، والتي تراها فنزويلا ضغوطاً أميركية للاستيلاء على نفط البلاد، وإطاحة رئيسها، لكنه لم يبدد الخطوات الأميركية التدريجية لإشعال الحرب، التي رغم التحشيد العسكري الأميركي الأكبر منذ عقود في الكاريبي، والتفوق على القدرة العسكرية الفنزويلية، فإن لمغامرة ترامب هذه، مخاطرها بالنسبة إلى واشنطن.

يرفض مادورو الاستقالة، مستنداً إلى بنية سلطوية موزعة أفقياً بين مؤسسات سياسية وعسكرية تجعل الانقلاب الداخلي صعباً، وإلى دعم حلفاء إقليميين، خصوصاً كوبا من بين آخرين لا يروق لهم التدخل الأميركي، ممن يرون في سقوط فنزويلا تهديداً مباشراً لهم. وكانت أربعة مصادر مطلعة، قد قالت لوكالة رويترز، أول من أمس، إن الرئيس الأميركي رفض سلسلة من الطلبات من نظيره الفنزويلي خلال مكالمة هاتفية قصيرة، الشهر الماضي، ما أدى إلى تضاؤل الخيارات المتاحة أمام الزعيم الفنزويلي للتنحي ومغادرة فنزويلا عبر ممر آمن تضمنه الولايات المتحدة، إذ طالب مادورو رفع العقوبات عنه وعن مسؤولين الحكومة الفنزويلية.

الضربات الأميركية في الكاريبي

في ظل كل هذه التطورات تتواصل ضربات الجيش الأميركي التي بدأها منذ سبتمبر/أيلول الماضي، ودمّر خلالها أكثر من 20 زورقاً يشتبه بأنها تستخدم في تهريب المخدرات في البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ، وأوقعت أكثر من 83 قتيلاً. وتثير هذه الضربات جدلاً داخلياً في الولايات المتحدة يتعلق هذا الجدل خصوصاً بشأن بضربة ثانية على أحد القوارب أسفرت عن مقتل 11 شخصاً، في سبتمبر الماضي، إذ بحسب شبكة سي أن أن الأميركية، خرجت أصوات بين الديمقراطيين في الكونغرس تفيد بأن هذه الضربة تعد جريمة حرب محتملة، مضيفة أن العديد من الجمهوريين يشعرون بالصدمة ويشيرون إلى استعداد نادر لإجراء تحقيق صارم في الإدارة.

وطلب السيناتور الديمقراطي مارك كيلي، أول من أمس، فتح تحقيق في الضربة التي نفذها الجيش، رغم أن دليل البنتاغون (وزارة الحرب) لقانون الحرب يعتبر أن "الأوامر بإطلاق النار على الغرقى غير قانونية بوضوح". وقال كيلي إن شن الضربة على قارب تشبث به ناجون هو "تجاوز للحدود". من جهته قال النائب الجمهوري مايك تورنر إن "الناس قلقون للغاية من طريقة تنفيذ هذه الضربات".

وبعد نفي البنتاغون في وقت سابق تنفيذ هذه الضربة، التي قد تعكس مدى المغامرة التي يستعد ترامب وإدارته الخوض فيها، اعترف البيت الأبيض، أول من أمس، بتعمد قتل ناجين، إذ أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت، في مؤتمر صحافي، ما تم تداوله في وسائل إعلام أميركية أخيراً بينها صحيفة واشنطن بوست، والتي تفيد بأن وزير الحرب بيت هيغسيث أصدر الأمر بشن هجوم ثانٍ على السفينة التي يزعم أنها كانت "تحمل مخدرات" قبالة سواحل فنزويلا، ما أدى إلى مقتل شخصين كانا متمسكين بالسفينة المشتعلة بعد الهجوم الأول. وأضافت: "أذن الوزير هيغسيث للأميرال (فرانك) برادلي بشن هذه الضربات... وعمل الأميرال برادلي على نحو جيد في حدود سلطته والقانون بتوجيه الاشتباك لضمان تدمير القارب والقضاء على ما كان يشكل تهديدا للولايات المتحدة". وقالت ليفيت إن ترامب وهيغسيث "أوضحا أن الجماعات الإرهابية التي تحمل المخدرات، والتي حددها الرئيس، يمكن أن تتعرض لهجمات بموجب قوانين الحرب".

من جهته، دافع هيغسيث عن برادلي، ملمحاً في الوقت عينه إلى أن الأخير هو من اتخذ القرار. وكتب على منصة إكس، أول من أمس، أن برادلي "بطل أميركي، ومحترف حقيقي، ويحظى بدعمي الكامل. أؤيده وأؤيد قراراته القتالية. أما ترامب فكان قد أكد، الأحد الماضي، أنه لم يكن يرغب في توجيه هجوم آخر لهذه السفينة.  وقال مسؤول أميركي رفيع، لـ"رويترز"، فجر أمس الثلاثاء، إن ترامب أجرى محادثات مع كبار مستشاريه لمناقشة سبل الضغط على فنزويلا وقضايا أخرى. أضاف المسؤول، الذي رفض الكشف عن هويته، أن اجتماع المكتب البيضاوي ضم أعضاء كباراً في فريق ترامب للأمن القومي. ولم يُكشف عن تفاصيل المحادثات حتى ظهر أمس.

ضغوط ترامب على فنزويلا

لكن ضغوط ترامب شملت إعلانه السبت الماضي أنه يجب اعتبار المجال الجوي فوق فنزويلا ومحيطها "مغلقاً بالكامل"، دون تقديم مزيد من التفاصيل، ما أثار قلقاً كراكاس وأدّى إلى توقف الملاحة الجوية من فنزويلا وإليها. وفي الوقت نفسه، عاد ترامب وأكد الأحد الماضي، أنه تحدث إلى الرئيس الفنزويلي، الذي تعتبره الولايات المتحدة زعيماً غير شرعي، رافضاً تقديم تفاصيل المكالمة الهاتفية.

رويترز: الممر الآمن لمادورو انتهى الجمعة الماضي

في هذا السياق، قالت أربعة مصادر مطلعة لـ"رويترز"، أول من أمس، إن المكالمة التي حصلت في 21 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، شكلت ضغوطاً إضافية على كاراكاس، بعد توجيه ضربات على قوارب قيل إنها تهرب مخدرات في البحر الكاريبي وتهديدات ترامب المتكررة بتوسيع نطاق العمليات العسكرية لتشمل البر وتصنيف جماعة دي لوس سوليس، والتي تقول إدارة ترامب إنها تضم مادورو، منظمة إرهابية أجنبية. وقال ثلاثة من المصادر إن مادورو أبلغ ترامب خلال المكالمة بأنه على استعداد لمغادرة فنزويلا شرط أن يحصل هو وأفراد أسرته على عفو كامل، بما في ذلك رفع جميع العقوبات الأميركية وإنهاء قضية رئيسية يواجهها أمام المحكمة الجنائية الدولي (منذ عام 2021 فتح تحقيق في المحكمة الجنائية الدولية، حيث يُتهم مادورو باحتجاز خصومه السياسيين بشكل تعسفي وتعذيبهم وإعدامهم).

وأضافت المصادر أن مادورو طلب أيضاً رفع العقوبات عن أكثر من مئة مسؤول في الحكومة الفنزويلية، كثيرون منهم تتهمهم الولايات المتحدة بانتهاك حقوق الإنسان أو الاتجار بالمخدرات أو الفساد. وقال مصدران إن مادورو طلب كذلك أن تدير نائبته ديلسي رودريغيز حكومة مؤقتة قبل إجراء انتخابات جديدة. وقد رفض ترامب معظم طلباته في المكالمة، التي استمرت أقل من 15 دقيقة، لكنه أخبر مادورو بأن لديه أسبوعاً لمغادرة فنزويلا إلى الوجهة التي يختارها مع أفراد أسرته. وقال اثنان من المصادر إن هذا الممر الآمن انتهى، يوم الجمعة الماضي، ما دفع ترامب إلى الإعلان يوم السبت عن إغلاق المجال الجوي الفنزويلي.

مادورو: لا لسلام العبيد ولا لسلام الاستعمار

رداً على هذه الضغوط قال مادورو، أول من أمس، خلال تجمع حضره آلاف من ناصريه في كراكاس، إنه يرفض "سلام العبيد"، مشيراً إلى أن الانتشار الأميركي في منطقة الكاريبي يضع البلاد "على المحك" منذ 22 أسبوعا. وتابع: "نريد السلام، ولكن نريد سلاماً مع السيادة والمساواة والحرية! لا نريد سلام العبيد، ولا سلام الاستعمار"، مضيفاً: "لقد عشنا 22 أسبوعاً من عدوان يمكن وصفه بالإرهاب النفسي، 22 أسبوعاً وضعونا خلالها على المحك. لقد أظهر شعب فنزويلا حبه للوطن". وهتف مناصرون: "مادورو الصديق الشعب معك!" و"لا، لا، لا، لا أريد أن أكون مستعمرة أميركية شمالية. نعم، نعم، نعم، أريد أن أكون قوة أميركية لاتينية".

اتخذت الضغوط الأميركية منحى تدريجياً، حيث أصدر ترامب، في أغسطس/ آب الماضي، أمراً تنفيذياً يقضي بزيادة استخدام الجيش بدعوى "مكافحة عصابات المخدرات" في أميركا اللاتينية. وفي هذا السياق، أعلنت واشنطن، إلى جانب حشد أكثر من 15 ألف جندي، إرسال سفن حربية وغواصة إلى قبالة سواحل فنزويلا، فيما قال هيغسيث إن الجيش جاهز للعمليات بما فيها تغيير النظام في فنزويلا. كما منح ترامب وكالة الاستخبارات المركزية تفويضاً بالتدخل داخل الأراضي الفنزويلية، في إشارة إلى أن واشنطن لا تكتفي بالضغط من الخارج، بل تعدّ أدواتها لتوسيع مساحة المواجهة إلى الداخل. ورداً على ذلك، أعلن مادورو، حشد قوات يبلغ قوامها 4.5 ملايين شخص في البلاد، والاستعداد لصد لأي هجوم محتمل.

مواجهة سياسية وعسكرية

لم تعرف منطقة الكاريبي منذ عقود توتراً يشبه ما تعيشه اليوم بين الولايات المتحدة وفنزويلا. فخلف السواحل الفنزويلية تدور مواجهة سياسية- استخباراتية-عسكرية تتخذ أشكالاً متعددة، وتكشف عن أزمة من طراز جديد تختلف جذرياً عمّا واجهه الرئيس الأميركي الراحل جون كينيدي إبّان أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962؛ فمساحة فنزويلا (916,445 كلم)، وكثافة سكانها (حوالي 28.5 مليون نسمة)، وطبيعة قواتها المسلحة (التي تضم مليشيات "القوات المسلحة الوطنية البوليفارية)، تجعل أي تدخل بري مغامرة مكلفة وغير مضمونة النتائج.

في المقابل، فإن التفوق العسكري الأميركي أكثر وضوحاً. وسبق أن نقلت "رويترز"، الأسبوع الماضي، عن ستة مصادر مطلعة على القدرات العسكرية الفنزويلية، قولهم إن الجيش الأميركي يتفوق بشدة على نظيره في فنزويلا، من ناحية نقص التدريب، وانخفاض الأجور، وتدهور المعدات. وأشاروا إلى أنه على الرغم من أن مادورو، الذي يتولى السلطة منذ عام 2013، يتمتع بالولاء العسكري من خلال تعيين ضباط في مناصب حكومية، إلا أن الجنود العاديين يكسبون مئة دولار فقط شهرياً بالعملة المحلية، أي حوالي خُمس ما تقول الدراسات إن الأسرة المتوسطة تحتاج إليه لتلبية احتياجاتها الأساسية. وتقول المصادر إن عمليات الانشقاق، التي تحدث بالفعل في العديد من الوحدات، قد تتزايد في حالة وقوع هجوم عسكري أميركي.

أما لناحية رد كاراكاس في حرب محتملة، فقد أظهرت مصادر ووثائق تخطيطية اطلعت عليها "رويترز" أن فنزويلا تخطط للقيام بمقاومة على غرار حرب العصابات أو زرع الفوضى في حالة وقوع هجوم جوي أو بري أميركي. وقد تم بالفعل نشر خمسة آلاف صاروخ من طراز إيجلا روسية الصنع في فنزويلا، وأشاد بها مادورو أخيراً على شاشة التلفزيون الحكومي.

رغم تشابههما السطحي، فإن الأزمة الفنزويلية تختلف جوهرياً عن أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962. ففي كوبا، كان التهديد نووياً ووجودياً، بينما الأزمة الفنزويلية اليوم تتعلق بالنفوذ السياسي والاقتصادي وطاقة النفط، دون تهديد نووي مباشر. كينيدي قاوم ضغوط صقور الحرب في البنتاغون ورفض الغزو العسكري، فاختار الحل الدبلوماسي عبر حصار بحري محكم، ما أدى إلى اتفاق مع الزعيم السوفييتي آنذاك نيكيتا خروتشوف على انسحاب الصواريخ دون إطلاق أي رصاصة. أما اليوم، فيلوّح ترامب بالقوة، مدعوماً بصقور الإدارة، على رأسهم وزير الخارجية ماركو روبيو لتغيير النظام بالقوة، ما يجعل الأزمة أكثر تعقيداً وخطورة.

(العربي الجديد، رويترز، فرانس برس)

المساهمون