سوهارتو المتهم بقتل مئات الآلاف "بطلاً وطنياً" في إندونيسيا

11 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 01:12 (توقيت القدس)
سوبيانتو يمنح لقب "البطل الوطني" لعائلة سوهارتو، جاكرتا 10 نوفمبر 2025 (رويترز)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تم إعلان محمد سوهارتو "بطلاً وطنياً" من قبل الرئيس برابوو سوبيانتو، مما أثار جدلاً بسبب تاريخه المثير للجدل في الحكم، حيث اتهم بانتهاكات حقوق الإنسان والفساد.
- أثار الإعلان احتجاجات من نشطاء وحقوقيين، معتبرين أنه محاولة لتبييض تاريخه، خاصة وأن برابوو كان قائداً للقوات الخاصة تحت قيادة سوهارتو.
- يرى بعض المحللين أن الخطوة تتحدى التزام إندونيسيا بالعدالة الانتقالية، بينما يرى مؤيدو سوهارتو أنه ساهم في التخفيف من حدة الفقر وخفض التضخم.

بات محمد سوهارتو، الذي حكم إندونيسيا بين عامي 1966 و1998 "بطلاً وطنياً"، وفق مرسوم أعلن عنه الرئيس برابوو سوبيانتو، أمس الاثنين، تضمّن تسمية عشرة أشخاص أبطالاً وطنيين في جاكرتا، وذلك بمناسبة "يوم البطل الوطني" في إندونيسيا. غير أن اختيار سوهارتو، الذي توفي في عام 2008، أثار جدلاً وانقساماً، بين موافق على ذلك ورافض، خصوصاً أن الرجل حكم ثلاثة عقود في بلاد تنبسط على مساحة 1.9 مليون كيلومتر مربع، وهي أكبر دولة مسلمة في العالم، بعدد سكان يناهز الـ254 مليوناً. ويُمنح لقب "البطل الوطني" للإندونيسيين الذين ساهموا بشكل كبير في تنمية إندونيسيا. ولم يمرّ الإعلان بسلاسة، إذ إن سوبيانتو نفسه كان متزوجاً من سيتي هيدياتي هاريادي، ابنة سوهارتو، بين عامي 1983 و1998، وله منها ولد، حتى أنه قبل سقوط سوهارتو في عام 1998، كان يعدّ نفسه وريثاً سياسياً له. وارتقى سوبيانتو تحت قيادة سوهارتو في صفوف وحدة القوات الخاصة الإندونيسية، المتهمة بارتكاب انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان.

تبييض عقود حكم سوهارتو

وأثارت هذه الخطوة غضب معارضين اعتبروها محاولة لتبييض عقود من انتهاكات حقوق الإنسان والفساد التي حدثت خلال 32 عاماً لسوهارتو في السلطة. وكان سوهارتو حليفاً للولايات المتحدة خلال الحرب الباردة (1947 ـ 1991)، وقُتل خلال 32 عاماً من الحكم نحو مليون معارض سياسي في إندونيسيا قبل الإطاحة به في احتجاجات عام 1998. وقال وزير الثقافة فضلي زون إن سوهارتو لعب دوراً رئيسياً "خلال النضال من أجل استقلال إندونيسيا ضد حكامها الاستعماريين الهولنديين" في عام 1945. كما نسب زون الفضل إلى سوهارتو في التخفيف من حدة الفقر وخفض التضخم، فضلاً عن هزيمة الشيوعيين. واعتبر أن "مزاعم الفساد والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان غير مثبتة".


تاديوس بريو أوتومو: يُعد إعلان سوهارتو بطلاً وطنياً علامة لما سيأتي تحت قيادة برابوو

وتجمع نشطاء الأسبوع الماضي في جاكرتا للاحتجاج على اقتراح منح اللقب لسوهارتو، وهو ما يعكس مخاوف أوسع بشأن تحريف التاريخ في البلاد. وكان من بين النشطاء تاديوس بريو أوتومو، وهو إندونيسي يعيش في تيمور الشرقية منذ 19 عاماً، وكان واحداً من عشرات الآلاف من الطلاب الذين احتجوا في جميع أنحاء البلاد ضد سوهارتو في عام 1998. وقال أوتومو لوكالة رويترز: "يتم تجاهل نضالنا السابق... نحن خونة الآن لأننا حاربنا سوهارتو، وهو الآن بطل". في عهد سوهارتو، غزت إندونيسيا تيمور الشرقية في عام 1975 بعد انسحاب البرتغال التي احتلت الإقليم بين عامي 1702 و1975. وعادت إندونيسيا وأعلنت ضمّ الإقليم، وحافظت على وجود عسكري كثيف وقاس في بعض الأحيان. ولم تسترد تيمور الشرقية استقلالها إلا بعدما أجبر سوهارتو على التنحي، وذلك في عام 2002.

وقال أوتومو إن الحكومة الحالية مكونة من أشخاص ساهم سوهارتو في تقدمهم السياسي، مضيفاً أنه "بالنسبة للآخرين، تعد هذه الخطوة (إعلان سوهارتو بطلاً وطنياً) علامة لما سيأتي تحت قيادة برابوو، الذي كان قائداً للقوات الخاصة تحت قيادة سوهارتو". مع العلم أن برابوو متهم بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان في تيمور الشرقية من قبل القوات الخاضعة لقيادته، على الرغم من أنه نفى ذلك.

أما المدعي العام الإندونيسي السابق مرزوقي داروسمان، فرأى في حديثٍ لوكالة رويترز أنه "يمكن لبرابوو أن يفعل كل ما فعله سوهارتو لأنه محمي ببطولته". وأشار داروسمان، الذي كان أيضاً رئيساً لفريق تقصي الحقائق في أعمال الشغب في عام 1998، إلى "الدور الموسع للجيش الذي بدأ منذ تولي برابوو منصبه العام الماضي". بالنسبة إلى سيتي هارديجانتي ركمانا، ابنة سوهارتو، فإنه "لسنا بحاجة إلى الدفاع عن أنفسنا... لا يتم إخفاء أي شيء"، مضيفة في تصريحات بعد الحفل، أنه "أعربنا عن امتناننا للرئيس لتعيين والدنا بطلاً قومياً وربما لأنه أيضاً جندي يعرف ما فعله والدي".

حتى بعد وفاته، لا يزال حزب سوهارتو، غولكار، قوة سياسية رئيسية تدعم برابوو في رئاسته الحالية (تدوم خمس سنوات وتنتهي في عام 2029)، وتتولى وزارات رئيسية في حكومته. واستخدم سوهارتو، وهو جندي سابق، الجيش للسيطرة على الشؤون المدنية وسحق المعارضة. كما اتهم بالفساد الهائل والمحسوبية التي شارك فيها عائلته وأصدقائه. ولم يتم إثبات أي تهمة عليه ولا حتى محاكمته بسبب تدهور صحته.


جاليسواري برامودهوارداني: لقب "البطل الوطني" لسوهارتو يتحدى التزام الأمة الثابت بالعدالة الانتقالية

غياب العدالة

حكم سوهارتو إندونيسيا بقبضة من حديد طيلة 32 عاماً، مع نشر الجيش في مختلف أرجاء إندونيسيا. لكن الأزمة المالية الآسيوية في عامي 1997 و1998، أدت إلى نشوء اضطرابات واسعة النطاق ضده، ما أدى إلى إطاحته. واتُهم بالمسؤولية عن مقتل مئات الآلاف من المعارضين السياسيين خلال فترة وجوده في منصبه، لكن اعتلال صحته منعه من الخضوع للمحاكمة حتى وفاته في عام 2008. وقع الجزء الأكبر من عمليات القتل في الفترة ما بين عامي 1965 و1966، عندما تم إلقاء القبض على ما بين 300 و800 ألف شيوعي، ثم قتلهم. وعلى مدى العقود الثلاثة التالية، قُتل 300 ألف شخص آخرين أو اختفوا أو تم تجويعهم، في تيمور الشرقية وآتشيه وبابوا، وفقاً لجماعات حقوق الإنسان والأمم المتحدة.

واعتبر بيدجو أونتونغ، الذي سُجن بين عامي 1970 و1979 من دون محاكمة، بتهمة "الانتساب إلى الحزب الشيوعي الإندونيسي"، أنه "شعور غير عادل للغاية، ما زلنا نعيش في المعاناة حتى اليوم". وأضاف أونتونغ، الذي يرأس مؤسسة "أبحاث ضحايا القتل في عام 1965" في حديثٍ لوكالة أسوشييتد برس أن عائلته "عانت لسنوات من التمييز والمشقة بسبب صلاته المزعومة بالشيوعية".

أما جاليسواري برامودهوارداني، كبير محللي السياسات في مختبر إندونيسيا 2045، فرأى أن لقب "البطل الوطني" لسوهارتو، لا يتحدى الذاكرة الجماعية للأمة فحسب، بل يتحدى أيضاً التزامها الثابت بالعدالة الانتقالية وتفويض حركة الإصلاح لعام 1998. ونقلت "أسوشييتد برس" عن برامودهاورداني اعتباره أن "منح لقب البطل لمهندس الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان هو العفو الفعلي عن عنف الدولة، والتجميد الدائم للسعي لتحقيق العدالة لعدد لا يحصى من الضحايا". وكان وزير الشؤون الاجتماعية الإندونيسي سيف الله يوسف قد أوضح، أول من أمس الأحد، أن الرئيس الإندونيسي الرابع عبد الرحمن واحد، والناشطة العمالية مارسينه يستحقان لقب "بطل وطني".

(فرانس برس، أسوشييتد برس، رويترز)