صراع تركي يوناني متواصل شرق المتوسط رغم تحسّن العلاقات
استمع إلى الملخص
- الإعلان التركي تزامن مع قمة ثلاثية بين تركيا وإيطاليا وليبيا، مما أثار اهتمامًا إعلاميًا وانتقادات من المعارضة اليونانية، التي اعتبرت القمة هزيمة دبلوماسية للحكومة اليونانية.
- العلاقات التركية اليونانية تواجه تحديات تاريخية مثل الأقليات وقبرص والسيادة البحرية، مع استمرار التنافس على ثروات شرق المتوسط وسباق التسلح.
على الرغم من تحسّن العلاقات التركية اليونانية، إلّا أن كل طرف يراقب الآخر عن كثب ويقدم على خطوات تصعيدية خفية، وآخرها إعلانات لمناطق بحرية اختصاصية من الدولتين في خطوات تعتبر أنها تعامل بالمثل. مصادر في وزارة الخارجية التركية كشفت لوسائل إعلام محلية، اليوم الأحد، تسجيل موقعين للحماية البحرية في بحر إيجة وشرق المتوسط، إذ تأتي الخطوة رداً على إعلان اليونان في 21 يوليو/ تموز الماضي منطقتين بوصفهما حدائق بحرية.
وتزامن الإعلان التركي عقب قمة ثلاثية تركية إيطالية ليبية للتعاون المشترك في إسطنبول، عقدت الجمعة الماضية، وحظيت باهتمام إعلامي كبير من اليونان، في إشارة لاستمرار التنافس اليوناني التركي على البحار وشرق المتوسط. وبحسب الخارجية التركية فقد رُسمت المناطق البحرية المحمية الجديدة في تركيا على خريطة مسجلة لدى اللجنة الدولية الحكومية لعلوم المحيطات (IOC) التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو). المنطقتان هما قبالة سواحل بحر إيجة الشمالي وسواحل منطقة فتحية وكاش على المتوسط، وهاتان المحميتان البحريتان لن تؤثرا على حرية الملاحة البحرية.
وأوضحت الخارجية أنّ التحديث المذكور أدرج في الخريطة التي أعدها مركز الأبحاث الوطني لقانون البحار التابع لجامعة أنقرة بمساهمات المؤسّسات ذات الصلة، وجرى تسجيلها لدى اللجنة الدولية الحكومية لعلوم المحيطات التابعة لليونسكو الشهر الماضي، وأن المرحلة المقبلة ستشمل إعلان مناطق أخرى أيضاً.
ومن خلال هذه الخطوة يحقّ حماية بيئة هذه المناطق، عبر اتخاذ إجراءات معينة، دون تأثير على حرية حركة الملاحة، وكانت وزارة البيئة والتغيير قد أعلنت في العام 2013 منطقة جبال فينيكه البحرية التابعة لولاية أنطاليا على البحر المتوسط، محمية بيئية طبيعية، ومع الإعلان الجديد يتوسع نفوذ تركيا في البحار المحيطة.
وكانت اليونان قد أعلنت في 21 يوليو الماضي عن حديقتَين بحريتَين واحدة في بحر إيجه والأخرى في البحر الأيوني، ما دعا وزارة الخارجية التركية لمطالبة اليونان بتجنّب "الإجراءات أحادية الجانب" في البحار المغلقة أو شبه المغلقة. لكن الخارجية التركية أكدت في بيان حينها أن "الحديقتَين البحريتين المذكورتين لن يكون لهما أي عواقب قانونية" في سياق القضايا بين البلدين في بحر إيجه، إذ إنّ الحديقة البحرية تُحمَى فيها منطقة من البحر أو البحيرة أو تُخصَّص للاستخدام الترفيهي، للحفاظ على بيئة محددة وضمان استدامة النظام البيئي للكائنات الحية التي تعيش فيها، وتُصنِّف الحكومات والمنظمات معظم الحدائق البحرية حدائقَ وطنية "مائية".
ونقلت وكالة الأناضول عن مسؤولين أتراك أن هذا التطور "يعدّ محاولة جديدة من اليونان لزعزعة الوضع الراهن"، مؤكدين أهمية عدم عرقلة حرية وسلامة الملاحة البحرية في بحر إيجه وعدم انتهاك حقوق تركيا الأخرى، وأكد المسؤولون أن تركيا "لن تقبل، كما فعلت سابقاً، بأي وضع فعلي محتمل قد تُنشئه اليونان على التكوينات الجغرافية المتنازع عليها في بحر إيجة".
وبعد الإعلان اليوناني بثلاثة أيام، نشر قرار رئاسي تركي في الجريدة الرسمية بشأن إنشاء "مجلس تنسيق التخطيط المكاني البحري" لغرض تطوير التخطيط المكاني البحري في تركيا على نحوٍ أكبر. وفي هذا السياق سيجتمع المجلس بانتظام لتقييم الآثار البيئية للأنشطة القطاعية في البحار المحيطة بتركيا، ولتسهيل التنسيق بين الوكالات في هذا الشأن، وتتولى وزارة الخارجية أمانة المجلس وتنسيقه ورصد تنفيذه.
وقالت صحيفة ملليت التركية إنّ الخطوة التركية هي رد على الخطوة اليونانية، إذ أعلن البلدان عن خرائطهما للتخطيط المكاني البحري بصورة متتابعة، وتبين أن خريطة اليونان تضمنت جزراً وجزراً صغيرة وصخوراً عائمة لم تنتقل سيادتها إليها عبر اتفاقيات، ومنحتها جرفاً قارياً، وهو ما لم تقبله تركيا. ونقلت الصحيفة عن مدير مركز الأبحاث الوطني لقانون البحار التابع لجامعة أنقرة مصطفى باشقارا أن المنطقتين اللتين أعلنت عنهما تركيا "تكتسبان أهمية خاصة من حيث حجمهما ومساحتهما وموقعهما، وقد وُضعتا تحت حماية الدولة التركية".
وشدد على أن هذه الحالة "لن تؤثر على حرية الملاحة البحرية، وتتألف من خرائط مُدمجة في خريطة التخطيط المكاني البحري التركية، وتخضع الصلاحيات الفنية الممنوحة لهاتين المنطقتين، والوزارات المسؤولة عن الممارسات فيهما، لسلطة الوزارات المعنية، وستجري الوزارات دراساتها الخاصة بهذا الشأن، وستُطلع الرأي العام عليها عند الحاجة".
وعقب القمة الثلاثية التركية الإيطالية الليبية الجمعة الماضية، تفاعلت وسائل الإعلام اليونانية والمعارضة مع القمة، معتبرة أنها تهديد للمصالح اليونانية. وأكد ائتلاف اليسار الراديكالي (سيريزا) المعارض في اليونان، الجمعة، أن قمة إسطنبول بمثابة "هزيمة دبلوماسية جديدة" للحكومة اليونانية، وأن "القمة تشكل هزيمة دبلوماسية جديدة للحكومة، المحاصرة على الصعيد الدولي وتتصرف دون استراتيجية وطنية موحدة وتقتصر على دور المراقب البسيط للتطورات".
صحيفة "تا نيا" اليونانية انتقدت غياب اليونان عن قمة تُقلقها بشدة، قائلة "تباينت أهداف الأطراف في اجتماع إسطنبول، فمعظم الهجرة غير الشرعية من ليبيا إلى أوروبا تذهب إلى إيطاليا، وارتفع عدد المهاجرين الوافدين إلى هذا البلد بنسبة 80% مقارنةً بالعام الماضي".
وأكملت "تحتاج رئيسة وزراء إيطاليا جورجينا ميلوني إلى دعم أنقرة وطرابلس للحد من هذا الوضع، ويحاول رئيس وزراء حكومة الوفاق الوطني الليبية عبد الحميد الدبيبة إضفاء الشرعية على إدارته، وبالتالي يحتاج إلى دعم دولي، ويؤكد الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي تربطه علاقات بكل من الدبيبة وخليفة حفتر في ليبيا، نفوذه في المنطقة".
من جانبها، قالت صحيفة "نفتمبوريكي" اليونانية إن ميلوني أدارت ظهرها لليونان، وأشارت إلى أن مسألة الهيدروكربونات في شرق البحر الأبيض المتوسط نوقشت أيضاً في القمة الثلاثية.
وأضافت "يبدو أن إيطاليا قبلت الاتفاق التركي الليبي، وإن كان سراً، من أجل ممارسة الأعمال التجارية في شرق البحر الأبيض المتوسط، وإذا كان أي شخص في أثينا يحلم بالتعاون مع ميلوني، فعليه أن يدرك أنها حوّلت انتباهها إلى مكان آخر".
وتعاني علاقات البلدين من توترات منذ عقود بسبب عمق القضايا الخلافية من الأقليات لجزيرة قبرص، ومسائل السيادة البحرية، ورغم تخفيف التصعيد مؤخراً، إلّا أن مواضيع ثروات شرق المتوسط، وسباق التسلح يحظى باهتمام البلدين ومراقبة عن كثب.