سورية: صفقة مع رجل أعمال قدم دعماً للأسد تثير جدلاً قانونياً

07 يناير 2026   |  آخر تحديث: 19:24 (توقيت القدس)
صورة نشرها رجل الأعمال محمد حمشو، 7 يناير 2026 (فيسبوك)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أثار الاتفاق الشامل بين محمد حمشو ولجنة مكافحة الكسب غير المشروع جدلاً في سوريا، حيث يُعتبر حمشو من داعمي نظام الأسد وواجه عقوبات بسبب اتهامات بالفساد.
- الاتفاق يهدف إلى تنظيم الوضع القانوني وفتح صفحة جديدة، مع تنازل حمشو عن 80% من ثروته لصالح الصندوق السيادي لدعم الاقتصاد، مما يُعتبر خطوة في مسار الإصلاحات.
- التسوية أثارت تساؤلات حول شرعيتها وشفافيتها، مع مطالبات بتوضيح تفاصيل الصفقة لضمان العدالة والشفافية في المرحلة الانتقالية.

أثار اتفاق "شامل" وقّعه رجل الأعمال المثير للجدل محمد حمشو مع لجنة مختصة بمكافحة الكسب غير المشروع، وُصف بأنه "فتح صفحة جديدة"، مع الحكومة السورية، جدلًا واسعًا في الأوساط السورية. فالمذكور لطالما كان داعمًا بارزًا لنظام بشار الأسد، وطاولته العقوبات الأميركية مبكرًا، فضلًا عن كونه متهمًا بالفساد وتمويل مليشيات مارست القتل، والمشاركة في نهب المناطق التي دمّرتها آلة نظام الأسد العسكرية.

وأعلن محمد حمشو مساء الثلاثاء، في بيان له على "فيسبوك"، أنه "وقّع اتفاقًا شاملًا مع الحكومة الجديدة، وفق الأطر القانونية والرسمية المعتمدة"، مشيرًا إلى أن "هذا الإجراء أتى في إطار تنظيم وتثبيت الوضع القانوني، وفتح صفحة جديدة، دون الدخول في أي سجالات أو نقاشات تتعلّق بالمراحل السابقة". ووجّه حمشو الشكر إلى الرئيس السوري أحمد الشرع "على السياسة الحكيمة التي اعتمدها في طيّ صفحة الماضي وفتح آفاق جديدة قائمة على الاستقرار والعمل المشترك ولمّ الشمل".

من جانبها، أعلنت "اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع" عن "إنجاز تسوية رسمية لرجل الأعمال محمد حمشو"، مشيرةً إلى أن هذه الخطوة تأتي "في إطار برنامج الإفصاح الطوعي"، الذي يهدف، كما قالت، إلى "تحقيق العدالة الاقتصادية وضمان شفافية الأصول والممتلكات لدى رجال الأعمال الذين يُشتبه في اكتسابهم الحسابات والمصالح من قربهم من النظام السابق".

وبيّنت أن التسوية جاءت "بعد تحقيقات موسّعة وفحص شامل للأصول والإقرارات المالية المقدّمة من السيد حمشو"، واعتبرت أن إنجاز هذه التسوية "يمثل خطوة مهمة في مسار الإصلاحات الاقتصادية والقانونية في البلاد، ويؤسس لمبادرات أخرى تهدف إلى تعزيز النزاهة والشفافية في الاقتصاد الوطني".

وكانت الإدارة السورية الجديدة قد أحدثت منتصف العام الفائت هذه اللجنة لـ"حماية المال العام ومكافحة الكسب غير المشروع بجميع أشكاله، واسترداد الأموال غير المشروعة، وتعزيز النزاهة والشفافية في مؤسسات الدولة وقطاعات الأعمال". وأطلقت اللجنة أواخر ديسمبر/ كانون الأول من العام الفائت "برنامج الإفصاح الطوعي"، وهو "مسار قانوني مؤقت يتيح تسوية الأوضاع المالية المرتبطة بشبهات كسب غير مشروع بما يسهم في تسريع استعادة الأموال"، بحسب ما قال رئيس اللجنة باسل السويدان.

ولم يصدر حتى ظهر الأربعاء أي بيان أو إيضاح رسمي عن اللجنة أو عن جهات أخرى في الحكومة السورية حول تفاصيل هذا الاتفاق مع محمد حمشو وحجم الأموال المستردة ومصيرها، إذ بدت الشفافية غائبة تمامًا عن هذه الخطوة التي أثارت جدلًا واسعًا في الأوساط السورية. لكن مصادر مطلعة في العاصمة دمشق أشارت إلى أن الاتفاق نصّ على تنازل حمشو عن نحو 80 في المائة من ثروته لصالح الصندوق السيادي الذي أُنشئ منتصف العام الفائت، والذي يهدف إلى تنفيذ مشاريع تنموية وإنتاجية مباشرة و"تنشيط الاقتصاد الوطني من خلال استثمارات مدروسة ومتنوعة، وتحويل الأصول الحكومية غير المفعّلة إلى أدوات إنتاج وتنمية".

ويُعدّ حمشو، المولود في العاصمة دمشق منتصف ستينيات القرن الفائت، من أوائل رجال الأعمال المرتبطين بالنظام البائد الذين وُضعوا على قوائم العقوبات الأميركية، ردًا على الوحشية المفرطة التي تعامل بها النظام مع الثورة ضده. وفرضت وزارة الخزانة الأميركية في أغسطس/ آب 2011 عقوبات عليه لـ"تقديمه خدمات دعمًا لبشار الأسد وتصرفه نيابة عنه، وكذلك نيابة عن شقيقه ماهر الأسد". كما أُدرجت مجموعة حمشو الدولية، وهي شركة قابضة سورية تضم نحو 20 شركة فرعية أو تابعة، على قوائم العقوبات.

ووُضع حمشو على قائمة العقوبات الأوروبية في 24 يونيو/ حزيران 2011، ومع دخول قانون "قيصر" (الذي أُلغي مؤخرًا) حيّز التنفيذ في 17 يونيو 2020، طاولت العقوبات حمشو وزوجته رانيا الدباس وأولاده الأربعة. ويُعتقد أن حمشو استفاد من علاقاته مع أركان النظام السابق في تكوين ثروة طائلة قبل عام 2011، وُضعت في خدمة ذلك النظام خلال سنوات الثورة (2011–2024)، ولا سيما لجهة تمويل مليشيات محلية قاتلت لصالح الأسد.

ويعتبر أغلب السوريين حمشو وأمثاله من رجال الأعمال الذين ظهروا خلال العقد الأول من الألفية الجديدة مجرد "واجهة" تجارية لعائلة الأسد. ولحمشو شركات في عدة مجالات، أبرزها المقاولات والتعهدات السكنية والحكومية، والاتصالات، والدعاية والإعلان، والتسويق، والإنتاج الفني، والإعلام، إذ كان صاحب قناة "الدنيا" التي سوّقت، بشكل فجّ وتحريضي، سردية النظام البائد حول ما كان يجري في البلاد خلال سنوات الثورة.

وتُعدّ هذه المرة الأولى التي يُعلن فيها إجراء تسوية مع رجال أعمال كانوا مرتبطين بالنظام البائد أو داعمين له. واعتبر الباحث السياسي رضوان زيادة، في حديث مع "العربي الجديد"، الاتفاق مع محمد حمشو "خطوة غير موفقة"، مشيرًا إلى أن "هناك اتهامات جدية وحقيقية من قبل عدد كبير من الضحايا في داريا ومخيم اليرموك والحجر الأسود (مناطق في محيط دمشق)، وغيرها، بقيام شركاته بتهديم وتدمير منازلهم بهدف الحصول على الحديد". وأضاف: "لا أفهم حقيقة دوره كرجل أعمال، كان مجرد أداة بيد ماهر الأسد".

وفتحت التسوية مع محمد حمشو باب تساؤلات جدية حول قانونية وشرعية هذه الخطوة خلال المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد. وقال المحامي غزوان قرنفل لـ"العربي الجديد" إنه "من المؤمنين بعدم قانونية هكذا تسويات واتفاقات، خصوصًا أنها استبقت إصدار قانون للعدالة الانتقالية". وأضاف أن دور حمشو "لم يقتصر فقط على الإثراء من الحرب ونهب ممتلكات السوريين ممن دُمّرت منازلهم، بل قدّم دعمًا ماليًا غير محدود للنظام السابق في سياق صراعه واستباحته للسوريين، كما موّل مليشيات مسلحة داعمة للنظام ارتكبت جرائم وانتهاكات يتحمل هو، قبل غيره، مسؤوليتها". وبرأيه، فإن الاتفاق مع حمشو "ليس فقط عملية تنظيف أيدي المجرمين من دماء السوريين، بل هو أيضًا عملية غدر علني ومفضوح بالعدالة وبدماء السوريين وحقهم في القصاص والإنصاف".

من جهته، طالب فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، في حديث مع "العربي الجديد"، بتبيان تفاصيل الصفقة التي تمت مع حمشو، مشيرًا إلى أن مسارات العدالة "تتيح التوصل إلى اتفاقات مع منتهكين بهدف الحصول على النسبة الكبرى من النتائج". وأضاف: "القانون الجنائي يسمح بذلك، ولكن بشرط وجود شفافية حتى يعرف الرأي العام تفاصيل الصفقة وتداعياتها. يجب أن يعرف الضحايا والشعب عمومًا ما الذي سيستفيده من هذه الصفقات مع حمشو أو مع غيره". وتابع: "المشكلة ليست في المبدأ نفسه، بل في غياب الشفافية. فالشفافية ليست تفصيلًا، بل في صلب الموضوع".