سانشيز يلتقي تبون في الجزائر... 3 ملفات على طاولة النقاش
- مناقشات سياسية واقتصادية: تناولت المباحثات قضايا إقليمية ودولية مثل التوترات في الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية، مع التركيز على تعزيز التعاون الاقتصادي وزيادة تدفقات الغاز عبر ميدغاز.
- شراكة اقتصادية مستدامة: تسعى الجزائر وإسبانيا لتوقيع اتفاقيات جديدة وتشجيع الاستثمارات، مع التركيز على الطاقة والمشاريع العامة، مما يعكس رغبة البلدين في بناء علاقات متينة ومستدامة.
استقبل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، اليوم الاثنين، رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، الذي وصل إلى الجزائر في أول زيارة له منذ أكتوبر/تشرين الأول 2020، والأولى منذ الأزمة الدبلوماسية التي اندلعت بين البلدين في مارس/آذار 2022، قبل أن تبدأ العلاقات في التعافي منذ عام 2024 مع عودة السفير الجزائري إلى مدريد.
وأكد تبون، خلال اللقاء، ضرورة استئناف المفاوضات للتوصل إلى حل سياسي ينهي الحرب بين إيران والولايات المتحدة، مشدداً على أن أي حل يجب أن يراعي مصالح الدول العربية. وقال: "أكدت موقف الجزائر الذي يرى أن الحل لا يكون إلّا سياسياً وسلمياً، وفقاً لقواعد القانون الدولي. وهنا نحن ندعو إلى استئناف المفاوضات وإلى تغليب لغة الحوار"، مشدداً في الوقت نفسه على أنّ "أي حل يجب أن يأخذ بعين الاعتبار المصالح الحيوية للدول العربية".
وأوضح تبون أن مناقشاته مع سانشيز تناولت تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط، والتوتر المتزايد في منطقة الخليج وتداعياته على الأمن الغذائي والطاقوي العالمي، إضافة إلى القضية الفلسطينية، مشيداً بموقف مدريد، وقال: "عبرت لرئيس الحكومة عن الترحيب والارتياح لموقف الحكومة الإسبانية المشرف تجاه هذه القضية العادلة".
وخلال المؤتمر الصحافي المشترك، الاثنين، كشف الرئيس تبون أنه جرت خلال المباحثات السياسية مناقشة قضية الصحراء الغربية، من دون أن يقدم تفاصيل إضافية حول طبيعة هذه النقاشات أو تطورات الموقف بشأن هذه المسألة، التي كانت سبباً في أزمة دبلوماسية كبيرة بين البلدين في إبريل/نيسان 2022. كما بحث الجانبان تطورات الأوضاع في منطقة الساحل الأفريقي والأزمة الليبية. وقال تبون: "اتفقنا على مواصلة الحوار والتشاور، وعلى ضرورة دعم الجهود الأممية ومتعددة الأطراف لتغليب الحلول السلمية لهذه الأزمات والنزاعات، وفق ما يمليه القانون الدولي، ووفق الحقوق التي يضمنها ميثاق الأمم المتحدة".
وبعد أزمة سياسية حادة بين البلدين، تتجه الجزائر وإسبانيا، بمناسبة زيارة سانشيز، اليوم، إلى طي كامل للآثار المترتبة عن الأزمة السياسية الماضية، والتحول نحو خيار بناء شراكة سياسية واقتصادية، تعززها بعض العوامل ذات الصلة بالقرب الجغرافي والموقع المتوسطي، والمرونة الكبيرة في التعاون التجاري والطاقي، وضرورات التنسيق في مسائل محاربة المخدرات والهجرة السرية، إضافة إلى الموقف الإسباني الإيجابي من القضية الفلسطينية.
وأفادت الرئاسة الجزائرية بعقد تبون وسانشيز مباحثات ثنائية، وذلك بعد مراسم الاستقبال التي أقيمت للضيف الإسباني في قصر المرادية، كما استعرض تبون أيضاً مع رئيس الحكومة الإسباني مسيرة رؤساء الجزائر منذ الاستقلال. من جهته، تحدث بيان رئاسة الحكومة الجزائرية قبيل الزيارة عن "توسيع مجالات العمل الثنائي بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين والإرادة المشتركة للارتقاء بالعلاقات الثنائية وترسيخ الحوار والتنسيق بين البلدين".
تتجه الجزائر وإسبانيا إلى طي كامل للآثار المترتبة عن الأزمة السياسية الماضية
إسدال الستار على أزمة سياسية
وقالت مصادر في الحكومة الإسبانية لـ"العربي الجديد"، أمس الأحد، إن زيارة سانشيز تأتي في إطار مسار تدريجي لإسدال الستار على عامين من العلاقات السياسية والدبلوماسية الجافة بين إسبانيا والجزائر. وتوقعت المصادر نفسها أن ينجم عن الزيارة توقيع اتفاقيات مهمة، وأن تشكل نقطة تحوّل يفتح أفقاً جديداً أمام العلاقات الجزائرية الإسبانية.
ويرافق سانشيز إلى الجزائر وفد رفيع المستوى يضم وزراء وكبار مسؤولي الاقتصاد وشركات الطاقة في إسبانيا، لتكون هذه أول زيارة رسمية لرئيس الوزراء الإسباني إلى الجزائر منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2020. وقد بدأ مسار خفض التوترات بين البلدين في 2023 مع عودة السفير الجزائري عبد الفتاح دغموم إلى مدريد، بعد أزمة دبلوماسية تفجرت في 2022 على خلفية دعم خطة الحكم الذاتي التي اقترحتها الرباط آنذاك لحل نزاع الصحراء الغربية. تبعت ذلك زيارات إلى الجزائر لوزير الداخلية الإسباني فرناندو مارلاسكا، ووزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس في مارس/آذار الماضي. وكان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون قد أعلن على هامش زيارة ألباريس إلى العاصمة الجزائرية إعادة تفعيل المعاهدة الثنائية التي جمدت (معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون)، بعد تقارب المواقف بين البلدين، بما في ذلك الموقف الإسباني المؤيد للقضية الفلسطينية، والمصالح المشتركة في مجالات الطاقة والأمن والهجرة.
ويرافق سانشيز في زيارته إلى الجزائر، إلى جانب ألباريس، وزيرة التحول البيئي سارة آغيسن، لكن غالبية الوفد المرافق له طابع اقتصادي، إذ يشارك في الزيارة أربعة مدراء لشركات الطاقة الأبرز في إسبانيا، وهو ما يعكس الأهمية الكبيرة للجزائر في تغطية حاجات سوق الطاقة في إسبانيا، بالإضافة إلى رجال أعمال إسبان لديهم صلات اقتصادية وتجارية في الجزائر.
ويبرز هذا الحضور مسعى للعودة إلى نسق تبادل تجاري يشمل المواد الغذائية، ومنذ بدء تصحيح العلاقات بين البلدين، عاد مؤشر العلاقات التجارية الى الارتفاع التدريجي، ففي عام 2025، صدّرت إسبانيا سلعاً إلى الجزائر بقيمة 2.133 مليار يورو، ما يمثل زيادة بنسبة 270% مقارنةً بعام 2024، وفقاً لبيانات الخارجية الاسبانية.
وذكرت تقارير إعلامية في إسبانيا أن الهدف الأساس من الزيارة هو وضع إطار للتعاون، وتحديد مبادئ توجيهية سياسية تُناقش على أساسها الجوانب الفنية للعلاقات بين البلدين وبما يشجع الشركات الإسبانية على القيام بالاستثمارات التي تحتاجها الجزائر، وحث السلطات الجزائرية على ضمان حصول الشركات الإسبانية على أفضل فرص ممكنة للمشاركة في المناقصات العامة"، خاصة بعد قرار الرئيس تبون إعادة تفعيل معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون مع إسبانيا في مارس/ آذار الماضي بعد تجميدها ربيع 2022.
ونشرت صحيفة الباييس الإسبانية نقلاً عن مصادر في قصر مونكولو، مقر إقامة رئيس الحكومة الإسبانية، أن "الجزائر مورد موثوق للغاز، إذ لم تتخلف عن التزاماتها حتى في أسوأ لحظات الأزمة، لكنها تُقر بأن المفاوضات معقدة، حيث من الضروري الموازنة بين مصلحة الجزائر في تأمين أكبر قدر من الإمدادات وقدرة السوق الإسبانية على استيعابها"، مشيرة إلى أن سانشيز سيناقش مع المسؤولين في الجزائر "قضايا اقتصادية أخرى، مثل تأخيرات الدفع للشركات الإسبانية التي نفذت مشاريع أشغال عامة في الجزائر، ومناقشة مشاريع جديدة في قطاعات مثل إمدادات المياه والغذاء والسكك الحديدية والهندسة والدفاع".
زيارة ذات طابع اقتصادي
وفي السياق، قال الكاتب والمحلل الإسباني ريكاردو غوناليز لـ"العربي الجديد": "أعتقد أن الزيارة ذات طابع اقتصادي وسياسي بحت، يركز على مجالات التعاون والتفاهم بين البلدين، الجزائر بلد مهم بالنسبة إلى إسبانيا، وإسبانيا مهمة أيضاً بالنسبة للجزائر، التي تريد الاستمرار في الإفلات من الضغط الفرنسي السابق، وتسعى إلى تحرير اقتصادها وتنويعه بعيداً عن النفط والطاقة، وبالتالي هي بحاجة أكيدة إلى الخبرة والتكنولوجيا الإسبانية في عدة مجالات، كما أن مدريد يمكن أن تساعد الجزائر في مسألة مراجعة اتفاقات الشراكة مع الاتحاد الأوروبي برفقة ألمانيا وبلجيكا، ولذلك لا أعتقد أن تكون قضية الصحراء، التي وضعت الآن في سياق أممي جديد، محل نقاش بين الطرفين، لمنع عرقلة بناء شراكة بين البلدين".
الطاقة.. الملف الأبرز
ويعد ملف الطاقة الأبرز على طاولة النقاش الجزائري الإسباني، إذ يرافق سانشيز مسؤولو أربع من كبرى شركات الطاقة في إسبانيا، حيث تسعى مدريد إلى زيادة تدفقات الغاز الجزائري بنسبة 12% عبر الأنبوب البحري ميدغاز، أي من 28 مليون متر مكعب إلى 32 مليون متر مكعب، ما يعني الطاقة الاستيعابية القصوى للخط، واستخدام شحنات بحرية لوصول تدفقات إضافية، إذ تعد الجزائر المورد الرئيسي للغاز إلى إسبانيا في عام 2025، وتستحوذ على 35% من إجمالي الإمدادات.
وتزايدت أهمية الجزائر بالنسبة لإسبانيا في مجال الطاقة، ليس بسبب الحرب في الشرق الأوسط فحسب، ولكن أيضاً بسبب قلق إسباني من تداعيات المواقف السياسية المتقدمة التي أعلنتها الحكومة الاسبانية ضد الخيار الأميركي بالحرب على إيران ومواقفها التقدمية ضد إسرائيل، ورفضها السماح لواشنطن باستخدام القواعد الأميركية في هذه الحرب، ما قد يدفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى خفض إمدادات الطاقة إلى إسبانيا، حيث تحوز الولايات المتحدة على نسبة 39% من واردات الغاز إلى إسبانيا.
وتعد هذه الزيارة الأولى لبيدرو سانشيز منذ آخر زيارة له إلى الجزائر في أكتوبر 2020، حيث كانت العلاقات بين البلدين قد شهدت حالة قطيعة في مارس 2022، بعد إعلان مدريد دعمها خطة الحكم الذاتي المغربي في إقليم الصحراء المتنازع عليه بين الرباط وجبهة البوليساريو، نتج عنها سحب الجزائر سفيرها من مدريد لمدة 19 شهراً، وخفض تدفقات الغاز الجزائري إلى مدريد، وفرض قيود تجارية على الواردات من إسبانيا، حيث شهدت الصادرات الإسبانية إلى السوق الجزائرية انخفاضاً حاداً، خاصة بسبب تجميد الحكومة الجزائرية التوطين البنكي التجاري إلى إسبانيا.
وفي بداية عام 2024، بدأت الجزائر إعادة ترتيب علاقاتها مع مدريد بعد ما اعتبره الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مراجعة إسبانية لموقفها في قضية الصحراء، وتجسد هذا التحول الإيجابي في زيارة أولى لوزير الداخلية الجزائري السابق إبراهيم مراد إلى مدريد في فبراير/ شباط 2025، تلته زيارة وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا قوماز في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، ثم زيارة لوزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس في فبراير الماضي، للتحضير لزيارة سانشيز.