سورية بعد الأسد... مطالب الإصلاح والتشاركية والديمقراطية حاضرة

12 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 03:03 (توقيت القدس)
السويداء ـ جنوبي سورية، 21 يوليو 2025 (بكر القاسم/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تواجه الإدارة السورية الجديدة تحديات كبيرة في ملء الفراغ السياسي بعد إسقاط نظام الأسد، مع تحفظات على الخطوات السياسية المتخذة مثل الحوار الوطني والإعلان الدستوري المؤقت.

- الصراع السياسي انتقل إلى الشارع، مما يهدد السلم الأهلي، وهناك دعوات لتشكيل لجنة وطنية لوضع دستور دائم وتوسيع المشاركة السياسية للأقليات والمرأة.

- الأقليات تشعر بالتهميش وتطالب بتعديلات دستورية تعكس التنوع، مع دعوات لإلغاء السياسات التمييزية وتحقيق العدالة الانتقالية لتعزيز الوحدة الوطنية والاستقرار السياسي.

تتطلع قوى وشخصيات سياسية سورية لإجراء الإدارة السورية مراجعات عميقة وجدية للخطوات، التي أقدمت عليها بعد إسقاط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، لملء الفراغ السياسي والحكومي لتفادي انهيار الدولة. ومرّ عام كامل على التغيّر الذي جرى في سورية، اتخذت خلاله الإدارة الجديدة الكثير من الخطوات السياسية، التي لاقت تحفظات بما في ذلك الحوار الوطني والذي اقتصر على يوم واحد فقط في فبراير/شباط الماضي، بعد أن كان التعويل على حوار وطني واسع الطيف يتناول كل القضايا والملفات، يتمخّض عنه إعلان دستوري مؤقت يمهد الطريق أمام مرحلة انتقالية تشارك فيها القوى السياسية الوطنية ولا تقتصر على تيار أو توجه سياسي واحد ومحدد. كما امتدت التحفظات لتطاول جوهر الإعلان الدستوري الناظم القانوني للمرحلة الانتقالية، ووضعه خبراء قانونيون وحقوقيون. ونادت أصوات بتعديل مواد فيه ليكون مناسباً للمرحلة الانتقالية التي دخلتها البلاد، مع إقرار هذا الإعلان من قبل الرئيس أحمد الشرع

في مارس /آذار الماضي. وعُدّ هذا الإعلان خطوة كبيرة باتجاه الانتقال السياسي في البلاد.

الصراع في سورية إلى الشارع

وانتقل الصراع السياسي المحتدم في البلاد أكثر من مرة إلى الشارع، خصوصاً المناطق المختلطة سكانياً، وهو ما ينذر بمخاطر تهدد السلم الأهلي الهشّ، ويدفع باتجاه سيناريوهات يتخوف منها السوريون، وتتعلق بوحدة بلادهم التي شهدت دورات عنف واسعة النطاق، تحديداً في الساحل وفي السويداء. وفي أكتوبر/تشرين الأول الماضي، جرت عملية انتخابية في سورية لاختيار أعضاء برلمان جديد، لم تكن على مستوى تطلعات قوى سياسية في البلاد، غُيّبت عن هذه العملية التي أملتها الظروف السياسية في البلاد، وفق الإدارة. ولم تعلن حتى اللحظة أسماء أعضاء البرلمان بشكل كامل أو مواعيد انعقاده بانتظار صدور قائمة من 70 عضواً يضعها الشرع، وفق ما نصّ عليه الإعلان الدستوري، وذلك لتلافي التمثيل الناقص وتصحيح الخلل خلال العملية الانتخابية، سيما بما يتعلق بتوسيع دائرة مشاركة الأقليات والمرأة في الحياة البرلمانية.

وتنتظر قوى وتيارات سياسية سورية التئام البرلمان للبحث والبت في الكثير من القضايا والملفات السياسية، لعل أبرزها تشكيل لجنة وطنية تضع مشروع الدستور الدائم، وإقرار قانون جديد يفتح الباب أمام تشكيل أحزاب تنقل الصراع من الشارع إلى أورقة السياسة، وتبدد الاستقطاب الحاصل اليوم في البلاد على أسس مذهبية وعرقية ومناطقية. ونص الإعلان الدستوري المؤقت على أن الدولة "تصون حق المشاركة السياسية وتشكيل الأحزاب على أسس وطنية وفقاً لقانون جديد". وكانت الإدارة حلت أواخر العام الماضي حزب "البعث" والأحزاب المحيطة به والتي ظلت تحتكر السياسة في البلاد على مدى أكثر من نصف قرن.


أحمد العسراوي: أطالب بالعمل على إصدار قانون الأحزاب وتفعيله

وطالب أحمد العسراوي، هو الأمين العام لحزب "الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي في سورية"، وهو واحد من الأحزاب التقليدية في البلاد وكان جزءاً من هيئة التنسيق المعارضة لنظام الأسد، في حديث مع "العربي الجديد" أن يكون العام الثاني من العملية الانتقالية "تأكيد السلطة الالتزام بالقضية الديمقراطية بكل تجلياتها"، مضيفاً: هذا الأمر كان غائباً تماماً خلال العام الماضي. وطالب بـ"العمل على إصدار قانون الأحزاب وتفعيله، بما يتيح انطلاق الحياة السياسية في المجتمع السوري بشكل طبيعي"، مشيراً إلى أن على السلطة "الانتهاء من التحقيقات الخاصة بالانتهاكات التي ارتكبت في جبل العرب والساحل، والعمل على جبر الضرر، والدفع إلى المشاركة السياسية الوطنية للمواطنين في هاتين المنطقتين".

كما دعا العسراوي إلى "تحقيق الشفافية في مسار العدالة الانتقالية بالنسبة لجرائم النظام البائد، وإغلاق ملف قسد (قوات سورية الديمقراطية) نهائياً، وفي إطار وحدة سورية جغرافياً ومجتمعياً، وفي إطار مفهوم المواطنة". واعتبر أن بناء جيش وطني: "يتجاوز الفصائلية ومفتوح لكل المواطنين من دون تمييز"، من الخطوات المطلوبة من السلطة، إضافة إلى "العمل على تعديل ميزان الأجور والرواتب وأسعار الخدمات والسلع التي تتحكم بها الدولة كالطاقة، والمياه".

وبعد مرور عام على إسقاط نظام الأسد، ما تزال الأقليات في البلاد، تعتبر نفسها خارج سياق العملية السياسية الجارية في البلاد، وتبحث عن مكاسب تعزز حضورها في المشهد السوري الجديد، فالأكراد السوريون يطالبون بتعديلات جوهرية في الإعلان الدستوري "تعكس التنوع الحقيقي للمجتمع السوري"، وتتضمن اعترافاً واضحاً بهويتهم وإقراراً لنظام لا مركزي في البلاد. ووصل الحال في محافظة السويداء، جنوبي سورية، إلى حد المطالبة بالانفصال عن البلاد، وقيام دويلة درزية في منطقة محدودة الموارد والإمكانات الاقتصادية، ما يشير إلى انسداد الآفاق السياسية وتهدّم جسور الثقة بين الأقليات ودمشق. كما أعلن ناشطون من الطائفة العلوية منتصف العام الحالي عن تأسيس مجلس سياسي يدعو إلى الفيدرالية في البلاد.

ومن المستبعد استجابة الإدارة في الوقت الراهن لمطالب ترى أنها ربما تؤسس لتقسيم البلاد، وتطرح فكرة اللامركزية الإدارية الموسعة في المحافظات التي تضم أقليات في البلاد، تحديداً تلك التي تضم أكراداً وأبرزها الحسكة في أقصى الشمال الشرقي. ورأى فيصل يوسف، المتحدث باسم المجلس الوطني الكردي، وهو أكبر التشكيلات السياسية الكردية في سورية، في حديث مع "العربي الجديد" أن السلطة القائمة مطالبة بخطوات سياسية، منها "تعديل الإعلان الدستوري المؤقت بما يضمن حقوق الأكراد وغيرهم من المكونات"، و"اتخاذ الإجراءات الملموسة لانتقال سياسي شامل وفق خطة واضحة، وإصدار قانون للأحزاب". كما دعا إلى "إلغاء السياسات التمييزية المطبقة بحق الشعب الكردي في سورية منذ عشرات السنين"، و"مواجهة ثقافة الكراهية والتعصب التي باتت ملحوظة في الإعلام وتهدد السلم الأهلي والعيش المشترك". وطالب الحكومة السورية بـ"دعوة الوفد الكردي المشترك للحوار لمعالجة القضية الكردية"، مشيراً إلى أن من بين المطالب "عقد مؤتمر وطني شامل لتقييم مرحلة ما بعد انهيار النظام والأخذ بمخرجاته كخطة عمل للمرحلة التالية". كما طالب بـ"تسريع خطوات إصلاح مؤسسات الدولة وتحسين أحوال العاملين فيها، واتخاذ الإجراءات الفورية لتطبيق العدالة الانتقالية".


أحمد القربي: على الإدارة السورية فتح قنوات حوار بين السلطة والمكونات

ما الذي حققته الإدارة في المرحلة الانتقالية؟

وأولت الإدارة السورية الجديدة جل الاهتمام خلال العام الأول من المرحلة الانتقالية للعلاقات الخارجية، وحققت خطوات مهمة على هذا الصعيد أعادت سورية "دولة فاعلة ولها وزنها الدولي"، بحسب السفير السوري السابق في السويد بسام العمادي. واعتبر العمادي في حديث مع "العربي الجديد"، أن هذا الأمر مهم في الوقت الراهن لـ"فتح الطريق أمام سورية للنهوض بها إلى مصاف الدول الفاعلة في المنطقة". بيد أن العمادي رأى أيضاً أن "على الإدارة السورية الجديدة التوجه للداخل بإصلاحات جذرية وإعادة بناء الدولة على أسس الكفاءة والخبرة، للتمكن من التعامل مع المشاكل الكبيرة والكثيرة التي خلفها اختطاف النظام البائد للدولة"، مضيفاً: يجب الاستفادة من خبرات رجال الدولة الذين لم يكن لهم ارتباط بالنظام البائد ليتمكنوا من بناء الدولة الجديدة بالشكل الأفضل.

وأشار إلى أن الإدارة "اعتمدت بعد التحرير على عناصرها فقط للتمكن من إحكام السيطرة على الأمن والسلطة"، مضيفاً: ولكن هناك فرق بين السلطة والدولة. وتابع: تعمل السلطة الجديدة حالياً على إعادة إحلال الكفاءة مكان الولاء، وهذا أمر مهم ومطلوب في المرحلة المقبلة، بعد أن اقترب رفع كامل العقوبات عن سورية، مما يشجع الاستثمار من السوريين في الخارج والدول الأخرى التي كانت تجد في العقوبات مانعاً كبيراً في طريق استثمارات في سورية.

من جانبه، رأى أحمد القربي وهو باحث سياسي في مركز "الحوار" للدراسات وعضو اللجنة التي وضعت الإعلان الدستوري، في حديث مع "العربي الجديد"، أن على الإدارة السورية "فتح قنوات حوار بين السلطة والمكونات"، مضيفاً: الحوار يجب أن يكون حالة مستمرة سواء على المستوى الاجتماعي أو على المستوى السياسي. وبرأيه، إن على الإدارة "تشجيع الأنشطة السياسية في البلاد المرتبطة بالمصلحة الوطنية، فيجد كل سوري سواء كان مؤيداً أو معارضاً للسلطة، مساحة للتعبير عن الرأي في المؤتمرات أو المنتديات أو جلسات حوار". وأشار إلى أن "فتح المجال أمام وسائل الإعلام مسألة مهمة تسهم في زيادة الوعي السياسي تحديداً في هذه المرحلة"، مؤكداً أن الفترة المقبلة تحتاج إلى حوار وفتح المجال العام السياسي.

المساهمون