سورية: عودة مئات العائلات إلى رأس العين وسط خلافات حول المنازل واعتداءات

10 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 23:45 (توقيت القدس)
عائلات تعود إلى رأس العين بعد 7 سنوات من النزوح، 10 أغسطس 2026 (العربي الجديد)
+ الخط -
اظهر الملخص
- عودة العائلات والتحديات الأمنية: بدأت أكثر من 400 عائلة بالعودة إلى رأس العين بعد نزوح دام سبع سنوات، لكنهم واجهوا مشكلات تتعلق بوضع المنازل واعتداءات من مسلحين، مما أدى إلى خلافات ومشاجرات. تعمل الحكومة السورية على إخلاء المنازل المحتلة وتسليمها لأصحابها.

- جهود إعادة الإعمار: تسعى الحكومة السورية بالتعاون مع لجنة مهجري رأس العين لتوفير الحماية للعائدين ومحاسبة المسؤولين عن الاعتداءات، مع التركيز على إعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات الأساسية.

- التعاون الدولي: بحث الرئيس السوري مع المفوض السامي للأمم المتحدة سبل دعم العودة الطوعية والآمنة للاجئين، بهدف خلق بيئة تساعد الأسر على العودة والاستقرار ضمن رؤية "سورية بدون مخيمات".

بعد نحو سبع سنوات من النزوح، بدأت أول قافلة تضم أكثر من 400 عائلة من أهالي مدينة رأس العين وريفها، اليوم الاثنين، العودة من مخيم واشوكاني في محافظة الحسكة إلى مناطقها الأصلية، في خطوة تأتي ضمن ترتيبات لإعادة المهجرين إلى مناطقهم، بالتنسيق بين الفريق الرئاسي المكلف و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد). وتأتي عودة أهالي رأس العين في ظل تعقيدات كبيرة فرضتها سنوات النزوح وتبدل أوضاع الممتلكات، فيما يُفترض أن تواصل القوافل المقبلة عملية إعادة العائلات تدريجياً.

وكانت التحضيرات للقافلة قد استُكملت خلال الأيام الماضية، على أن تستمر عمليات العودة على دفعات، بمعدل قافلة كل أسبوع أو عشرة أيام، وفق ما أفاد به الناطق باسم لجنة رأس العين سامر ياسين "العربي الجديد"، الذي أشار إلى أن عودة آخر العائلات قد تستغرق نحو شهرين. لكن عودة القافلة لم تخلُ من مشكلات، إذ واجه عدد من العائلات العائدة خلافات لدى وصولها إلى المدينة، على خلفية وضع بعض المنازل التي يُفترض أن تعود إليها.

وقالت قيادة الأمن الداخلي في محافظة الحسكة لـ"الإخبارية السورية" إن ست عائلات عادت إلى منازلها من دون تنسيق مسبق، لتُفاجأ بوجود عائلات تقيم في تلك المنازل، ما أدى إلى وقوع خلاف ومشاجرة بين الطرفين، تخللهما تحطيم عدد من سيارات العائلات العائدة، قبل تدخّل قوى الأمن الداخلي لفض الخلاف. ونفت قيادة الأمن الداخلي ما جرى تداوله عن تدخل عائلات مهجّرة من حي غويران أو من مدينة الحسكة لمنع العائدين من دخول منازلهم، مؤكدة أن الجهات المختصة تتولى معالجة الحادثة وفق الأطر القانونية، بما يضمن حقوق العائدين وسلامة جميع المواطنين.

في المقابل، تحدثت لجنة مهجري سري كانيه/رأس العين عن اعتداءات طاولت عدداً من العائدين، وحمّلت الجهات المعنية مسؤولية حماية العائلات العائدة وملاحقة من تثبت مسؤوليته عن الاعتداءات. وقال المحامي جوان عيسو، عضو لجنة مهجري سري كانيه (رأس العين)، لـ"العربي الجديد"، إن اللجنة تتابع تداعيات ما جرى مع القافلة الأولى، مشيراً إلى أنها على تواصل مع الجهات المعنية لمتابعة التطورات والعمل على توفير الحماية للعائلات العائدة. كما دعت اللجنة الأهالي في مدينة القامشلي إلى التجمع والتنديد بما وصفته بالاعتداءات على العائدين، والمطالبة بتوفير الحماية لهم ومحاسبة المسؤولين عنها.

وتحدث أحد العائدين، كادار محمد، لـ"العربي الجديد"، عن عدم تمكنه من العودة إلى منزله، في حين قال الصحافي عبد الحليم سليمان، وهو من أهالي المنطقة، إن عائلات عائدة واجهت صعوبات لدى محاولة الوصول إلى منازلها، وتحدث عن تحطيم سيارات ومنع بعض الأشخاص من البقاء في المدينة.

الصورة
شاحنات محمّلة بأمتعة العائدين إلى رأس العين، 10 أغسطس 2026 (العربي الجديد)

بدوره، قال شفان سيدو، أحد العائدين ضمن القافلة، لـ"العربي الجديد"، إنه دخل رأس العين برفقة العائلات من دون أن تواجه القافلة أي إشكالات، لكن المشكلات بدأت بعد توجه كل عائلة إلى منزلها. وأضاف أنه بعد دقائق من وصوله إلى منزله، ظهرت دراجات نارية من عدة جهات، برفقة أشخاص مسلحين قدّر عددهم بنحو 100 شخص. وبحسب سيدو، أبلغه المسلحون بأنهم لا يقبلون دخولهم إلى الأحياء التي قالوا إنها مخصصة لعائلات من دير الزور والسفارنة، كما طالبوه بدفع مبلغ قدره ألفا دولار، على اعتبار أن العائدين حصلوا عليه قبل عودتهم إلى رأس العين.

وقال إن شخصاً يعرفه تدخل لمنع تعرضهم للاعتداء، قبل أن يقود سيارتهم ويسلك طريقاً آخر لإبعادهم عن المسلحين. وأضاف أن الأمن العام لم يتدخل، فيما لم تدخل قوى الأمن الداخلي (الأسايش) مع العائلات إلى المدينة للتأكد من وصول أفراد القافلة إلى منازلهم بأمان. ويرى سيدو أن العودة بهذا الشكل تجعل عملية عودة المهجرين صعبة، خصوصاً أن لجنة مهجري رأس العين كانت قد أبلغت العائدين بأن القافلة مؤمّنة، وأن الأمن العام وقوى الأمن الداخلي سيرافقانها.

أما روجين كمال، وهي من ضمن قافلة العودة، فقد تحدثت عن الجانب الآخر من تجربة العودة، معربة عن سعادتها بالعودة إلى رأس العين بعد سبع سنوات من النزوح والعيش في المخيمات. وقالت إن عائلتها لم تكن تتوقع أن تتمكن من العودة إلى المدينة مجدداً، مشيرة إلى أنها وجدت منزلها كما تركته، من دون تغييرات تُذكر، "وكأن الزمن توقف فيه طوال هذه السنوات". 

وأضافت أن العائلة عادت إلى منزلها وسط أهلها وجيرانها، فيما عاد معها نحو 50 عائلة من معارفها، على أن تلتحق بها بقية العائلات خلال الفترة المقبلة. وتصف كمال العودة بأنها استعادة لجزء من حياتها وذكرياتها، قائلة إن رأس العين تمثل المكان الذي عاشت فيه منذ طفولتها وحتى اليوم، وإن العودة إلى المنزل والمدينة بعد سنوات النزوح جعلتها تشعر وكأنها "وُلدت من جديد".

وتعيد هذه الحوادث قضية الممتلكات إلى واجهة التحديات التي تواجه عودة مهجري رأس العين، إذ قال الناطق باسم لجنة رأس العين سامر ياسين لـ"العربي الجديد" إن بعض المنازل تعرضت للدمار الكامل أو الجزئي خلال سنوات النزوح، فيما استولى أشخاص على منازل أخرى خلال الفترة الماضية. وبحسب ياسين، فإن الحكومة السورية أخذت على عاتقها مسؤولية إخلاء المنازل التي يشغلها أشخاص آخرون وتسليمها إلى أصحابها، وهو ما يجعل ملف السكن والممتلكات أحد أبرز الملفات التي تحتاج إلى معالجة بالتوازي مع استمرار عودة العائلات.

الشرع يبحث مع برهم صالح عودة اللاجئين

في غضون ذلك، بحث الرئيس السوري أحمد الشرع، اليوم الاثنين، مع المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين برهم صالح، سبل دعم العودة الطوعية والآمنة للاجئين السوريين، وتعزيز مشاريع التعافي المبكر وسبل العيش، بالتزامن مع مباحثات تجريها دمشق مع المفوضية بشأن تنفيذ رؤية "سورية بدون مخيمات" وتهيئة مناطق العودة بالخدمات والبنية التحتية اللازمة. واستقبل الشرع، في قصر الشعب بدمشق، صالح والوفد المرافق له، بحضور وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني، في زيارة تأتي وسط مساعٍ سورية لتعزيز التعاون مع وكالات الأمم المتحدة في ملفات اللاجئين والنازحين وإعادة تأهيل المناطق المتضررة.
وقالت الرئاسة السورية إن اللقاء تناول آفاق تعزيز التعاون بين سورية والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إلى جانب الجهود المرتبطة بالعودة الطوعية والآمنة للاجئين، ومشاريع سبل العيش والتعافي المبكر. وتأتي مباحثات صالح مع الشرع بعد يوم من اجتماعه، الأحد، في العاصمة السورية، مع اللجنة التوجيهية المكلفة بتنفيذ رؤية "سورية بدون مخيمات"، حيث ناقش الجانبان آليات التنسيق المشترك وسبل التعاون لتنفيذ الرؤية.
وبحسب وكالة الأنباء السورية "سانا"، تناول الاجتماع رؤية "سورية بدون مخيمات" بوصفها إحدى الركائز الأساسية لأولويات التعافي، وإطاراً يربط العودة الطوعية والآمنة والكريمة والمستدامة بإعادة تأهيل مناطق العودة واستعادة الخدمات الأساسية فيها. واستعرض المجتمعون آلية العمل المقترحة لتنفيذ الرؤية، وتحديد المناطق ذات الأولوية والاحتياجات الأساسية لكل منها، إلى جانب بحث الانتقال من نموذج الاستجابة القائم على إدارة المخيمات إلى مقاربة أكثر تكاملاً، تقوم على الاستثمار في المجتمعات ومناطق العودة، ومعالجة العوائق التي تحول دون استقرار العائدين بصورة مستدامة.

وتركز جانب من النقاش على ضرورة تحقيق التكامل بين الحكومة السورية ووكالات ومنظمات الأمم المتحدة والقطاع الخاص، مع تأكيد مواءمة الخطط والبرامج الأممية مع الأولويات الوطنية للتعافي، وفي مقدمتها رؤية "سورية بدون مخيمات". وتتضمن هذه المقاربة، وفق ما طُرح خلال الاجتماع، توجيه الموارد والبرامج إلى المناطق ذات الأولوية لعودة النازحين واللاجئين، ضمن إطار وطني تقوده الحكومة السورية بالتعاون مع الشركاء الدوليين.

من جانبه، قال صالح عقب اللقاء إنّه ناقش مع الشرع تزايد أعداد السوريين العائدين إلى ديارهم، وأوضاع الملايين الذين ما زالوا نازحين، فضلاً عن الدعم المطلوب لمساعدتهم على إعادة بناء حياتهم بعد سنوات من الصراع. وأكد المفوض السامي أنّ "سورية المسالمة والشاملة هي أساس التعافي الدائم"، مشيراً إلى أن السوريين عازمون على إعادة بناء بلادهم، وداعياً المجتمع الدولي إلى مواكبة هذا العزم من خلال استمرار الدعم والاستثمار والتضامن.

 

الخدمات شرط أساسي للعودة

وشكلت إعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات الأساسية في مناطق العودة محوراً أساسياً في مباحثات اللجنة مع المفوض السامي، باعتبار توفير هذه الخدمات عاملاً رئيسياً في خلق بيئة تساعد الأسر على العودة واستعادة حياتها والاستقرار مجدداً داخل مجتمعاتها. وتشمل الاحتياجات، بحسب طبيعة كل منطقة، إعادة تأهيل المستشفيات والمراكز الصحية والمدارس، وشبكات المياه والصرف الصحي، والأفران، إضافة إلى الخدمات البلدية والطرق والمواصلات وغيرها من المرافق الأساسية.
وفي المقابل، جرى التشديد خلال الاجتماع على أن رؤية "سورية بدون مخيمات" لا تقوم على إغلاق المخيمات أو دفع النازحين إلى مغادرتها قبل توافر الظروف المناسبة لعودتهم، بل تستند إلى مبدأ العودة الطوعية والآمنة والكريمة والمستدامة. وتقوم الرؤية، وفق ما جرى بحثه، على معالجة الأسباب والعوائق التي تحول دون عودة النازحين، والاستثمار في البنية التحتية والخدمات وفرص الاستقرار داخل مناطقهم، على أن يُقاس نجاحها بقدرة الأسر على العودة والاستقرار بصورة مستدامة، وليس بمجرد مغادرة المخيمات.

زيارة معلنة وسط تحولات إقليمية

وكان صالح قد أعلن، في 30 يوليو/تموز الماضي، اعتزامه زيارة سورية خلال الأسبوع التالي، وذلك خلال إحياء الذكرى الخامسة والسبعين لاتفاقية اللاجئين في جنيف. وقال حينها إن الحرب في إيران ولبنان دفعت بعض اللاجئين إلى العودة إلى سورية على الرغم من التحديات القائمة، محذراً في الوقت ذاته من تزايد تسييس قضية اللجوء والتعامل مع اللاجئين باعتبارهم عبئاً أو تهديداً. وتأتي زيارة المفوض السامي إلى دمشق بعد نحو أسبوعين من زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس إلى العاصمة السورية، في 25 يوليو/تموز الماضي، وهي أول زيارة يجريها أمين عام للمنظمة الدولية إلى سورية منذ 17 عاماً.
وخلال زيارته، أكد غوتيريس أن الجولان أرض سورية، وجدد موقف الأمم المتحدة الداعم لوحدة سورية وسيادتها وسلامة أراضيها، مطالباً بوقف الانتهاكات الإسرائيلية. كما دعا المجتمع الدولي إلى دعم جهود إعادة إعمار البلاد، مشدداً على أن الدول الخارجة من نزاعات واسعة لا تستطيع النهوض بمفردها. من جهته، اعتبر وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني، خلال زيارة غوتيريس، أن إعادة الإعمار تمثل أولوية في المرحلة الحالية، ورأى أن زيارة الأمين العام للأمم المتحدة تؤسس لمرحلة جديدة من الشراكة بين دمشق والمنظمة الدولية. كما اعتبر غوتيريس أن سورية تمر بمرحلة تجمع بين التعافي والاستثمار والعمل على إيجاد فرص لجميع السوريين، مؤكداً أن بناء مستقبل أفضل للبلاد يحتاج إلى القيادة والرؤية والثقة، بما يسمح لكل سوري بأن يجد مكانه في مستقبل بلاده.
وتضع زيارة صالح ملف عودة اللاجئين والنازحين مجدداً في صدارة المباحثات بين دمشق والأمم المتحدة، في وقت ترتبط استدامة العودة بقدرة مناطق المنشأ على استعادة الخدمات الأساسية والبنية التحتية وفرص سبل العيش. وتبرز رؤية "سورية بدون مخيمات" ضمن هذا المسار بوصفها محاولة للانتقال من إدارة واقع النزوح إلى معالجة الظروف التي تحول دون العودة، مع تأكيد بقاء الطوعية والأمان والاستقرار المستدام شروطاً أساسية لأي عودة.