زيارة ساعر إلى أرض الصومال تكسر توازنات القرن الأفريقي
استمع إلى الملخص
- تسعى إسرائيل من خلال الزيارة إلى إعادة صياغة موازين القوى في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، مع التركيز على الأبعاد العسكرية والأمنية، مما يهدد المصالح الإقليمية.
- تعتبر حكومة أرض الصومال الزيارة خطوة نحو الاعتراف الدولي، بينما ترى مقديشو أنها تهدد الاستقرار، وتعمل الدول الإقليمية على دعم الصومال دبلوماسياً.
أثارت زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إلى إقليم أرض الصومال الانفصالي (صوماليلاند)، أول من أمس الثلاثاء، ردات فعل غاضبة وواسعة، إذ دانتها وزارة الخارجية الصومالية في بيان، معتبرة أنها تشكل "انتهاكاً جسيماً" لسيادة الصومال ووحدته وسلامة أراضيه، فيما أعلنت الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي عن عقد اجتماع استثنائي لمجلس وزراء الخارجية، بعد غدٍ السبت، لبحث التطورات "المتسارعة والخطيرة" التي تشهدها جمهورية الصومال الفيدرالية، عقب إعلان إسرائيل أنها ستعترف بسيادة أرض الصومال، وزيارة ساعر إلى الإقليم.
وأكدت وزارة الخارجية الصومالية في بيان، أول من أمس، أن أرض الصومال "جزء لا يتجزأ من أراضي جمهورية الصومال الفيدرالية المعترف بها دولياً"، وأن "أي وجود أو تواصل رسمي أو تعامل داخل الأراضي الصومالية من دون موافقة الحكومة الفيدرالية وتفويضها الصريح يعدّ غير قانوني وباطلاً ولاغياً"، ولا يترتب عليه أيّ أثر قانوني.
رامي أحمد: أي اتفاق في خليج عدن من شأنه أن يكرّس وجوداً إسرائيلياً له تبعات استخبارية وعسكرية كبيرة
وأضاف البيان أن الخطوة الإسرائيلية "تمثل تدخلاً غير مقبول في الشؤون الداخلية لدولة ذات سيادة عضو في الأمم المتحدة، وتتعارض مع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي، فضلاً عن القواعد المستقرة التي تحكم العلاقات بين الدول، وفي مقدمتها احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية"، داعية إسرائيل إلى "الوقف الفوري لجميع الأعمال التي تقوّض سيادة الصومال ووحدته وسلامة أراضيه، والالتزام الكامل بأحكام القانون الدولي". وأكدت التزام مقديشو بـ"الانخراط الدبلوماسي السلمي والامتثال لأحكام القانون الدولي، مع احتفاظها بحق اتخاذ جميع التدابير الدبلوماسية والقانونية المناسبة لصون سيادتها ووحدتها الوطنية".
وفي هذا السياق، حذّر وزير الخارجية الصومالي عبد السلام عبدي علي، في كلمة له خلال اجتماع افتراضي طارئ لمجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي أول من أمس، من أن "أي إجراءات من شأنها تقويض السلامة الإقليمية للصومال قد تشكل تهديداً للسلم والأمن في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر وخليج عدن، بما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الإقليمي، وجهود مكافحة الإرهاب، وأمن الملاحة البحرية".
وكان رئيس أرض الصومال عبد الرحمن محمد عبد الله قد نقل خلال مؤتمر صحافي مشترك مع ساعر في هرجيسا "تثمين" حكومة أرض الصومال لما وصفه بـ"القرار الشجاع" من قبل حكومة بنيامين نتنياهو (أعلن عنه في 26 ديسمبر/ كانون الأول الماضي)، معتبراً أن "هذه الخطوة تحمل أبعاداً دبلوماسية واقتصادية وتنموية واسعة، لا تنعكس آثارها على أرض الصومال فحسب، بل تمتد إلى منطقة القرن الأفريقي والعالم". وأوضح أن الاعتراف "يفتح الباب أمام فرص كبيرة في مجالات الاستثمار والتجارة والتكنولوجيا والطاقة والمياه والمعادن والزراعة، إضافة إلى تطوير البنية التحتية الاقتصادية"، علماً أن ساعر كشف أن رئيس أرض الصومال أبلغه بأنه قبل دعوة نتنياهو وسيقوم بزيارة رسمية إلى دولة الاحتلال.
زلزال سياسي
وتعليقاً على هذه التطورات، رأى الخبير والباحث الفلسطيني في الشؤون الإسرائيلية رامي أحمد، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن زيارة ساعر إلى أرض الصومال تمثل خطوة تتجاوز مجرد حدود الاعتراف الدبلوماسي، فهي تحمل خطورة استراتيجية كبيرة، إذ إن إسرائيل لا تسعى من خلال هذا الاعتراف إلى ترتيبات دبلوماسية فقط، بل تهدف إلى إعادة صياغة موازين القوى في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، مع التركيز على الأبعاد العسكرية والأمنية، وفق اعتباره. كما أن أي اتفاق في خليج عدن، وفق رأيه، وبالقرب من مضيق باب المندب، من شأنه أن يكرّس وجوداً إسرائيلياً له تبعات استخبارية وعسكرية كبيرة، إذ ينقل ساحة المواجهة من الدفاع عن المدن الإسرائيلية إلى مرحلة الرقابة والاشتباك المباشر قرب منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة الحوثية في اليمن. كما تسعى إسرائيل إلى تأسيس موقع استخباري متقدم يتيح لها متابعة التطورات الميدانية بشكل دقيق، بما في ذلك التحركات الإيرانية وحتى السعودية، وذلك عبر إنشاء منشآت دفاعية وقواعد للتنصت والرقابة البحرية، وفق رأي الباحث، كما ورد في وسائل الإعلام الإسرائيلية.
وأشار رامي أحمد إلى أن التحركات الإسرائيلية في المنطقة ترتبط أيضاً بخطوط الإمداد الحيوية في المحيط الهندي، ومحاولة مراقبة أي وصول محتمل للأسلحة أو الدعم للفصائل المعادية لتل أبيب. وفي الوقت ذاته، تعمل إسرائيل على بناء تحالفات مع كيانات وأطراف في العالم العربي لتخفيف الضغط عن جبهتها الداخلية، وخلق نقاط نفوذ في مناطق استراتيجية تؤثر على الأمن القومي العربي، مع التركيز على استهداف مصر والسعودية وتركيا وإيران، بحسب الخبير في الشؤون الإسرائيلية، لافتاً إلى أن هذه التحركات تحمل دلالات جيوسياسية مهمة، فهي تعيد رسم خريطة التحالفات في المنطقة، وتشكل زلزالاً دبلوماسياً يتجاوز حدود الإقليم، حيث تكسر خطوة الاعتراف بإقليم أرض الصومال الإجماع الدولي والإقليمي، وتفتح المجال أمام محاولات شرعنة التطبيع مقابل الاعتراف بالسيادة.
واعتبر رامي أحمد أن هناك "تشكّلاً لمحور جديد يجمع بين إسرائيل وإثيوبيا وأرض الصومال، حيث تبحث إثيوبيا عن منفذ بحري، وتسعى إسرائيل للحصول على قاعدة أمنية، بينما يسعى إقليم أرض الصومال إلى الحصول على شرعية دولية". ورأى أن هذا المحور يهدد المصالح المصرية في ملف مياه النيل وأمن البحر الأحمر".
دلالات الزيارة إلى أرض الصومال
وفي هذا السياق، اعتبر الباحث الصومالي عبد الله راغي، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن دلالات زيارة جدعون ساعر إلى أرض الصومال ترتبط ارتباطاً مباشراً بالآثار التي خلّفها قرار إسرائيل الاعتراف بالإقليم دولة مستقلة. وتُعد هذه الزيارة، وفق رأيه، تتويجاً لمسار بدأ سياسياً وينتقل اليوم إلى مستوى أكثر تشغيلية، في محاولة لتعميق علاقة لا تزال محدودة وقائمة على أرضية سياسية وأمنية هشّة، بحسب تعبيره. ولفت في هذا الإطار إلى أن الزيارة تُقرأ بوصفها تشغيلية بامتياز، إذ يُنظر إليها باعتبارها تمهيداً لمشهد لاحق يتمثل في توقيع اتفاقيات عسكرية واستخبارية وأمنية تهدف إلى تلبية احتياجات إسرائيلية بالغة الأهمية، لكنها في الوقت ذاته شديدة التعقيد وصعبة التنفيذ. ومن بين هذه الاحتياجات، البحث عن ترتيبات مرتبطة بقضية تهجير سكان غزة، بما في ذلك مسألة توطين أو استقبال الفلسطينيين، إضافة إلى السعي للحصول على موطئ قدم عسكري واستخباري على البحر الأحمر يتيح لإسرائيل التأثير في خطوط الملاحة الدولية، فضلاً عن إنشاء قواعد عسكرية تمكّن إسرائيل من خوض حروبها المستقبلية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، في مواجهة جماعة الحوثيين أو أطراف أخرى في اليمن.
وأشار راغي إلى أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب حضوراً إسرائيلياً مباشراً على الأرض، وهو ما يجعل هذه العلاقة محفوفة بتحديات سياسية وأمنية كبيرة، ليس فقط على مستوى الداخل الصومالي، بل على مستوى التوازنات الإقليمية الأوسع. إذ إن هذا المسار يساهم في عسكرة البحر الأحمر، ويعزز توجهاً يُنظر إليه باعتباره يتجاهل حقوق الشعب الفلسطيني، ما يضع إسرائيل وأرض الصومال، وفق الباحث، في مسار تصادمي مع دول محورية في الإقليم العربي والقرن الأفريقي، وفي مقدمتها السعودية ومصر.
وبحسب راغي، تنظر إدارة حكومة أرض الصومال إلى هذه الزيارة باعتبارها خطوة مفصلية في مساعيها لنيل الاعتراف الدولي، فهي تراها فاتحة لعلاقة استراتيجية مع إسرائيل يمكن أن تُستخدم بوابة لفتح قنوات مع دول أخرى، والانضمام إلى قائمة الدول التي تقيم علاقات رسمية مع تل أبيب. وبناء عليه، تعوّل إدارة أرض الصومال كثيراً على هذه العلاقة، وتراهن على هذه الزيارة تحديداً لإعادة تدوير علاقاتها الخارجية، وكسر عزلتها الدبلوماسية، وتهيئة المناخ الدولي لتحولات أوسع في وضعها السياسي، رغم ما يحمله هذا الخيار من مخاطر وتداعيات إقليمية معقّدة.
خيارات مقديشو
عبد الله راغي: المسار الحالي يضع إسرائيل وأرض الصومال في مسار تصادمي مع دول محورية في الإقليم
في هذا السياق، رأى مدير معهد الدبلوماسية والدراسات التابع لوزارة الخارجية الصومالية محمد جوري، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن التحرك الإسرائيلي تجاه إقليم أرض الصومال ينظر إليه بوصفه خطوة تتجاوز بعدها السياسي المباشر إلى إعادة فتح ملف حسّاس يتعلق بطبيعة الدولة الوطنية في القرن الأفريقي وبقواعد التعامل الدولي مع قضايا الانفصال. هذا التحرك لا ينعكس، بحسب رأيه، فقط على وحدة الصومال، بل يمتد أثره إلى البيئة الإقليمية بأكملها، حيث يهدّد بإعادة إنتاج مناخ عدم الاستقرار في منطقة تعاني أصلاً من هشاشة أمنية وتشابك مصالح دولية كثيفة، خصوصاً في الممرات البحرية الحيوية المرتبطة بالبحر الأحمر وخليج عدن. ومن زاوية بحثية، فإن مثل هذه الخطوات الأحادية، كما اعتبر جوري، تضعف مبدأ احترام السيادة الذي قام عليه النظام الأفريقي، وتفتح الباب أمام تدخلات خارجية قد يصعب احتواؤها لاحقاً.
وبحسب جوري، يمكن فهم التحركات المصرية والسعودية باعتبارها استجابة مدروسة لمخاوف أوسع من مجرد التضامن السياسي مع مقديشو، إذ إن مصر تنظر إلى الصومال بوصف هذا البلد جزءاً من عمقها الاستراتيجي في أفريقيا، وترى أن أي تغيير قسري أو غير توافقي في وضعه القانوني سيترك انعكاسات مباشرة على أمن البحر الأحمر والتوازنات الإقليمية. أما السعودية فتتعامل، وفق جوري، مع الملف بحذر محسوب، منطلقة من حرصها على استقرار الممرات البحرية وحماية أمن الطاقة والتجارة، مفضلة العمل عبر الأطر العربية الجماعية لتفادي تصعيد قد يفتح جبهات جديدة في منطقة شديدة الحساسية. هذا التقاطع في المواقف، رغم اختلاف الأساليب، كما قال، يمنح الصومال هامش دعم مهماً يمكن توظيفه دبلوماسياً إذا أُحسن استخدامه.
وحول مواقف الدول الإقليمية والمنظمات العربية، قال جوري أيضاً إن مواقف الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية تكتسب أهمية خاصة لأنها تنقل القضية من إطارها الثنائي إلى مستوى جماعي. وأوضح في هذا الإطار أن الاتحاد الأفريقي، برفضه أي اعتراف يتجاوز الدولة الأم، يعيد التأكيد على أحد ثوابته التاريخية المتمثلة في حماية الحدود الموروثة ومنع تفكك الدول، وهو ما يمنح الموقف الصومالي سنداً قارياً يصعب تجاهله، فيما تضيف الجامعة العربية بدورها بعداً سياسياً ومعنوياً، إذ تؤكد أن وحدة الصومال ليست شأناً داخلياً معزولاً، بل مسألة ترتبط بالأمن العربي في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، ما يعزز قدرة مقديشو على التحرك ضمن كتلة أوسع في المحافل الدولية.
وفي ما يتعلق بخيارات الحكومة الصومالية تجاه إسرائيل، رأى جوري أن المقاربة الأكثر اتزاناً تكمن في الجمع بين الصرامة المبدئية والمرونة الدبلوماسية. فمن جهة، وفق رأيه، يجب تثبيت الرفض الواضح لأي مساس بالسيادة ووحدة الأراضي، وتحويل القضية إلى مسألة قانون دولي تحظى بدعم أفريقي وعربي واسع. ومن جهة أخرى، من الحكمة الإبقاء على قنوات التواصل الدبلوماسي مفتوحة، ليس من باب التنازل، بل لتفادي الانزلاق نحو عزلة سياسية أو تصعيد غير محسوب، كما اعتبر أنه بهذه المقاربة المتوازنة يستطيع الصومال أن يحافظ على ثوابته الوطنية وفي الوقت ذاته يتصرف بوصفه دولة مسؤولة تدرك تعقيدات البيئة الدولية وتتحرك فيها بعقلانية وهدوء.
وأعلنت الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي، أمس، عن عقد اجتماع استثنائي لمجلس وزراء الخارجية، السبت، لبحث "التطورات المتسارعة والخطيرة" التي تشهدها جمهورية الصومال الفيدرالية، وبلورة موقف إسلامي موحد إزاءها.