استمع إلى الملخص
- تتضمن الشروط الغربية مطالب داخلية وخارجية، وتُعتبر اختبارًا للقيادة الجديدة للحصول على الاعتراف والدعم الدولي لإعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار.
- تلعب إسرائيل دورًا محوريًا في المشهد السوري، وتسعى لفرض شروطها، بينما يشكل الحضور التركي مصدر قلق للدول الغربية وإسرائيل.
مواقف أميركية وأوروبية من الانتقال السياسي في سورية، وزيارات لوفود دبلوماسية وأمنية دولية وأممية تتوافد على العاصمة السورية دمشق من أجل التعرف إلى بعض المسؤولين الجدد، واستطلاع مواقفهم من قضايا كثيرة، خارجية وداخلية. ويعكس هذا الحراك الغربي الأهمية التي تحتلها سورية والقيادة الجديدة التي تُمسك بالمفاتيح الأساسية بعد سقوط النظام السابق في الثامن من شهر ديسمبر/ كانون الأول الحالي.
مناورة دولية في سورية
تناور الأطراف الدولية من أجل فتح صفحة مع أحمد الشرع، قائد الإدارة السياسية الجديدة التي أطاحت النظام. تبدي حماسة شديدة من أجل ذلك، وفي الوقت ذاته تردداً، وتضع قائمة من الشروط، تتفاوت من دولة إلى أخرى، حسب المصالح والحسابات ومدى قرب كل منها من سورية اقتصادياً وثقافياً وتاريخياً، وتصورها لكيفية نسج علاقات جديدة تختلف كل الاختلاف عن المراحل السابقة تحت حكم عائلة الأسد، التي كانت على الدوام، في عهدي الأب والابن، غير مستقرة، وتخضع للشدّ والجذب بسبب توجهات النظام وعلاقاته مع الاتحاد السوفييتي السابق ومن ثم روسيا وإيران.
هناك خشية من أن يقود ما حصل في سورية إلى إطلاق موجة ثانية من الربيع العربي
المواقف الأميركية والأوروبية حتى الآن تشكل مؤشراً إلى سياسات الدول الكبرى تجاه سورية في المرحلة القصيرة المقبلة. ويمكن توصيف العملية بأنها تضع الحكم الجديد تحت التمرين، ليثبت بالأفعال قبل الأقوال أنه قادر على التفاعل مع دفتر الشروط التي عليه أن ينفذها كي يتم قبوله والاعتراف به ومساعدته على النهوض بالمهام الكبيرة.
باتت قائمة الشروط مثل مزاد علني مفتوح، كل طرف يضع أكبر قدر ممكن وأقصى ما يطمح إلى انتزاعه من تنازلات من القيادة السورية الجديدة، وتنطلق الحسابات كافة من خلفية واحدة وهي أن سورية في وضع صعب جداً وبحاجة إلى دعم دولي سياسي واقتصادي عاجل كي تخرج من عنق الزجاجة قبل أن تباشر السير في خطوات إعادة التعافي، وعلى رأسها إعادة البناء من أجل إعادة ملايين المهجرين إلى بيوتهم المدمرة، غير الصالحة للسكن بسبب تضرر البنى التحتية الأساسية، من كهرباء وماء، وبعضها مزروع بالألغام والقنابل العنقودية، أو خارج الخدمة. وعلى سبيل المثال، مدينة دير الزور مكونة من 27 حياً، لكن القابل للحياة منها ثلاثة أحياء فقط.
الرسائل الغربية واضحة وصريحة، ويمكن تحديدها بأربع رسائل: الأولى هي أن الولايات المتحدة والدول الأوروبية ليست ضد الشرع، ولذلك تواصلت معه وستواصل ذلك، وهي حريصة على بناء علاقة، ولذلك زارت وفود منها دمشق والتقت به، وبعضها أعادت فتح سفارتها كما هو حال فرنسا. الثانية هي أنها لن تعترف به رسمياً وتمحنه مشروعية قبل أن يباشر بتطبيق سلسلة الشروط. والثالثة هي أن بعض الشروط تتطلب تنفيذاً سريعاً، وبعضها الآخر يستطيع أن ينتظر إلى أجل أقصاه عام. والرابعة هي أن العملية تدريجية، كلما تقدمت سورية خطوة إلى الأمام، قابلتها واشنطن والعواصم الأوروبية بخطوة، وعلى هذا الطريق يمكن حصول رفع جزئي للعقوبات السياسية والاقتصادية، ورفع مستوى العلاقات الدبلوماسية والمندوبين الذين يتوافدون إلى دمشق.
وهنا يمكن تسجيل ملاحظة مهمة وهي أن هناك نفعية وبراغماتية، ولن تكتفي الدول الغربية بالمراقبة، وإنما ستعمل على الأرض، وهذا ما يفسّر المسارعة في إرسال الوفود، وأرفعها تمثيلاً هو الوفد الأميركي بقيادة باربرا ليف، مساعدة وزير الخارجية.
من المؤكد أن إسرائيل تعمل على استغلال الوضع في محاولة لإملاء شروطها على سورية ومن ذلك التطبيع
شروط أميركا وأوروبا تراوح بين طلبات داخلية أولاً، تتعلق بشكل الحكم ومدى إشراك بقية السوريين في تركيبته، ويجري التركيز على تمثيل الأقليات، والمقصود من ذلك كل المكونات السورية من غير العرب السنّة، ويتم تخصيص الأكراد، لكونهم الطرف الوحيد الذي عانى من غبن في المرحلة الماضية، لكن الشروط تتجاوز حلّ المسألة الكردية في الإطار السوري إلى معالجة وجود "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) باعتبارها تنظيماً عسكرياً شكّلته الولايات المتحدة من أجل محاربة تنظيم داعش، وسيطر على أكثر من ثلث مساحة سورية، وأنشأ إدارة ذاتية تتحكم بمصير وثروات ثلاث محافظات سورية، وخصوصاً النفطية والغازية.
مزاد مفتوح للطلبات
أما بصدد الطلبات الخارجية، فهي تتناول العلاقة مع كل من روسيا وإيران، وقد نصّ الطلب الأوروبي صراحة على أنه "يجب ألا يكون هناك مكان" في سورية لروسيا وإيران. وقالت مفوضة الشؤون الخارجية في الاتحاد الاوروبي كايا كالاس أيضاً إن الاتحاد "سيثير مسألة" القاعدتين العسكريتين الروسيتين مع القيادة الجديدة لسورية. وكدليل على الاهتمام، احتل الملف السوري مكانة مهمة في القمة الأوروبية في التاسع عشر من الشهر الحالي، وفي اجتماع وزراء خارجية الاتحاد في السادس عشر منه.
بعض الدول تغلّف شروطها بتخوفات من سيطرة فصائل ذات توجه إسلامي على الحكم، ولكن جوهر المسألة يكمن في أن هناك نزوعاً غربياً إلى التحكم بالوضع، ومحاولة احتوائه وتسييره وفق توجهاته ومصالح أميركا وأوروبا من جهة، ومن جهة ثانية الحيلولة دون أن يصبح التحول الذي حصل في سورية نموذجاً لدى بعض شعوب المنطقة التي تعاني من سطوة أنظمة دكتاتورية تقترب في مستويات التوحش والفساد من نظام الأسد، وهناك خشية من أن يقود ذلك إلى إطلاق موجة ثانية من الربيع العربي تؤدي إلى زعزعة استقرار أنظمة ليست على وفاق مع شعوبها، خصوصاً تلك التي عاشت حراكاً شعبياً، وتم إجهاضه بفعل قوى الثورة المضادة.
هناك مثل فرنسي يقول حين يأتيك أحدهم بطلب، عليك أن تفكر بالسبب الذي يقف وراءه قبل أن تفكر بتلبيته. ومن المؤكد أن هناك دولاً فوجئت عندما اندلعت الثورة أولاً، وبانتصارها ثانياً. وقد كانت تستقي معلوماتها عن سورية من حلقة ضيقة، وبالتالي فإن هناك دولاً تشعر بأن مصالحها ربما تتعرض للضرر. وما تعمل من أجله كل دولة هو ضمان مصالحها الخاصة في عملية إعادة الإعمار التي تكلف 100 مليار دولار حداً أدنى.
المشترك بين كل المطالب الغربية هو أمن إسرائيل، وهو ما يفسّر مباركة واشنطن العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد سورية، واللهجة الأوروبية الخافتة. وعلى صعيد آخر، تتداول بعض الأوساط سيناريو آخر وهو إمكانية أن يذهب الضغط الغربي في مرحلة لاحقة حتى حدود طلب التطبيع مع إسرائيل، ومن هنا فإن من بين أهم المخاطر التي تهدّد الانتقال في سورية الدور الإسرائيلي، الذي استعجل بالظهور على خشبة المسرح، وسبقت تل أبيب الشروط الغربية بإلغاء اتفاقية فصل القوات لعام 1974، واجتياح المنطقة العازلة واحتلالها، بالإضافة إلى مناطق أخرى، منها أعلى نقطة في جبل الشيخ، لم تتمكن من الوصول إليها في حربي عامي 1967 و1974، كما أنها دمرت كل مقدرات سورية العسكرية.
ما قامت به إسرائيل يعتمد على استفزاز السلطات الجديدة في دمشق، والتوسع داخل سورية، وهذا يدل على أنها كانت على تفاهم مع نظام الأسد بصدد الكثير من النقاط، منها التسليم لها بأمن الحدود، وانتهاك حرمة الأجواء السورية، وهي تدرك أن تلك الامتيازات سقطت مع رحيل الأسد، ولذلك قامت بتغيير المعادلة على الأرض، واستغلت الظرف الداخلي السوري والتأييد الأميركي لها، كي تحتل أراضي سورية جديدة، وتوسع مستوطناتها في الجولان، ومن غير المستبعد أن تواصل العمل بهذا النهج، في ظل عدم وجود موقف عربي قوي يقف إلى جانب سورية، التي باتت مجردة من جيشها.
إسرائيل تقول إن هواجسها أمنية، في حين أن العالم يدرك أن سورية في وضعها الجديد لن تشكل تهديداً عسكرياً، كونها منهكة وتحتاج إلى إعادة الإعمار قبل كل شيء، ومن المؤكد أن إسرائيل تعمل على استغلال الوضع في محاولة لإملاء شروطها على سورية ومن ذلك التطبيع.
يبقى أن الحضور التركي في سورية يشكل عقدة مهمة لكل من أميركا وأوروبا وإسرائيل، وتعكس الاتصالات الأوروبية مع أنقرة والزيارات الأميركية قلقاً من دور تركي كبير في سورية، في ظلّ مخاوف من ثقل أنقرة القوي من باكو في أذربيجان إلى طرابلس في ليبيا والآن في سورية، وهناك عدم رضا إسرائيلي صريح وإحساس بأن عملية إطاحة الأسد التي دعمتها تركيا بقوة، قلبت الطاولة على الحسابات الإسرائيلية.
إلى ذلك، هناك عدة أسئلة تطرح نفسها، أبرزها هو ما مدى قدرة الحكم الجديد على تلبية كل الطلبات والضغوط وهو لا يزال يحاول أن يعالج الأولويات المتعلقة بعودة الخدمات وتوفير المواد الأولية. ويبدو من تصريحات الشرع أنه يتعاطى بمرونة شديدة وكان منفتحاً على الآراء كافة ولم يبد تشنجاً أو يقدم وعوداً لا تستطيع سورية تلبيتها لاحقاً، وهو يدرك أنه قبل حصول التحول الجديد على مباركة دولية كاملة عليه أن يحصل على التأييد من الشارع السوري، وهذا ما يتطلب العمل عليه بعد نهاية الفترة المؤقتة في مطلع مارس/ آذار المقبل. ويتوقف الأمر على الانتقال السياسي السلس بتعديل القرار 2254 ليكون مناسباً للمرحلة وتشكيل مؤتمر وطني تنبثق منه جمعية تأسيسية تقود مرحلة انتقالية من أجل بناء الدولة السورية بشكل مدروس وليس بشكل ارتجالي.