سد النهضة: مصر تشكو "الأضرار الكارثية" لمجلس الأمن

سد النهضة: مصر تشكو "الأضرار الكارثية" لمجلس الأمن

15 يونيو 2021
الصورة
حذرت مصر من أثر الملء الأحادي للسد (خالد دسوقي/فرانس برس)
+ الخط -

بالتزامن مع بدء اتصالات جديدة لمحاولة عقد جولة مفاوضات جديدة حول قضية سد النهضة، بين مصر والسودان وإثيوبيا، يحاول خلالها، بحسب مصادر دبلوماسية مصرية، الاتحاد الأفريقي الانطلاق من الخرطوم للتوصل إلى جدول أعمال يمكن التأسيس عليه للاجتماع والتفاوض، أرسلت مصر، يوم الجمعة الماضي، ثاني خطاب إلى مجلس الأمن خلال العام الحالي، للتأكيد على نواياها السلمية، ونأيها عن الحل العسكري، ورغبتها في الالتزام بالمسار التفاوضي لأبعد ما يمكن الوصول إليه. وتواصل مصر الرهان على ضرورة تدخل القوى العظمى، وبالأخص الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بعيداً عن الصين وروسيا، لإقناع إثيوبيا بالتوصل إلى اتفاق نهائي وملزم على قواعد الملء والتشغيل، سواء قبل إتمام الملء الثاني في 22 يوليو/تموز المقبل، أو بعده.

حذرت مصر في الخطاب من الإضرار بالأمن والسلم في المنطقة كلها إذا أصرت إثيوبيا على تعنتها

وجاء في الخطاب الذي أرسله وزير الخارجية المصري سامح شكري للجهات الأممية المذكورة، وعلى رأسها ممثل إستونيا الرئيس الحالي لمجلس الأمن سفين يورغنسون، تحذيرات مصرية متكررة من الإضرار بالأمن والسلم في المنطقة كلها إذا أصرت إثيوبيا على تعنتها، والملء الثاني دون اتفاق كامل مع دولتي المصب. كما اتهم الخطاب أديس أبابا بالتسبب في أضرار استراتيجية جسيمة بحياة الشعبين المصري والسوداني.

وجاء في الخطاب، الذي حصلت "العربي الجديد" على نسخة منه، أن "مصر اختارت مرة أخرى لفت انتباه مجلس الأمن الدولي إلى هذه المسألة، في ضوء مسؤوليته عن الحفاظ على السلام الدولي ومواجهة التعنت المستمر وسلوك إثيوبيا الأحادي، مجسداً في تصميمها على ملء وتشغيل سد النهضة، بغض النظر عن تأثيره على مصر والسودان، ما قد تكون له تداعيات خطيرة، تهدد السلام والأمن في جميع أنحاء المنطقة. وإن تجنب هذا الاحتمال يتطلب مشاركة نشطة من المجتمع الدولي للتوصل إلى تسوية سلمية لهذه المسألة".
ودعت القاهرة صراحة إلى الضغط لاستئناف المفاوضات، قائلة: "يجب التغلب على القصور الحالي في إحراز تقدم في المفاوضات". وأشارت إلى أن "إثيوبيا، خلال الجولات المتعاقبة من المفاوضات، رفضت باستمرار مقترحات مصر التي كانت تستند إلى مبادئ القانون الدولي المعمول بها، والتي سعت للتوصل إلى اتفاق عادل ومربح للجميع، يضمن أن تحقق إثيوبيا أهدافها الإنمائية، مع تقليل الآثار السلبية لسد النهضة. وأن مصر قدمت مقترحات لا حصر لها، تضمن أن تولد إثيوبيا الطاقة الكهرومائية من سد النهضة بسرعة وكفاءة، وبشكل مستدام في جميع الظروف الهيدرولوجية، بما في ذلك فترات الجفاف الشديدة والممتدة".

وشكت مصر رفض إثيوبيا جميع المقترحات ومشاريع الاتفاقيات التي طورها الشركاء الدوليون، الذين حاولوا مساعدة الدول الثلاث في التوصل إلى اتفاق، مثل الولايات المتحدة في العام 2020، والتي وقعتها القاهرة منفردة بالأحرف الأولى كدليل على حسن النية. وشددت على أن "عدم التوصل إلى اتفاق حول أكبر مرفق للطاقة الكهرومائية في أفريقيا، يمكن أن يكون له آثار اجتماعية واقتصادية كبيرة -إن لم تكن كارثية- على مصر".
وفي محاولة لتحسين الأداء التعريفي بالوضع المصري الحقيقي في القضية، أرفقت وزارة الخارجية بخطابها عدة مذكرات فنية تؤكد الأضرار الجسيمة التي ستلحق بالشعب المصري جراء مشروع السد. وقالت: "على الرغم من جهود مصر المستمرة لاتخاذ تدابير احترازية للتخفيف من الآثار الضارة لملء وتشغيل سد النهضة، فإن كل جانب من جوانب الحياة في مصر يمكن أن يتأثر سلبًا بسبب الأثر التراكمي للملء أحادي الجانب، وصولاً إلى تخزين 50 مليار متر مكعب. فمن المقلق للغاية أن إثيوبيا سعت إلى استغلال مفاوضات سد النهضة من أجل تكريس حق غير مقيد، في إنشاء المزيد من محطات المياه من جانب واحد، والقيام بالتطويرات المستقبلية على طول مجرى النيل الأزرق وعبر الأنهار الأخرى العابرة للحدود التي تشاركها مع جيرانها".

أرفقت مصر مع خطابها لمجلس الأمن مذكرات فنية تؤكد الأضرار الجسيمة التي ستلحق بالمصريين جراء السد

وفي إطار نفي مصر عن نفسها محاولات إثيوبيا أن تلصق بها أوصاف الاحتكار ورفض التنمية للآخرين، قال الخطاب، في فقرة جديدة على سابقيه، إنه "بالنسبة لمصر، تتمتع جميع الدول المشاطئة لحوض النيل -بما في ذلك إثيوبيا- بحق غير قابل للتصرف في التمتع بمزايا نهر النيل، ومع ذلك يجب ممارسة هذا الحق وفقاً لقواعد القانون الدولي المعمول بها، ولا سيما مبادئ الإخطار المسبق والتشاور، والاستخدام العادل والمعقول لمجاري المياه الدولية، والالتزامات بحماية النظام البيئي المشاطئ، ومنع فرض الإضرار". وانتقدت "سعي إثيوبيا لفرض سيطرة مادية على النيل الأزرق، حتى لو كان ذلك على حساب دول المصب، واستغلال موقعها كدولة منبع، ما يهدد بخلق حالة لا يمكن قبولها من الناحية الاستراتيجية، حيث تتعرض المصالح الأمنية القومية الأساسية لمصر للخطر، بصفتها أمة تعتمد كليًا على نهر النيل كمصدر رزقها الوحيد".
وشددت المصادر على أن تحقيق أي إنجاز في مفاوضات السد بات مرتبطاً بتدخل أجنبي كبير ومؤثر لعملية وساطة شاملة على المستويين السياسي والفني، وأنه من الصعب تصور نجاح مسار المفاوضات الأفريقية، التي يحاول الاتحاد إحياءها حالياً، وأن القاهرة مؤمنة بأن حالة الضبابية التي تخيم على مصير المفاوضات لن تنتهي إلا بقرار من مجلس الأمن. وأكدت المصادر أن تحويل دفة التحرك المصري من السلمية والدبلوماسية إلى أي مسار آخر "مرتبط بشكل أساسي بوقوع الضرر الحتمي، وهو أمر لم يحدث حتى الآن، وليس من المتصور أن يحدث خلال فترة الملء الثاني"، وبالتالي فحتى إذا أتمت إثيوبيا الملء فعلياً الشهر المقبل، وفقاً للمعلومات التي تلقتها القاهرة والخرطوم من أديس أبابا، فسوف تستمر محاولات التفاوض، ليس فقط بسبب تمسك مصر بصورتها كدولة مسالمة تحترم الشرعية الدولية، ولكن أيضاً لتفويت الفرصة على إثيوبيا، التي تاجرت بصورة واضحة في الأروقة الدبلوماسية بالتهديدات المصرية الأخيرة، لتكرس صورتها كطرف أضعف.

انتقدت مصر سعي إثيوبيا لفرض سيطرة مادية على النيل الأزرق

وسبق وكشفت مصادر، لـ"العربي الجديد"، أن مصر كلفت الفريق الفني لها، برئاسة وزير الري محمد عبدالعاطي، "بترجمة عملية لعبارة الضرر غير المحتمل"، التي أصبحت بالفعل هي الخط الأحمر الجديد لمصر في القضية، بحيث يتم تحديد جدول رقمي بالواردات المائية المتوقعة من النيل لمصر خلال العامين الحالي والمقبل بفتراتهما المختلفة، وحساب حجم الضرر الذي يمكن استيعابه وتعويضه بالأدوات الفنية المتاحة، مثل مشروعات تبطين الترع وتحلية المياه والسياسات والقرارات القائمة بشأن تقليص مساحات المزروعات الشرهة للمياه. وذكرت المصادر أن الفريق الفني أكد أن مصر يمكنها بسهولة تعويض النقص حتى خمسة مليارات متر مكعب في حصتها الواردة إلى بحيرة ناصر، لكن نقص أي كمية أكبر من ذلك سيؤدي إلى مشاكل لا تُحمد عقباها، خاصة في فترات الجفاف الممتد.
وأنجز الإثيوبيون التعلية الوسطى للسد بنحو 566 متراً، ويتبقى 29 متراً لتحقيق الارتفاع المستهدف. علماً بأن الجدول الزمني المناسب لتحقيق ذلك، والاستفادة منه لحجز الكمية المطلوبة، هو أن يتم الانتهاء من الإنشاءات خلال 25 يوماً على الأكثر. لكن هذا الأمر يعني أنه في خلال عملية الملء ذاتها سيتم الحجز بصورة تعسفية دون السماح بتمرير أي كميات من المياه لسد الروصيرص في السودان لتعويض ما فات الإثيوبيين من وقت. وهنا تتضح أهمية الطلبات المصرية والسودانية السابقة بالإدارة المشتركة لفترات الملء والتشغيل، لأن غياب المعلومات وانعدام الشفافية من قبل الجانب الإثيوبي، والترصد المتبادل، يعرقل الاستجابة المشتركة للتغيرات الفنية والمناخية الطارئة، كما يحيط الإجراءات بالغموض وصعوبة توقع المشاكل الوارد حدوثها. وإلى جانب هذه المسألة، فإن حجز أي كمية دون الإخطار بها سلفاً، وبدون منح دولتي المصب الوقت الكافي لتدبير احتياجاتها، يُصعّب قبول استمرار الوضع الحالي المفتقر إلى اتفاق شامل وملزم على قواعد الملء والتشغيل، لأنه يهدد بتكرار حالة الغموض هذه كل صيف، بما في ذلك السنوات التي ربما تشهد انخفاضاً في كميات الأمطار أو فترات الجفاف الممتد.

المساهمون