زهران ممداني عمدة لنيويورك: تحدي إدارة المدينة الأميركية الأكبر
استمع إلى الملخص
- يواجه ممداني تحديات كبيرة، منها مواجهة سياسات ترامب المحتملة وضغوط تحقيق وعوده الانتخابية، بالإضافة إلى معارضة داخل حزبه بسبب مواقفه من إسرائيل واستقطاب مرشحين شباب يساريين.
- سياسات ممداني الطموحة، مثل فرض ضرائب على الأثرياء، تثير قلق رجال الأعمال، مما يتطلب دعماً من الحاكمة ومشرعي الولاية لتنفيذ مقترحاته، وقد يؤدي فوزه إلى استقطاب مرشحين شباب وطنيًا.
يتجاوز فوز زهران ممداني
بمنصب عمدة نيويورك، حدث أنه أول مسلم يتولى رئاسة بلدية أكبر مدينة في الولايات المتحدة وأنه أصغر شخص يتولى هذا المنصب على الإطلاق (34 عاماً)، فهذا الفوز يهيئ لمواجهة محتملة بينه وبين الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي حرص على مدار أيام قبل الانتخابات التي جرت أمس الأول الثلاثاء، على مهاجمته ووصفه بـ"الشيوعي"، مهدداً بقطع التمويل عن المدينة رداً على صعوده. لكن المرشح الفائز لم يتأخر بالرد، مشيراً إلى أن مدينة نيويورك التي شهدت صعود الرئيس الجمهوري تُظهر كيف يمكن أن تهزمه. كما أن نكسة نيويورك لم تكن الوحيدة لترامب، بل رافقها انتصار الديمقراطيين في نيوجيرسي وفيرجينيا على مستوى حاكمي الولايتين، إضافة إلى انتصارات أخرى في معارك انتخابية للديمقراطيين، جعلت استحقاق الثلاثاء بمنزلة مقياس لرد فعل الناخبين الأميركيين على فترة الأشهر التسعة التي قضاها ترامب في الحكم وأظهرت موجة شعبية ضده. لكن ممداني لم ينتصر فقط بمواجهة الرئيس، بل أيضاً ضد بعض الديمقراطيين في الحزب الذين رفضوا دعمه، بل وقفوا ضده ودعموا خصمه الديمقراطي الذي ترشح بشكل مستقل أندرو كومو، ليمثّل الصعود غير المتوقع لممداني دليلاً لأنصار الحزب الديمقراطي الذين يدعون إلى تبني مرشحين أكثر تقدمية ويسارية، بدلاً من دعم الوسطيين، علماً أن المرشح الفائز استطاع تأسيس شعبية كبيرة بين الشباب، وتمكّن من إعادة عدد كبير من الأشخاص الذين ابتعدوا عن السياسة، بحسب مراقبين لهذه الانتخابات، علماً أن مليوني ناخب شاركوا في سباق رئاسة بلدية نيويورك وهي المرة الأولى التي يُصوّت فيها مليونا نيويوركي في انتخابات محلية منذ عام 1969.تحديات كبيرة أمام زهران ممداني
ومع تسلم زهران ممداني منصبه في الأول من يناير/كانون الثاني المقبل، ستكون أمامه تحديات عديدة، تبدأ بالمواجهة المباشرة مع ترامب والقرارات التي قد يتخذها الأخير ضد نيويورك لإفشال ممداني، فيما العمدة الجديد سيواجه ضغوطاً لتحقيق بعض وعوده الرئيسية، ولا سيما خفض الأكلاف في المدينة على أهلها. كذلك من المتوقع أن يبقى بعض الديمقراطيين مشككين فيه ومترددين في قبوله، خصوصاً لجهة مواجهة من إسرائيل، وإمكان دفعه نحو استقطاب مرشحين شباب للحزب ذوي ميول يسارية قد يهددون شاغلي المناصب من الحزب الحاليين.
وفور اتضاح فوز زهران ممداني (34 عاماً) بمنصب عمدة نيويورك بمواجهة حاكم الولاية السابق أندرو كومو والجمهوري كورتيس سليوا، أعلن ممداني أن فوزه يظهر الطريق لهزيمة ترامب. وقال ممداني إن فوزه يمثل انتصار "الأمل على الطغيان"، مؤكداً أن "نيويورك ستكون النور في هذا الوقت من الظلام السياسي". ووصف ممداني الرئيس الأميركي بـ"المستبد"، مندداً بسياسته المعادية للهجرة والتي شهدت حملات توقيف اتسمت أحياناً بالعنف. وأكد متوجهاً مباشرة إلى ترامب أن "نيويورك ستبقى مدينة المهاجرين، مدينة قام ببنائها المهاجرون، ويدعمها المهاجرون، وابتداء من الليلة، يقودها مهاجر". وأضاف: "لذلك اسمعني أيها الرئيس ترامب عندما أقول، لكي تصل إلى أيّ منا، يجب أن تتجاوزنا جميعاً"، مضيفاً أنه "إذا كان هناك من يستطيع أن يظهر لأمة خانها دونالد ترامب كيف تهزمه، فهي المدينة التي شهدت صعوده". وبعدما دعا ترامب الناخبين اليهود إلى عدم التصويت لصالح المرشح المناصر للقضية الفلسطينية، أكد ممداني "سنبني بلدية لا تتوانى في مكافحة آفة معاداة السامية، وحيث يعلم أكثر من مليون مسلم أنهم ينتمون إليها".
ممداني: إذا كان هناك من يستطيع أن يظهر لأمة خانها دونالد ترامب كيف تهزمه، فهي المدينة التي شهدت صعوده
وكان ترامب قد بذل جهوداً لثني سكان نيويورك عن التصويت لممداني، ومنها التوجّه إلى الناخبين اليهود لمنع وصول المرشح المسلم إلى منصب العمدة. وكتب الرئيس الأميركي على منصته تروث سوشال "أي شخص يهودي يصوّت لزهران ممداني... هو شخص غبي!"، مضيفاً أن ممداني "يكره اليهود". كما أعلن ترامب قبيل الانتخابات دعمه كومو، قائلاً عبر منصته: "سواء يعجبك أندرو كومو أم لا، فلا خيار أمامك حقاً. يجب أن تصوّت له وتأمل في أن يقوم بعمل رائع. فهو قادر على ذلك، وممداني ليس كذلك!". وكتب ترامب: "إذا فاز المرشح الشيوعي زهران ممداني في الانتخابات لمنصب رئيس بلدية مدينة نيويورك، فمن غير المرجح أن أساهم بأموال اتحادية غير الحد الأدنى المطلوب". ومن المقرر أن تقدم الحكومة الاتحادية 7.4 مليارات دولار لمدينة نيويورك في السنة المالية 2026، أو حوالي 6.4% من إجمالي إنفاق المدينة، وفقاً لتقرير صادر عن المراقب المالي لولاية نيويورك. من جهته، قال أندرو كومو "إذا أصبح زهران ممداني رئيس بلدية نيويورك، فسيقضي عليه ترامب بسرعة".
وبعد اتضاح نتيجة الانتخابات، اعتبر ترامب على منصّته تروث سوشال أن الانتكاسات الانتخابية التي مني بها حزبه في العديد من الانتخابات المحلية، كانت بسبب الإغلاق الحكومي الذي أصبح الأطول في التاريخ. وكتب "لم يكن ترامب على ورقة الاقتراع، والإغلاق الحكومي هما السببان وراء خسارة الجمهوريين الانتخابات الليلة، وفقاً لخبراء استطلاعات الرأي".
هدف لداعمي لإسرائيل
وكان زهران ممداني دائماً هدفاً للهجمات بسبب مواقفه من إسرائيل والحرب في غزة، لكنه لم يتراجع عنها، مؤكداً في الوقت نفسه خلال حملته رفضه القاطع لمعاداة السامية وسعيه لطمأنة المجتمع اليهودي. وبقي ممداني، الذي فاز في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في يونيو/حزيران الماضي، متصدراً استطلاعات الرأي، حتى بعد انسحاب رئيس البلدية المنتهية ولايته إريك آدامز من السباق الذي دعا إلى التصويت لأندرو كومو. وجعل ممداني المولود في أوغندا والذي وصل إلى الولايات المتحدة في سن السابعة وحصل على الجنسية الأميركية عام 2018، من النضال ضد ارتفاع تكاليف المعيشة محور حملته. ورغم أن ترامب وصفه بأنه "شيوعي"، تتوافق طروح ممداني (خصوصاً بشأن ضبط الإيجارات ومجانية حافلات النقل ودور الحضانة) أكثرَ مع المبادئ الديمقراطية الاشتراكية.
واجه ممداني حتى داخل حزبه الديمقراطي، معارضة من بعض الشخصيات، منهم زعيم أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين تشاك شومر الذي لم يعلن تأييده له، كما أن زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب حكيم جيفريز، انتظر حتى الأسابيع الأخيرة من السباق لتأييد ممداني، علماً أن جيفريز رحب أمس بفوز ممداني وقال عبر "إكس": "لقد عاد الحزب الديمقراطي". فيما وصفته لورا جيلين، وهي ديمقراطية في مجلس النواب من نيويورك، بأنه "غير مؤهل" بعد رفضه القول إن "حماس" يجب أن تنزع سلاحها.
واجه ممداني حتى داخل حزبه الديمقراطي، معارضة من بعض الشخصيات، منهم تشاك شومر الذي لم يعلن تأييده له
ومثّل فوز زهران ممداني لحظة خاصة لعضو مجلس النواب الأميركي السابقة كوري بوش، والتي أشارت في تصريحات لـ"العربي الجديد"، إلى أن هذه اللحظة تعني الكثير للمجتمع الذي تحمّل الكثير من التعصب والكراهية والإبادة الجماعية التي تشهدها غزة، وقالت: "رأينا للتو النصر الذي كنا ننتظره جميعاً. زهران ممداني عمدة نيويورك. العالم مختلف الآن". كما ذكرت أن هذا النصر "يعني الكثير للاشتراكيين الديمقراطيين"، وأيضا لهؤلاء "الذين يواجهون صعوبة في دفع الإيجار ومن يستقلون وسائل النقل العامة ومن يحتاجون إلى المساعدة"، وقالت "يمكننا الفوز ويمكننا إحداث تغيير".
وقالت النائبة عن نيويورك، ألكساندريا أوكاسيو كورتيز، على شبكة سي أن أن الأميركية من حفل فوز ممداني: "إنها ليست مجرد رسالة عن الديمقراطيين؛ إنها رسالة عن بلدنا بأكمله. أعتقد أن الأميركيين مَذهولون مما يرونه من هذه الإدارة". من جهتها، أشارت الأميركية كيتي كوريال، في تصريحات خاصة لـ"العربي الجديد"، إلى لحظة الفرح التي يمثلها ممداني وقارنتها بالوقت الصعب تحت ظل إدارة ترامب، وقالت "لقد تم قمعنا، وسلب حقوقنا ونحن نرى تجربة الديمقراطية تنهار ببطء، تجربة الديمقراطية التي عرفناها... والضوء الذي لدينا في جميع أنحاء البلاد صار أصغر وأصغر". ووصفت ما يمثله فوز ممداني بأنه ليس مجرد أنه عمدة مدينة نيويورك، وليس فقط أنه مرشح ديمقراطي، وإنما أنه "يعيد حرفياً الأمل إلى الولايات، يعيد الحياة".
فيما قال آندي شلال، أحد أعضاء حملة ممداني من مدينة نيويورك، في اتصال هاتفي مع "العربي الجديد"، إنه "من الواضح أن هذه الليلة تمثل بداية حقبة جديدة للحزب الديمقراطي حيث نقف في وجه المصالح الخاصة مثل إيباك"، مضيفاً "هناك أمران يحتاج الديمقراطيون إلى تعلمهما من هذه الليلة أولهما قوة الاستماع إلى الناخبين وسؤالهم عما يمكن القيام به من أجلهم، وثانيهما إخبارهم بناء على ذلك بخططك، والوقوف في وجه المصالح الخاصة". بينما قال مقدم البرامج والذي يخطط للترشح في الانتخابات بالعاصمة كيمون فريمان، إن فوز ممداني "مظهر من مظاهر أننا نعيش في ثورة حقيقية"، وانتقد في تصريحات لـ"العربي الجديد"، سيطرة المال السياسي والشركات على أعضاء الكونغرس، لكنه أشار إلى أن حركة إيباك المؤيدة لإسرائيل "تمتلك وحدها أكثر من نصف الكونغرس"، وقال "فاز ممداني مناهضاً للصهيونية في أكثر المدن الصهيونية.. لذا هذا هو الهراء الذي تم تغييره".
أما مريم، وهي ناشطة ومتطوعة تقدمية، فقالت لـ"العربي الجديد": "تحدث ممداني دائماً عن المضطهدين والمهمشين ومن أجل الحقوق والعدالة الاجتماعية ليس فقط لسكان نيويورك، بل لمن يكافح ويعاني ويحتاج إلى مستقبل أفضل بأسعار معقولة"، مضيفة أن ممداني يمكنه تغيير الحزب الديمقراطي نفسه لأنه عمل من أجل المساواة والعدالة والجميع. وفي قراءة لفوز ممداني، قال الخبير في العلوم السياسية، كوستاس بانايوبولوس، لوكالة فرانس برس إن ممداني الذي يتمتع بشعبية كبيرة بين الشباب، تمكّن من إعادة عدد كبير من الأشخاص الذين ابتعدوا عن السياسة وهم "ناخبون محبطون من الوضع الراهن يبحثون عن شخصيات جديدة". وفي مؤشر على أن حملة ممداني أثارت حماسة العديد من الناخبين، أفاد مجلس الانتخابات بأنه أُدليَ بأكثر من مليوني صوت بما يشمل التصويت المبكر في أنحاء المدينة، وهو أكبر عدد من الأصوات في سباق على منصب رئيس البلدية منذ عام 1969 على الأقل.
دعم مطلوب
زهران ممداني الذي يدعو إلى فرض ضرائب على الشركات والأثرياء لدفع تكاليف السياسات الطموحة له مثل تجميد الإيجارات ورعاية الأطفال المجانية والحافلات المجانية، ورفع الحد الأدنى للأجور من 16.50 دولاراً إلى 30 دولاراً في الساعة بحلول عام 2030، وإنشاء متاجر بقالة مملوكة للمدينة تشتري وتبيع بأسعار الجملة، كان قد أثار الغضب أيضاً لدى رجال أعمال ومتمولين، وعبّر مديرون تنفيذيون في وول ستريت عن قلقهم من وضع اشتراكي ديمقراطي على رأس العاصمة المالية للعالم. وسُيشرف ممداني على مدينة بميزانية تقارب 116 مليار دولار، وقوة عاملة تزيد عن 300 ألف موظف، وعدد سكان يزيد عن 8 ملايين نسمة. ووفق محللين وخبراء، فإن الشاب الذي يتولى منصبه بخبرة محدودة في الحكومة سيواجه تحدياً كبيراً في إدارة المدينة. وستتطلب العديد من مقترحاته دعماً من الحاكمة الديمقراطية كاثي هوشول، ومشرعي الولاية، ومجلس المدينة. بالإضافة إلى إيجاد طريقة لتمويل الخطط، سيحتاج ممداني إلى فريق عمل قادر على تنفيذ سياساته والحصول على دعم قادة الأعمال والمنظمات غير الربحية والسياسيين في المدينة والولاية. وستتطلب مخططات ممداني جمع 9 مليارات دولار من الإيرادات الجديدة من خلال زيادة ضرائب الدخل على الأثرياء وضرائب الشركات على الشركات موافقة من حاكمة المدينة والمسؤولين فيها، علماً أن هوشول كانت قد أعلنت أنها تعارض زيادة الضرائب.
ممداني سيواجه ضغوطاً لإثبات قدرته على العمل مع الحاكم والهيئة التشريعية للولاية بسرعة لتحقيق بعض وعوده الرئيسية
وقال باسل سميكل، الخبير الاستراتيجي الديمقراطي الذي شغل سابقاً منصب المدير التنفيذي للحزب الديمقراطي في ولاية نيويورك، لصحيفة واشنطن بوست، إن ممداني سيواجه ضغوطاً لإثبات قدرته على العمل مع الحاكم والهيئة التشريعية للولاية بسرعة لتحقيق بعض وعوده الرئيسية، مثل رعاية الأطفال الشاملة. وأضاف سميكل: "سيحتاج إلى بعض الانتصارات المبكرة... ليس فقط لوضع السياسة، بل أيضاً لتكوين رواية تُثبت أنه مفاوض بارع، ويمكنه إقناع الحاكم والهيئة التشريعية بما يريد القيام به في المدينة". ولفت إلى أن بعض الديمقراطيين، على المدى القصير على الأقل، سيظلون متشككين في ممداني ومترددين في قبوله، إذ يرون كيف يتعامل مع بعض القضايا الشائكة، مثل مواقفه من إسرائيل. وأضاف أنه يتوقع أن يكون لفوز ممداني تداعيات وطنية، من شأنها أن تؤدي إلى استقطاب مرشحين شباب ذوي ميول يسارية، قادرين على تحدي شاغلي المناصب الديمقراطية الحاليين.
في الانعكاسات السياسية أيضاً لانتخابات الثلاثاء، أنها تأتي مقياساً لرد فعل الناخبين الأميركيين على فترة الأشهر التسعة التي قضاها ترامب في الحكم، وذلك قبل نحو سنة من انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، عندما ستكون السيطرة على الكونغرس على المحك. ونجح الديمقراطيون في حصد مواقع هامة وبفوارق نسبية عالية، أبرزها حاكم ولاية فيرجينيا الذي كان يشغله جمهوري بفوز الديمقراطية أبيغيل سبانبرغر بفارق 15%، وأيضاً المدعي العام في هذه الولاية بفارق حوالي 7% ضد مرشح جمهوري دعمه البيت الأبيض. ثم منصب حاكم ولاية نيوجيرسي التي فازت بها الديمقراطية ميكي شيريل على منافسها الجمهوري بـ13% من الأصوات.