سيناريو قديم يتكرر

26 أكتوبر 2020
الصورة
أكثر من دولة ثارت شعوبها على تصريحات ماكرون (فرانس برس)
+ الخط -

يتكرر المشهد بكامل تفاصيله تقريباً، كأنه شريط فيديو يُشغل من جديد. كاريكاتور مستفز للمسلمين فاعتداء إرهابي تتبعه تصريحات سياسية مناوئة تصوّر كل المسلمين على أنهم أشرار وإرهابيون وظلاميون، لتبدأ بعدها حملة مقاطعة تزيد القطيعة بين الشعوب وتؤجج الصراعات، وتمنح المتطرفين الفعليين المتخفّين الذين يراقبون المشهد أرضية خصبة لانتداب مناصرين ومبررات جديدة لإشعال النار هنا وهناك.

ولا نحسب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون غافلاً عن هذا، ولا كانت تصريحاته بغير حساب، بل نظنه على العكس تماماً، أشعل تلك النار لأهداف محددة يرتبط أكثرها بالداخل الفرنسي وتوازناته، وإدارته التي تعاني في أكثر من ملف، وتفشل. إضافة إلى رهانات خارجية فتح فيها جبهات على أكثر من صعيد، ولا يلاقي فيها أيضاً أي نجاح، بل إنه يمنح غريمه الجديد، الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فرصة لمزيد من التوغل في المنطقة العربية، مستغلاً هذا الارتباك الفرنسي الواضح وهذه الهفوات والخطوات غير المحسوبة.

أكثر من دولة ثارت على تصريحات ماكرون، شعوبها لا حكوماتها (باستثناء تلك التي ترتمي في أحضان الحليف الجديد إسرائيل) وانطلقت حملات المقاطعة الاقتصادية كالنار في الهشيم، وإذا ما كُتب لها النجاح ولو نسبياً، فقد توقظ الرئيس المتوهم من غفلته، وقد يصحو على رؤية واقع لا يستطيع أن يغيّره بالقوة.
لقد عانى العالم من الإرهاب وما زال، غذّته مثل هذه الحماقات ونفخت فيه إلى أن تحوّل إلى نار تلتهم كل ما يعترضها، وقام على خطابات الكراهية والتفرقة بين الشعوب، ونما بسبب سياسيين يتاجرون بمشاعر الناس من أجل لحظة سياسية عابرة.

القيادي اليساري الفرنسي جون لوك ميلونشون، كان قد توقف في حوار سابق له على هذه القضايا، وكشف أن هذا الحقد والاحتقار تجاه المسلمين لا مبرر له، وذكّر بفرنسا التي سبق أن اضطهدت اليهود والبروتستانت، وهي تضطهد اليوم المسلمين من دون مبرر، وتحاصرهم وتعاملهم على أنهم جميعاً خطر قائم، بينما 99.99 في المائة منهم لا يريدون إلا ممارسة شعائرهم بسلام. وأضاف ميلونشون أن هؤلاء يلعبون بالنار لأنهم يتلاعبون بوحدة فرنسا ووحدة نسيجها الذي لا يمكن تغييره اليوم بمجرد قرارات وتصريحات ومواقف من هذا النوع. ولكن هل يسمع الرئيس الهائج هذا الكلام، وهل يعتقد فعلاً أنه يمكن أن يحقق بالتفرقة ما عجز عنه بالوحدة التي تشكلت حوله عندما تقدّم للانتخابات؟ ألا يرى ما حدث في العراق وفي أفغانستان وفي أكثر من بقعة أفريقية وكيف وصلت إلينا جميعاً تلك النيران التي أشعلوها بهذه الحماقات؟ ألا يقرأ هؤلاء التاريخ، أم أنهم استقروا على هذه القراءة، ليعاد السيناريو نفسه؟

المساهمون