شكل جديد لمنظومة المخابرات الفنية والإعلامية في مصر

شكل جديد لمنظومة المخابرات الفنية والإعلامية في مصر

28 مايو 2021
الصورة
استقر كامل على طرح أسهم "المتحدة" بالبورصة (خالد دسوقي/فرانس برس)
+ الخط -

يبدو أن ملف إدارة الإعلام المصري، والشركات التابعة للأجهزة السيادية المحتكرة لنشاط الإنتاج الفني والإعلامي في البلاد، سيشهد مستجدات مهمة في الأيام القليلة المقبلة، انطلاقاً من الأزمة الأخيرة التي تعرضت لها الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، التي تعتبر المظلة الاستثمارية التابعة مباشرة للمخابرات العامة، وتتبعها الشركات القائمة على الأنشطة الدعائية والفنية والإعلامية بمختلف أنواعها، من تنظيم الفعاليات وتجهيزات التصوير الجوي والميداني، وسوق الإعلانات، والصحافة المطبوعة، والمواقع الإلكترونية، ومنصات المشاهدة الرقمية والراديو والقنوات الفضائية، والإنتاج السينمائي والدرامي والمسرحي.

وكشفت مصادر حكومية وإعلامية واسعة الاطلاع، لـ"العربي الجديد"، أن المؤتمر الصحافي المقرر عقده،السبت، لإعلان ما وصفته الشركة "المتحدة" بـ"إنجازاتها وخططها المستقبلية"، رداً على الأنباء المتداولة عن تغيير إدارتها وتقليص سلطات مديرها الحالي تامر مرسي ليبقى مديراً فقط لشركته الأصلية "سينرجي"، إحدى الشركات التابعة إلى "المتحدة"، سوف يشهد الإعلان عن خطوات أوسع من تغيير الإدارة، بهدف تحسين صورة هذه الشركة الكبرى، وغيرها من الشركات التابعة للدولة بصورة غير معلنة، ومخاطبة الرأي العام المحلي والغربي، بما مفاده أن تغييراً كبيراً يحدث في نمط ملكية اقتصاد الأجهزة السيادية.

سيشرف على التحوّل الخبير المصرفي والاقتصادي حسن عبدالله، والمساعد السابق لمحافظ البنك المركزي طارق عامر

وأوضحت المصادر أن مكتب مدير المخابرات عباس كامل قد استقر على أن هذا "التغيير الكبير" سيتمثل في طرح أسهم "المتحدة" للمرة الأولى في البورصة المصرية، وإدخال عدد من رجال الأعمال، الذين يمكن تصنيفهم من فئة الصفين الثاني والثالث، والموالين أيضاً للدولة، كمساهمين فيها، من خلال شركاتهم التي ستندرج تحت "المتحدة"، وكذلك الإفصاح عن التوزيع الحالي لأسهم الشركة، والتي يمتلك الحصة الأكبر منها أشخاص غير معروفين كواجهات لملكية المخابرات العامة. ولطالما كان احتكار الجيش والأجهزة السيادية في مصر للشركات الخاصة بها، من دون طرحها في البورصة، سبباً أساسياً للانتقادات الأميركية لمصر في السنوات الأخيرة.

وأضافت المصادر أن هذا التحوّل سيشرف عليه الخبير المصرفي والاقتصادي الرئيس التنفيذي الأسبق للبنك العربي الأفريقي الدولي حسن عبدالله، والمساعد السابق لمحافظ البنك المركزي طارق عامر، والذي يعبّر اختياره عن تفاقم صراع كبير على توجيه سياسات الدولة الاقتصادية بين عامر من جهة، وعباس كامل ومجموعة الخبراء الاقتصاديين المحيطين به من جهة أخرى. هذا الصراع ظهرت بوادره للمرة الأولى نهاية العام الماضي بعد إطاحة عامر بالرئيس التنفيذي لبنك "CIB" هشام عز العرب، المقرب من المخابرات. ثم اكتسب أبعاداً جديدة بإثارة خلافات أخيراً حول حصص إعلانات البنوك وأسعارها بين البنك المركزي وشركة "POD" التابعة إلى "المتحدة"، والمتحكّمة في سوق الإعلان المصري.

والخلاف بين طارق عامر وحسن عبدالله يرجع إلى سنوات طويلة، منذ كان الأول نائباً لمحافظ البنك المركزي في 2003، ثم رئيساً لمجلس إدارة البنك الأهلي المصري في 2008، بينما كان عبدالله في ذلك الوقت قريب الصلة بجمال مبارك، نجل الرئيس المخلوع الراحل حسني مبارك وعضواً في اللجنة الاقتصادية بالحزب الوطني المنحل. وقد استطاع في ذلك الوقت جعل البنك العربي الأفريقي أنجح البنوك الخاصة في مصر بدعم من الكويت، إذ كانت تملك الهيئة العامة للاستثمار بالكويت حصة 49.37 في المائة منها مقابل حصة مماثلة للبنك المركزي المصري، وبقي عبدالله في منصبه على رأس البنك لأكثر من 16 سنة.

ودارت مناوشات واسعة منذ تولي عامر البنك المركزي عام 2015، انتهت باختيار عبدالله مساعداً أول لمحافظ البنك عام 2018، وتعيين شريف علوي خلفاً له في البنك العربي الأفريقي، في خطوة اعتبرها الخبراء آنذاك محاولة من طارق عامر لتحجيمه وإخلاء إدارات البنوك من الشخصيات القوية التي يمكنها مناطحته. ثم تحوّل الخلاف إلى ما يشبه الفضيحة العلنية، في مايو/أيار 2019، عندما أعلن عامر الإطاحة بعبدالله بتهمة الفساد المالي والاستيلاء على المال العام ومنح كبار العملاء تسهيلات ائتمانية بلغت 9.2 مليار جنيه (580 مليون دولار)، واستخدام جزء منها في سداد تسهيلات وقروض ممنوحة لهم من البنك نفسه بقيمة 2.8 مليار جنيه، وبنوك أخرى بقيمة 191 مليون جنيه.

وآنذاك سرب عامر إلى الصحف تقريراً لقطاع التفتيش والرقابة في البنك المركزي، ذكر أن حسن عبدالله منح الشركات تسهيلات بما يخالف قرارات تأسيسها وطبيعة نشاطها. بل لم يقم بالمتابعة لاستخدام القروض والتسهيلات لبعض العملاء، واتضح عدم سلامة الدراسات الائتمانية لبعض الشركات، وأنه حصل مع مسؤولين كبار بالبنك على أموال من دون وجه حق، وصلت إلى 5.2 ملايين دولار في 2018 فقط، وأجرى تعديلات على لائحة صندوق العاملين لصرف مستحقاته بالدولار بدلاً من الجنيه من دون عرض التعديلات على مجلس الإدارة، وبمقتضاها صرف لنفسه 19.3 مليون دولار بزيادة 11 مليوناً، ليصل إجمالي ما حصل عليه من أموال من دون وجه حق إلى 24.5 مليون دولار، أي بما يعادل أكثر من 411 مليون جنيه.

اختيار عبدالله لهذه المهمة يحمل أهدافاً أخرى، مثل استغلال علاقاته الجيدة مع المستثمرين الخليجيين لضخ مزيد من الأموال

لكن الفضيحة التي أراد بها عامر القضاء على خصمه لم تكتمل، بسبب تدخل شخصيات اقتصادية كبرى من دول عربية "أوصت الأجهزة السيادية المصرية بحماية عبدالله" بحسب المصادر، التي فسرت بذلك سبب عدم تطور الأزمة إلى مسارها القضائي الذي كان يتمناه عامر، بل أصبح تقرير التفتيش المذكور، على ما فيه من اتهامات خطيرة، حبيس الأدراج. والمفارقة أنه بعد عامين من هذه الأزمة، أصبح حسن عبدالله قاب قوسين من إدارة أكبر المصالح الاقتصادية للمخابرات العامة، والتي تساهم فيها أيضاً بصورة غير مباشرة المخابرات الحربية والشرطة، بعدما تم تغيير نظام ملكية المؤسسات الإعلامية، التي امتلكتها الأجهزة السيادية بعد عام 2014، لتصبح المنظومة موحدة.

وأشارت المصادر إلى أن اختيار عبدالله لهذه المهمة يحمل أهدافاً أخرى، مثل استغلال علاقاته الجيدة مع المستثمرين الخليجيين لضخ مزيد من الأموال، تعوض الخسائر الفادحة التي تكبدتها "المتحدة" في العامين الأخيرين، وغموض التصرفات المالية، في غياب الرقابة على جميع ما يتم تنظيمه أو إنتاجه، وهي الخسائر التي تعتبر حتى الآن السبب الرئيس لتوافر إرادة تغيير الهيكل الإداري والمالي للمجموعة. ويأتي بعد ذلك تردي مستوى الأعمال الفنية وضعف التأثير الإعلامي، وتكرار شكاوى الفنانين والإعلاميين من الفساد المالي، وتأخر صرف المستحقات وتصنيفهم واستبعادهم لأسباب غير فنية واحتكار مجموعة محدودة من النجوم والمخرجين للأعمال.

وارتباطاً بهذه الأسباب الأخرى، كشفت المصادر أن ضباطاً بالمخابرات العامة اجتمعوا، في الأيام القليلة الماضية، بعدد من كبار النجوم ورجال الأعمال العاملين في مجال الإنتاج الفني، وبممثلين لنقابة المهن التمثيلية وروابط الكتاب والفنيين، لبحث أسباب تذمرهم من إدارة تامر مرسي للمشهد الفني في مصر، وشكواهم من تعامل ذراعه اليمنى حسام شوقي، المدير التنفيذي لـ"سينرجي" والمتورط حالياً في اتهامات بإهدار المال العام قيد التحقيق. وذكرت المصادر أن اللقاءات أسفرت عن تعهدات بفتح مجال أوسع للشراكة الفنية بين "المتحدة" والمنتجين الصغار، وتكليف النقابة والروابط المختلفة بوضع قواعد استرشادية لتوزيع الأعمال، تضمن تشغيل أكبر عدد من الفنانين وإعادة النظر في وضع المستبعدين والمحتكرين، على أن يتولى مهمة التنسيق مستقبلاً رجل الأعمال والمنتج الفني الشهير كامل أبو علي، والذي ستكون له على الأرجح أسهم في "المتحدة" بشكلها القانوني الجديد.

وفي يناير/كانون الثاني الماضي، كشفت "العربي الجديد" عن قيام المخابرات العامة والأمانة العامة لوزارة الدفاع بحملة مراجعة دقيقة لجميع حسابات المشاريع الاستثمارية التي أقيمت بأموال المخابرات والجيش، خلال العامين الماضيين، خلف واجهات مدنية، كان قوامها ضباط سابقون في الجيش والمخابرات والشرطة، أو أفراد أسرهم، وذلك بتعليمات صدرت من رئاسة الجمهورية، بعد تلقيها تقريراً باكتشاف مخالفات بالجملة في عدد كبير من المشاريع. وقبلها في نوفمبر/تشرين الثاني 2019 ألقي القبض على رجل الأعمال وضابط المخابرات السابق ياسر سليم، الذي كان من الشخصيات الفاعلة في عملية سيطرة المخابرات العامة على الصحف والقنوات الفضائية في مصر. وفي ذلك الوقت نشرت المواقع المملوكة للمخابرات والموالية للنظام، بصياغة موحّدة، أن سبب إلقاء القبض على سليم هو "اتهامه بإصدار شيكات من دون رصيد للشركة المتحدة للخدمات الإعلامية".

إعلام وحريات
التحديثات الحية

المساهمون