شبح حرب في ميانمار: تحذيرات أممية من تكرار السيناريو السوري

14 ابريل 2021
الصورة
لا يزال الحراك الشعبي سلمياً بمعظمه (فرانس برس)
+ الخط -

لن يكون مصطلح الحرب الأهلية، إذا ما تكررت في ميانمار، غريباً على هذه الدولة الواقعة في جنوب شرقي آسيا. فعلى الرغم من التحذيرات الأممية المتصاعدة، من أن يأخذ الانقلاب الذي نفّذه الجيش في ميانمار في الأول من فبراير/ شباط الماضي، ضد الحكومة المدنية وزعيمتها أونغ سان سو تشي، البلاد إلى حرب أهلية، على غرار الحرب في سورية، إلا أن هذا السيناريو المحتمل لن يكون سوى امتداد لحقبة 60 عاماً من النزاع العسكري بين الجيش في ميانمار وأكثر من 20 مجموعة إثنية مسلحة، تواصل الشعور بالتهميش. لكن التحذيرات الجديدة، إثر الانقلاب الذي أجّج تظاهرات شعبية عارمة يواصل الجيش قمعها، ما أدى إلى سقوط أكثر من 700 قتيل، تقوم اليوم وسط إمكانية حصول سيناريو مختلف مبني على اتحاد هذه الأقليات، والتي تشكل ثلث سكان البلاد، مع الأكثرية البوذية من "البامار" في الوسط، لمواجهة الجيش. هذا السيناريو لا يستبعده مراقبون مطلعون على الوضع، رغم التاريخ الطويل أيضاً من الاحتراب بين الإثنيات المختلفة ذاتها، وقلة الثقة بالسلطة. لكنه أيضاً ينتظر إجابات حول إمكانية حصول تدخلات إقليمية ودولية تحول دونه، في منطقة تنافس شديدة التوتر بين الولايات المتحدة والصين. وليس خفياً أن لكل من هذين البلدين مقاربته المختلفة للوضع في ميانمار، إلا أن تفلت الفوضى قد يكون عاملاً موحداً في محاولة للجم التصعيد، وهو ما تسعى إليه أيضاً رابطة دول جنوب شرقي آسيا (آسيان). وتكمن خشية بعض دول الجوار من انزلاق ميانمار إلى حمّام دم قد يطول، في حجم الكارثة الإنسانية التي ستنجم عن ذلك، وفيضان اللاجئين والنازحين إليها.

بحثت الإثنيات المسلحة التعاون مع المعارضة ومساعدتها

وبعد تحذير المبعوثة الخاصة إلى ميانمار، كريستين شرانر بورغنر، في مارس/ آذار الماضي، من احتمال نشوب حرب أهلية على نطاق غير مسبوق في ميانمار، أعادت المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، ميشيل باشليه، أمس الثلاثاء، التحذير من جرائم محتملة ضد الإنسانية قد تكون ارتُكبت في ميانمار، مشيرة إلى أن هذا البلد "يتجه على ما يبدو إلى نزاع واسع النطاق أشبه بالحرب السورية". وأعربت باشليه عن خشيتها "من أن الوضع في ميانمار يتّجه إلى نزاع شامل"، مطالبة المجتمع الدولي بـ"ألا يسمح بتكرار أخطاء الماضي الدامية في سورية وغيرها"، داعية إلى وقف المذبحة. وبالإضافة إلى عدد القتلى من المتظاهرين الذين سقطوا منذ الانقلاب على يد الجيش، ذكّرت باشليه بأن 3080 شخصاً اعتُقلوا منذ الأول من فبراير، فضلاً عن صدور أحكام بإعدام 23 شخصاً بعد محاكمات سرّية.
وتكمن خطورة هذه التحذيرات في أن أياً من النزاعات طويلة الأمد، والتي امتدت لعقود، بين حركات التمرد الإثنية والجيش، لم تشعل ميانمار إلى هذه الدرجة، بعدما وصلت حرب الشوارع اليوم إلى المدن الرئيسية التي تشكل قلب ميانمار، والتي تشكل فيها إثنية البامار الأكثرية (68 في المائة من السّكان)، في منطقة وادي نهر إيراوادي الواسعة. وللتذكير، فإن أكثر من 20 إثنية مختلفة، أهمها كارين وراخين وشان وشين وكاشين، تشكل أقليات في ميانمار، وهي جميعها لها أجنحة مسلحة، يتراوح عديد كلّ منها بين 100 فرد وعشرات الآلاف. ولطالما تقاتلت هذه الإثنيات مع الجيش، في بلد ظلّت فيه فكرة "الوطنية" ضعيفة نتيجة الانقسامات بعد قرن من الاستعمار البريطاني، ثم الحكم الديكتاتوري العسكري الطويل، بالإضافة إلى سوء التوزيع العادل للثورات، التي جعلت أكثريتها مهمشة وتعيش على تهريب المخدرات. وكانت 10 فصائل إثنية مسلحة قد وقعت في مارس 2015 اتفاق وقف للنار مع الجيش في ظلّ الحكومة المدنية، لكن شعوراً غالباً دائماً بعدم الثقة ظلّ يسود بين الطرفين، فاقمه فشل الزعيمة المسجونة حالياً، أونغ سان سو تشي، في حلّ أزمة الروهينغا.

وكانت المجموعات الموقعة على اتفاق وقف النار قد اجتمعت في 13 مارس الماضي لمناقشة استراتيجيات لوقف حملة القمع العسكرية الدموية ضد المعارضين للانقلاب، حيث جرى البحث في إيجاد أرضية مشتركة لحوار مستقبلي مع "اللجنة الممثلة للبياداونغسو هلوتا"، وهي مجموعة الممثلين التشريعيين الذين ينتمون للمعارضة اليوم، ومعظمهم أصبح هارباً من بطش العسكر. وكانت هذه المجموعات قد أعلنت في 22 فبراير الماضي وقف أي مفاوضات حول السلام مع العسكر. وقال الكولونيل من المتمردين، خون أوكار، في اجتماع مارس، إن "ما يهمنا ليس الاعتراف بنا أو التعاون السياسي، بل ما يحصل للمواطنين". وبدا ذلك رداً على "حكومة المنفى" المعارضة، التي طلبت دعم الإثنيات، واعدة بـ"ديمقراطية فيدرالية".

يجرى الحديث عن تشكيل جيش فيدرالي لمقاومة العسكر

ويجري الحديث اليوم عن مشروع بين الإثنيات والمعارضين، لإنشاء "جيش فيدرالي"، لمقاومة العسكر. ورأى مسؤول في وزارة الخارجية التابعة لإثنية البامار (نظام تمثيلي للإثنيات)، في حديث لـ"لوس أنجلس تايمز"، أن "هذا الاقتراح يفهم بأنه إعلان حرب ضد التاتماداو (الجيش)"، مضيفاً أن "هناك عناصر في التاتماداو، الذي هو أكبر في عديده من جميع الإثنيات، قد تنقلب عليه. لكن في حالة الحرب الأهلية، فإن بعضها قد يختار أن يصبح زعيم حرب". ويبلغ عديد الجيش في ميانمار 100 ألف عسكري، وهو مجهز بعتاد عسكري من روسيا والصين والهند وكوريا الشمالية وإسرائيل. أما أكبر مجموعة من المتمردين (حوالي 25 ألف مقاتل) فتنتمي إلى "جيش ولاية وا"، وتربطها علاقات جيدة بالصين، ولم تعلن معارضتها للانقلاب. ومن أهم الفصائل المسلحة الإثنية في ميانمار، أيضاً، جيش أراكان، جيش تحرير كاشين، وجيش تانغ للتحرير الوطني (ضمن "الحلف الشمالي")، وتستخدم أسلحة صينية. وتمكن الجيش من إغراء إثنيات صغيرة ومنحها دوراً في سلطته الجديدة. كما أعلن وقفاً أحادياً لإطلاق النار مع فصائل لم تعارض انقلابه.
على الرغم من ذلك، فإن تقارير صحافية عدة قد أشارت إلى تحرك المتظاهرين والناشطين، من البامار، إلى المناطق النائية في ميانمار، للتدرب على السلاح وصنع المتفجرات وحرب الشوارع، مع المتمردين. وأعلنت إثنية الكارين، وجناحها المسلح "الاتحاد الوطنى للكارين"، أنها ساعدت أعداداً كبيرة من المعارضين على الهرب من العسكر، الذين نفذوا للمرة الأولى منذ سنوات ضربات عسكرية على معاقل أساسية للاتحاد، رداً على سيطرة مسلحيه على قاعدة للجيش، قريبة من الحدود الصينية، ومقتل 10 جنود نظاميين. هكذا، يصبح الدور الذي ستؤديه الإثنيات المسلحة محورياً، لناحية ذهاب البلاد إلى حرب دموية أكثر شراسة، مع استمرار تسليح وتجهيز المعارضين وإيوائهم، أو انصياع الجيش للتهدئة.
(العربي الجديد)

المساهمون