سكان تايوان لا يشعرون بالأمان... خوف من غزو الصين ولا ثقة بأميركا
استمع إلى الملخص
- تتزايد المخاوف من غزو صيني محتمل مع تكثيف المناورات العسكرية الصينية، مما يزيد من الأزمات الاقتصادية الداخلية ويدفع السكان لتخزين الأغذية تحسباً لحصار.
- تسعى بكين لتعزيز فكرة التوحيد مع تايوان عبر مناورات عسكرية وتلقي شكاوى ضد النشطاء المؤيدين للاستقلال، بينما تواجه السلطات التايوانية تحديات في الحفاظ على أمن الجزيرة.
يهيمن الخوف والشعور بعدم الأمان على سكان تايوان وسط عدم اليقين بشأن سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الخارجية واستعداده للدفاع عن الجزيرة، وتصاعد الضغوط التي تمارسها بكين من خلال مناوراتها العسكرية المستمرة حول تايوان التي تعدها جزءاً من أراضيها ولا تستبعد استخدام القوة العسكرية لضمها إذا لزم الأمر.
رهان سكان تايوان
تشدد مي لي، وهي طالبة في جامعة تونغ هاي (تايوان)، في حديث لـ"العربي الجديد"، على ضرورة أن "نكون أكثر واقعية"، قائلةً: "لا أحد يأبه لحالنا، ولن تدافع عنا أي دولة بما في ذلك الولايات المتحدة، ولنا في أوكرانيا المثل الأعلى". وفي رأيها أنّ "إدارة ترامب ليس لديها حلفاء، وعلاقاتها تقوم على المصالح الذاتية. لقد فرضت أخيراً تعرفات جمركية على جميع دول العالم، وقبل ذلك أوقفت مساعداتها الخارجية". وتتساءل مي لي: "كيف لنا أن نثق بهذه الإدارة؟ هذا من جانب، ومن ناحية أخرى، نحن لسنا بالقوة التي تجيز لنا الوقوف في وجه الصين، فهي دولة ذات إمكانات وقدرات عسكرية واقتصادية ضخمة". لذلك، ترى أنه "يجب ألا نكذب على أنفسنا، وندعي بأننا قادرون على المضي في مسار الاستقلال بالرهان على سراب التدخل الأميركي لصالحنا، لأننا بذلك نكون قد حكمنا على أنفسنا بالموت".
يُذكر أنه عندما سأل أحد الصحافيين ترامب، عقب أول اجتماع رسمي لحكومته، فبراير/ شباط الماضي، عما إذا كانت الولايات المتحدة ستسمح للصين بالسيطرة على تايوان بالقوة، قال من البيت الأبيض: "لن أعلق على ذلك أبداً. لا أريد أن أضع نفسي في هذا الموقف أبداً". واكتفى بالتعبير عن رغبته في الاستثمار الصيني بالولايات المتحدة. كما توقعت تقارير أميركية، أخيراً، أن تواجه تايوان حصاراً بحرياً وجوياً واسع النطاق. وذكرت أن الجيش الصيني أعد بالفعل مجموعة من الضربات من اتجاهات متعددة، عسكرياً واقتصادياً، ويمكنه قطع اتصال تايوان بالعالم الخارجي في أي وقت يريد، ما لم تتدخل الولايات المتحدة وتضع حداً لذلك.
دا تشوان: أشخاص بدؤوا بتخزين الأغذية تحسباً لحصار محتمل
ومنذ تنصيب ترامب، في 20 يناير/ كانون الثاني الماضي، وتنصله من تأكيد التزام واشنطن بالدفاع عن الجزيرة في حال تعرضها لأي تهديد صيني، علت أصوات في تايبيه معربة صراحة عن مخاوفها بشأن الغزو الصيني المحتمل وإعادة التوحيد بالقوة. وقالت إنها تأمل في ألا يحدث ذلك، وأن تتخذ السلطات الإجراءات اللازمة لضمان أمن الجزيرة حتى ولو كان الثمن التقارب مع بكين وتصويب العلاقات معها. وبات الكثير من التايوانيين ينظر إلى الدفاع المدني المدعوم من الحكومة بعين الريبة حتى مع تحرك تايبيه لتعزيز جاهزيتها العسكرية. ويعتقد هؤلاء أن التركيز المتزايد على الدفاع المدني في تايوان له نتائج عكسية في ظل تنامي قوة البر الرئيسي الصيني. مع العلم أنه في شهر مارس/ آذار الماضي، تجمع أكثر من 1500 شخص في مدينة تاينان جنوبي تايوان، لاختبار قدرة المجتمع المدني على الاستجابة للكوارث، وسط تدهور العلاقات مع الصين. وهو أول تدريب حيّ مدني من نوعه في إطار مفهوم "صمود المجتمع بأكمله"، شارك فيه مسؤولون حكوميون محليون ومركزيون، ورجال إطفاء وضباط شرطة متطوعون، بالإضافة إلى حوالي 500 مدني.
مخاوف من الغزو
تنعكس مخاوف سكان تايوان بما يبديه دا تشوان، وهو مبرمج حاسوب في تايبيه، مخاوفه من التطورات الأخيرة المرتبطة بتكثيف المناورات العسكرية حول جزيرة تايوان، قائلاً إنه "يخشى أن تتحول هذه التدريبات بين ليلة وضحاها إلى مشهد حي لغزو صيني واسع النطاق". ويضيف في حديث لـ"العربي الجديد": "نحن نعاني أزمات اقتصادية عدة من بينها ارتفاع معدلات البطالة وتكاليف المعيشة، وذلك بسبب زيادة الموازنة الدفاعية (الشهر الماضي إلى ما لا يقل عن 3% من الناتج المحلي وهي حالياً حوالي 2.45%) نزولاً عند الإملاءات الأميركية، لأن هذه الزيادة جاءت على حساب رفاهية السكان". ويضيف أن "التجييش المستمر وتهويل التهديدات الصينية خلقا حالة من الخوف والقلق لدى العامة، فهناك أشخاص بدؤوا بالفعل بتخزين الأغذية تحسباً لحالة حصار". كما أن ما حدث في أوكرانيا وتصريحات ترامب الأخيرة، "أثرت بشكل كبير على معنويات السكان، ووضعت سلطات الحزب الحاكم في موقف حرج، خاصة أننا منذ البداية بنينا جميع أحلامنا وطموحاتنا على الحصانة الأميركية".
وكانت بكين أعلنت، الأربعاء الماضي، إطلاق مناورات عسكرية واسعة النطاق في مضيق تايوان، بين الجزيرة والبر الصيني. وذكر الجيش الصيني في بيان، أن هذه التدريبات تهدف إلى "اختبار قدرات القوات في مجال تنظيم المناطق والسيطرة عليها، وفرض عمليات حصار ومراقبة مشتركة، وشنّ ضربات دقيقة على أهداف رئيسية". والثلاثاء الماضي، حشد الجيش قوات برّية وبحرية وجوية في محيط تايوان لإجراء مناورات عسكرية واسعة النطاق تحاكي حصار الجزيرة. وبالتزامن مع هذه المناورات، حذر مكتب الشؤون التايوانية في بكين، تايبيه من أن "استقلالها هو بمثابة حرب"، مشدداً في بيان على أن التحريض على الاستقلال يعني إلقاء سكان تايوان في أتون "نزاع مسلّح خطِر".
تشن بينهوا: مكتب شؤون تايوان تلقى 350 خطاباً تمحورت جميعها حول فكرة أن التوحيد هو اتجاه التاريخ
كما خصص مكتب شؤون تايوان التابع لمجلس الوزراء الصيني، مطلع العام الحالي، صندوق بريد لاستقبال الشكاوى من سكان تايوان والإبلاغ عن النشطاء الذين يسعون إلى الاستقلال. وقال إن هذه الخطوة تشكل حماية لأولئك "الوطنيين المؤيدين للتوحيد". ولفت المكتب إلى أن صندوق البريد لاقى تجاوباً آنياً وتأثيراً فورياً بمجرد إطلاقه على شبكة الإنترنت، وأنه في غضون ساعات قليلة، تلقى 350 خطاباً تمحورت جميعها حول فكرة أن التوحيد هو اتجاه التاريخ والطريق الصحيح، وأن استقلال تايوان هو إبحار عكس التيار ولن يفضي إلا إلى حافة الهاوية. في تعليقه على ذلك قال المتحدث باسم المكتب تشن بينهوا، حينها: "لن نتسامح مطلقاً مع أي عمل يضر بحقوق ومصالح مواطنينا في تايوان، أو يقوض تنمية العلاقات عبر المضيق، أو يعرّض السلام والاستقرار في مضيق تايوان للخطر". وأضاف: "يجب علينا أن نتصدى لهم بكل حزم ونعاقبهم بشدة. نعتقد أن أغلبية مواطني تايوان سيتمكنون من إدراك الضرر الجسيم الذي يلحقه (الرئيس التايواني المؤيد للاستقلال) لاي تشينغ تي، وسلطات الحزب الديمقراطي التقدمي بتايوان وشعبها".