ستريتنغ وزيراً للدفاع... اختبار لصدق بيرنهام في تصحيح "خطأ" غزة

24 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 04:09 (توقيت القدس)
من مسيرة لأجل فلسطين في لندن، 18 يوليو 2026 (العربي الجديد)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تعيين ويس ستريتنغ وزيراً للدفاع في بريطانيا أثار جدلاً بسبب مواقفه المنتقدة لإسرائيل، مع تساؤلات حول قدرته على تنفيذ سياسات ملموسة لوقف تسليح إسرائيل.
- حكومة آندي بيرنهام تواجه تحديات في التعامل مع مطالب وقف التعاون العسكري مع إسرائيل، وسط توقعات بصعوبة تنفيذ تغييرات جذرية بسبب الضغوط السياسية.
- حركة فلسطين في بريطانيا تواصل الضغط الشعبي والدولي، مطالبة الحكومة باتخاذ خطوات ملموسة لوقف التعاون العسكري مع إسرائيل، وتعزيز التضامن مع القضية الفلسطينية.

من زاوية شرق أوسطية، وخصوصاً فلسطينية، يُشكّل تعيين رئيس الحكومة البريطانية الجديد آندي بيرنهام، لوزير الصحة السابق في حكومة سلفه كير ستارمر، ويس ستريتنغ، وزيراً للدفاع في الحكومة التي شكّلها بداية الأسبوع الحالي، أكبر المفاجآت في التشكيلة الجديدة، أخذاً بالاعتبار مواقف ستريتنغ المنتقدة لإسرائيل، ولعدوانها على غزة، في وقت لا تبدو الآمال كبيرة في ترجمة هذه المواقف إلى أفعال تقلب المعادلة جذرياً، لاسيما على صعيد وقف تسليح دولة الاحتلال.

ستريتنغ في ملفات ماندلسون

تكشف ملفات السفير البريطاني السابق لدى الولايات المتحدة، بيتر ماندلسون (الذي أثار تعيينه بالمنصب رغم ملف خلفيته وارتباطه بجيفري إبستين أزمة لحكومة ستارمر)، أن ستريتنغ لم يخف سخطه على إسرائيل بسبب جرائمها في فلسطين. كان حينها وزيراً للصحة في حكومة ستارمر، التي كان الغضب من سياسته المتواطئة تجاه الإبادة الجماعية في غزة أحد أسباب إطاحتها. وعبّر ستريتنغ، وفق الوثائق، بصراحة ودون أي مواربة، في رسائل متبادلة بينه وبين ماندلسون، عن رأيه الحقيقي في إسرائيل. قال إنها "ترتكب جرائم حرب أمام أعيننا، وحكومتها تتحدث لغة الإبادة الجماعية، وتسلك سلوك دولة مارقة، ينبغي أن يدفعوا الثمن بوصفهم منبوذين بفرض عقوبات على الدولة (الإسرائيلية) وليس على قلة من الوزراء".

ستريتنغ على علم بدعوات حركة فلسطين وأنصارها، لوقف التعاون العسكري مع إسرائيل

موقف ستريتنغ من حرب غزة لم يكن انفعالاً، فقد كان الرجل معروفاً برفضه للجرائم في القطاع الفلسطيني والذي عبّر عنه على مجموعة بتطبيق "واتساب" يشارك فيها عدد من الوزراء وأعضاء بارزون في حزب العمّال الحاكم.

"انتقادات مخففة"

جاء الكشف عن الرسائل بين ماندلسون وستريتنغ، بينما كان آندي بيرنهام مشغولاً مع فريقه في وضع خطته لخلافة ستارمر، الذي كان سترتينغ من أوائل كبار الوزراء والمسؤولين الذين طالبوا علناً برحيله. وهذا يعني أن بيرنهام كان، بعد توليه الحكم، على دراية كاملة بموقف ستريتنغ عندما عيّنه أخيراً وزيراً للدفاع، وهو بطبيعة الحال على علم بدعوات حركة فلسطين وأنصارها المتزايدة أعدادهم، إلى وقف التعاون العسكري، بما فيه تجارة الأسلحة، مع إسرائيل. وهذه هي معضلة وزير الدفاع ورئيس الحكومة الجديدين، ليس فقط أمام الرأي العام ولكن بين صفوف ناخبي "العمّال".

أول موقف بعد تسّلم الوزارة

ويوم أول من أمس الأربعاء، رفض ستريتنغ، في أول موقف له تجاه فلسطين بعد تسلّمه منصبه الجديد، القول ما إذا كان يعتقد بأن على بريطانيا مواصلة شراء الأسلحة الإسرائيلية، قائلاً من معرض فارنبورو الجوي، إن مثل هذا القرار "لا يأخذه وحده". واعتبر أن إسرائيل "لم تلتزم بالمعايير العسكرية البريطانية" خلال عملياتها في غزة والضفة الغربية، وهو ما يتوجب عليه قوله لإسرائيل بصفته "صديقاً وحليفاً". لكنه شدّد على حق إسرائيل في "الدفاع عن نفسها".

وقف التعاون العسكري

ومنذ بداية حرب الإبادة الإسرائيلية في فلسطين، بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، لم تتوقف مطالب مناهضي الحرب، وأنصار فلسطين، وعشرات النواب من مختلف الأحزاب، في بريطانيا، بوقف التعاون العسكري مع إسرائيل وتجارة السلاح معها. ووفقاً لقواعد إصدار تراخيص تصدير السلاح، فإن لوزير الدفاع رأياً مهماً للغاية تلتزم "الوحدة المشتركة لمراقبة الصادرات"، التابعة لوزارة التجارة والأعمال، بمراعاته عند إصدار تراخيص بيع الأسلحة. ووفق أحدث تقرير مقدم إلى البرلمان البريطاني (في يناير/كانون الثاني عام 2024)، فإن وزارة الدفاع "تقيّم الصادرات (التسليحية) من منظور الأمن القومي البريطاني، وتأثير السلاح على الاستقرار الإقليمي، وضمان عدم وقوع التكنولوجيا العسكرية الحسّاسة في أيدي جهات معادية".

غير أن أنصار فلسطين لا يتوقعون أن يكون ستريتنغ وفياً لمواقفه التي طالما سعى إلى إقناع أنصار فلسطين، وهم كثر في دائرته الانتخابية، بها، وبأنه ينبغي أن تتخذ بريطانيا إجراءات فعلية لوقف إسرائيل عند حدّها، فهو "لم يتحدث (عن مواقفه) في العلن من قبل، وسيفعل القليل لمساعدة الفلسطينيين"، كما تتوقع ليندسي جيرمان، منسقة "تحالف أوقفوا الحرب"، أحد أكبر المظلات الجامعة لأنصار فلسطين ومناهضي إسرائيل والحروب في بريطانيا، في حديث لـ"العربي الجديد".

في كلمته أمام مسيرة وطنية حاشدة مؤيدة لفلسطين قبيل تولي بيرنهام رئاسة الحكومة، طالب السفير الفلسطيني في لندن، حسام زملط، وأيّده بذلك برلمانيون وسياسيون ونقابيون بريطانيون، بوقف تسليح بريطانيا لإسرائيل. غير أن ليندسي جيرمان تعرب عن اعتقادها بأن ستريتنغ لن يؤيد هذا المطلب، وأن أكثر ما سيفعله في منصبه الجديد، هو "مواصلة سياسة الحكومة البريطانية في توجيه انتقادات مخففة ليست لها أي عواقب لإسرائيل".

دفاع عن سيادة القانون

في فيديو غزة الشهير، الذي بثّه قبل أيام قليلة من توليه زعامة حزب العمّال ورئاسة الحكومة، انتقد بيرنهام إسرائيل، لكنه لم يُدنها، لانتهاكها المستمر لوقف النار. كما أعلن تأييده لضرورة أن تكون هناك "محاسبة على عمق الدمار الذي مرّ به شعب غزة"، قائلاً إنه "لا تعارض بين نهج يقوم على صفر تسامح مع العداء للسامية، ومحاسبة حكومة" بنيامين نتنياهو.

غير أن ما عاد وقاله وزير خارجيته الجديد إيد ميليباند، يرجح صدق توقعات مسؤولة "تحالف أوقفوا الحرب". ففي أول بيان له بعد توليه المنصب، وصف ميليباند مرتين الصراع العسكري الروسي الأوكراني بأنه "حرب روسية غير شرعية"، أما الحربان الإسرائيلية على الفلسطينيين والإسرائيلية الأميركية على إيران، فهما، على حدّ وصفه، مجرد "صراع في الشرق الأوسط". وكرّر، من مانيلا حيث حضر مؤتمر "آسيان"، أول من أمس الثلاثاء، تعهد بيرنهام، بأن تعمل بريطانيا "بلا كلل لإنهاء المعاناة المروعة لشعب غزة"، وهو ما يصر نواب بارزون من حزب العمّال، منهم جون ماكدونال، منذ بداية حرب الإبادة، على أن الوفاء به يحتاج إلى وقف فوري لتسليح إسرائيل ومحاسبة قادتها على أفعالهم.

وتعهد ميليباند بأن تكون أحد مهامه الرئيسية هي "الدفاع عن قيمنا المتمثلة في الديمقراطية والحرية وسيادة القانون على الساحة الدولية". وينسجم هذا الموقف مع موقف بيرنهام الذي يؤمن بأن "المحاكم الدولية لا السياسيين" هي من تحكم بشأن ما يحدث في غزة. وهذا يعيد بطبيعة الحال إثارة علامات الاستفهام بشأن تهديدات وزير الخارجية (ورئيس الحكومة المحافظ السابق) ديفيد كاميرون للمحكمة الجنائية الدولية، بسبب إصدارها أمراً باعتقال نتنياهو ووزير الأمن الإسرائيلي السابق يوآف غالات، وما إذا كان ميليباند سيواصل النهج نفسه الذي ينسف سيادة القانون الدولي.

حركة فلسطين بكل منظماتها في أنحاء بريطانيا مصممة، على مواصلة الضغط

غير أنه رغم أهمية دور وزيري الدفاع والخارجية في الحكومة البريطانية، فإنهما ليسا الوحيدين اللذين يقرران سياسة بريطانيا تجاه إسرائيل، كما يرى كريس دويل، مدير مركز التفاهم البريطاني "كابو"، الذي يقول لـ"العربي الجديد"، إن التوجه العام للحكومة "هو ما سيحدد الطريقة التي سيتصرف بها ويس ستريتنغ بوصفه وزيراً للدفاع في ما يتعلق بإسرائيل". ويضيف أنه "بطبيعة الحال، إذا قال رئيس الوزراء إننا سنستمر في دولة بالتعاون العسكري والأمني مع إسرائيل، فسيكون هذا هو التوجه". وهذا ما جعل، صوفي بولت، الأمينة العام لـ"حملة نزع السلاح" النووي تعبّر بدورها لـ"العربي الجديد"، عن قلق حقيقي من احتمال أن تكون حكومة بيرنهام "حتى أسوأ" من حكومة ستارمر. هذا الأمر يجعل بولت تراهن على استمرار الاحتجاجات، وجعل حزب الخضر يطالب بوضع بيرنهام وحكومته "تحت المراقبة "الشعبية.

موجة ضغط جديدة

لكن دويل يعتقد، من جهته، بأنه سيكون لستريتنغ وميليباند "تأثير كبير" في تقرير توجه الحكومة في التعامل مع إسرائيل. ويرى أن وجود ستريتنغ في وزارة الدفاع، بآرائه المعروفة بشأن إسرائيل، "يوضح أنه سيكون هناك نهج أكثر صرامة نوعاً ما تجاه إسرائيل". أما إذا كانت هذه الصرامة المأمولة كافية أم لا، فإن تلك مسألة أخرى ترتبط بالضغوط التي يتوقع أنها "ستتزايد بإطراد لوقف التعاون العسكري والأمني بين بريطانيا وإسرائيل"، الأمر الذي يتنبأ معه بأن "يكون هناك تغيير هائل في السلوك الإسرائيلي." وللوصول إلى هذه المرحلة، فإن حركة فلسطين بكل منظماتها في أنحاء بريطانيا مصممة، وفق جيرمان وبولت، على "مواصلة الضغط (الشعبي) من أسفل لبناء (حركة) تضامن قوي من أجل فلسطين".

وقد بدأت بالفعل موجة ضغط جديد تقودها "حملة التضامن مع فلسطين"، التي طالبت البريطانيين بأن يكتبوا إلى رئيس حكومتهم الجديد رسالة تذكّره بأنه هو الذي قال، في فيديو غزة، إن حزب العمّال "لم يتعامل بالشكل الصحيح" مع ما حدث في غزة، وإنه بحاجة إلى "تحسين أدائه" تجاهها. كل هذا يقتضي، وفق الرسالة "تحركاً ملموساً وفعالاً"، إن كان يريد فعلاً "وضع حدّ نهائي لتواطؤ حزب العمّال المخزي في جرائم إسرائيل ضد الفلسطينيين". كما ذكّرته بأنه إذا كان وزير خارجيته قد تعهد بالترويج في الخارج للديمقراطية والحرية باعتبارهما من قيم بريطانيا، فإنه عليه الترويج لها في الداخل أولاً بأن "يتراجع عن الممارسات السلطوية التي تستخدم تشريعات النظام العام ومكافحة الإرهاب لقمع الاحتجاجات الداعمة للحقوق الفلسطينية".