استمع إلى الملخص
- تشدد مصر على ضرورة خروج المرتزقة والمقاتلين الأجانب من ليبيا كشرط أساسي للحوار، وتخشى من فراغ سياسي جديد في حال فشل المبادرة، خاصة مع تصاعد التوترات بين الحكومتين المتنافستين.
- يرى خبراء أن فرص نجاح المبادرة محدودة بسبب قدرة القوى النافذة على استيعاب المبادرات دون تسوية حقيقية، ومنهجية اختيار المشاركين تعيد تدوير نفس الوجوه، مما يثير الشكوك حول حياد العملية.
يظهر تشكيك مصري باحتمالات نجاح المساعي الأممية لتنفيذ خريطة الطريق السياسية بما يشمل إجراء انتخابات وتشكيل حكومة موحدة، والتي أعلنتها الممثلة الخاصة للأمين العام في ليبيا هانا تيتيه في أغسطس/ آب الماضي، وفي أحد مكوناتها "الحوار المهيكل" الذي يفترض أن يشمل أطرافاً سياسية ومدنية ومجتمعية في البلاد.
وقال مصدر مصري مطّلع على الملف الليبي، لـ"العربي الجديد"، إن مسؤولين مصريين يرون أن مساعي البعثة الأممية الخاصة بليبيا المسماة مسار "الحوار المهيكل"، الذي أعلنته البعثة في نهاية أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وبدء تلقي ترشيحات الهيئات المدنية والمجتمعية للمشاركة فيه بهدف مناقشة ملفات الحكومة والاقتصاد والأمن والمصالحة، تواجه عقبات جوهرية قبل أن يبدأ فعلياً، وفي مقدمتها الخلافات المتوقعة فور إعلان قائمة المشاركين.
تنافس وخلافات
وأوضح المصدر نفسه أن القاهرة تتوقع أن تخلق القائمة حالة من التنافس الحاد بين القبائل والأحزاب والمكونات المحلية، بما يؤدي إلى نزاعات حول حجم التمثيل وأوزان الأطراف المختلفة داخل الحوار، ما قد ينعكس سريعاً، وفق المصدر، في شكل صدامات سياسية وإعلامية، وربما ميدانية. وأضاف أن القاهرة ترى أن عدم وجود ضمانات واضحة بشأن كيفية اختيار أعضاء الحوار، وآليات اتخاذ القرار داخله، وغياب معايير مُلزِمة للتمثيل الجغرافي والقبلي والسياسي، كلها عوامل تزيد من مخاطر انهيار المسار قبل أن ينتج أي توافق فعلي.
مصدر مصري: مصر قلقة من احتمالات دخول ليبيا في فراغ سياسي جديد في حال فشل مبادرة "الحوار المهيكل"
وأكد المصدر أن موقف مصر لم يتغير في ما يتعلق بأولوية خروج المرتزقة والمقاتلين الأجانب من ليبيا، باعتباره شرطاً أساسياً لتهيئة أي بيئة للحوار أو تسوية سياسية مستدامة. وأوضح أن القاهرة أشارت، في اتصالات دبلوماسية أخيراً، إلى أن أي مسار سياسي لا يرافقه تقدم ملموس في ملف تفكيك حضور المرتزقة سيظلّ معرضاً للانهيار، لأن وجود هذا القدر من السلاح والقوى غير المنضبطة يعني أن أي خلاف سياسي قد يتحول في لحظة إلى نزاع مسلح.
من جهة أخرى، تشعر مصر، بحسب المصدر نفسه، بقلق متزايد من احتمالات دخول ليبيا في فراغ سياسي جديد في حال فشل مبادرة "الحوار المهيكل"، خصوصاً في ظل تصاعد التوترات بين الحكومتين المتنافستين في طرابلس والشرق، وخلافات المؤسسات المالية حول إدارة الموارد.
سعد سلامة: التجربة تُظهر أن القوى النافذة في ليبيا أثبتت قدرة كبيرة على إعادة إنتاج نفسها
فرص نجاح "الحوار المهيكل"
وفي هذا الصدد، قال مدير مركز دراسات دول الجوار الليبي، لـ"العربي الجديد"، إن فرص نجاح مسار "الحوار المهيكل" الذي أطلقته البعثة الأممية تبدو محدودة للغاية في ظل المعطيات الحالية. واعتبر أن التجربة طوال السنوات الماضية تُظهر أن القوى النافذة في ليبيا، السياسية والعسكرية على حد سواء، أثبتت قدرة كبيرة على إعادة إنتاج نفسها واستيعاب مختلف المبادرات الدولية، بحيث تبقى ممسكة بالمشهد من دون السماح بقيام تسوية سياسية حقيقية تهدد مصالحها أو تفكك شبكات نفوذها. وفي ما يتعلق بالقبائل، قال سلامة إنها الطرف الأضعف في المعادلة الليبية، وإن دورها أصبح أقرب إلى أداة تستخدمها القوى المتنفذة في الشرق والغرب لتعزيز مواقعها، فيما تفتقر غالبية الزعامات القبلية إلى نفوذ حقيقي داخل قواعدها الاجتماعية، التي تواجه أولويات حياتية ومعيشية تفوق الاهتمام بالصراع السياسي.
شريف عبد الله: البعثة الأممية تعيد إنتاج السياق نفسه الذي شهدناه في مساري الصخيرات وجنيف
كذلك الأمر في رأي مدير المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية شريف عبد الله، لـ"العربي الجديد"، إذ قال إن فرص نجاح مسار "الحوار المهيكل" تبدو ضعيفة للغاية، معتبراً أن البعثة الأممية "تعيد إنتاج السياق نفسه الذي شهدناه في مساري الصخيرات (المغرب) وجنيف"، عبر اختيار مجموعة من الشخصيات التي "لا تختلف كثيراً ــ إن لم تكن هي نفسها ــ عن تلك التي شاركت في جولات الحوار السابقة، والتي تمثل مؤسسات كانت أصلاً جزءاً من الإشكال الليبي".
وأوضح عبد الله أن منهجية الاختيار نفسها تعيد تدوير الوجوه نفسها من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والحكومتين (حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، والحكومة المدعومة من مجلس النواب في بنغازي)، والقيادة العامة (قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر
)، وهي أطراف "جُرِّبت مراراً، وتمسّكت ببقاء الوضع القائم، ولن تسمح بخروج مخرجات جديدة تُحدث تغييراً فعلياً في بنية السلطة". وأضاف أن الحوار، رغم أهميته من حيث المبدأ، إلا أن "طريقة تشكيله تظل مليئة بالإشكالات"، سواء لغياب معايير واضحة للتمثيل أو لاعتماد آليات قائمة على "التزكيات المباشرة" التي تُفاقم الشكوك حول حياد العملية وجديتها.