استمع إلى الملخص
- الامتناع كرسالة رفض: الامتناع عن المشاركة في الشرق والغياب في الجنوب والغرب يعكس رفضاً شعبياً لحفتر، رغم تغيير شعاراته من "مكافحة الإرهاب" إلى "البناء والإعمار"، مما يبرز عدم قبول النفوذ العسكري كشرعية.
- رسائل سياسية واضحة: الحدث أظهر أن نفوذ حفتر الأمني لا يترجم إلى دعم شعبي، حيث لم يمنحه المواطنون أصواتهم، مما يبرز ضحالة شرعيته رغم قوته العسكرية.
يحضّر أنصار اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر لاحتشادٍ جديد غداً الجمعة، بعد أسبوع من فشل "جمعة التفويض" التي أُريد لها أن تظهره شخصية مُجمَع عليها شعبياً، فجاءت على النقيض: ميادين بلا حشود في رمزية تسقط التفويض بهدوء بدلاً من أن تمنحه. من خلال نداءات أنصار حفتر على منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المقرّبة منه، تبدو محاولتهم هذه المرة أكثر إلحاحاً لتجاوز الإحجام الواسع السابق، مثل دعوة النوادي الرياضية ونقابات العمال وغيرها. وهو إلحاح يكشف في العمق مخاوف الجمعة الماضية. فالأعداد التي خرجت اقتصرت على نطاقٍ ضيق في الشرق الليبي، وفي مدنٍ بعينها هي بنغازي وطبرق والبيضاء والمرج، حيث تتغلب رهبة السيطرة الأمنية ويطغى حضور المقربين من الدوائر الضيقة لحفتر. وقتها لم يتمكن الحشد الإعلامي المقرب من حفتر من إخفاء الصورة الحقيقية، وإن حاولت تكثير العدد بزوايا تصوير مختلفة. وإن جاءت الرسالة من الجنوب الذي يقع تحت سيطرة حفتر عملياً، فلم يخرج فيه أي مفوض، وكذلك في غرب البلاد الذي طالما سعى حفتر للتقرب من شخصياته القبلية طوال الشهر الماضي، فإن انكشاف المستور في شرق البلاد كان أبلغ في رسالته، التي صّرحت بها في صمت بأن السيطرة المسلحة لا تنجب رضاً وتأييداً.
قد يُقرأ "الصمت" في المجال العام أحياناً كعلامة قبول، لكنه في حدث استجداء حفتر التفويض، اتخذ معنىً آخر أكثر فصاحة ووضوحاً: الرفض من دون إعلانه في لافتات وشعارات معارضة، متماهين بذلك مع لغة السياسيين الكبار التي تقول بأن الامتناع تحرير لصوتهم الذي أريد استغلاله في معركة الشرعية، حتى وإن بدل من يدفع نفسه للزعامة شعاراته، من رواية "مكافحة الإرهاب" إلى شعارات "البناء والإعمار"، فالجوهر لن يتغير، فصار الامتناع في الشرق، والغياب في الجنوب والغرب، وكأنه إجماع على الرفض.
ما حدث يوم الجمعة الماضي تجاوز في كونه محاولة فاشلة، ليتحول إلى رسائل سياسية كاملة للخارج، فحواها أن نفوذ حفتر الأمني لا يعني النفوذ الشعبي، فقد سقط لمّا لم يمنحه المواطنون أصواتهم. أما للداخل، فبرهان على أن العناوين لا تُعيد للخطاب بريقه، ولو كانت انتقالاً من الحرب إلى الإعمار والبناء. أما الرسالة الأبلغ، فجاءت من جوهر الحدث نفسه: حفتر القوي عسكرياً وأمنياً يستجدي تفويضاً، بعد أن استنزف كل أدوات الهيمنة، وكشف عن ضحالة شرعيته.