روسيا تترقب بهدوء عقوبات ترامب ولا تنوي إنهاء حرب أوكرانيا

موسكو
AA57C697-9636-44B1-8EB4-8BAD8E26A738
رامي القليوبي
مراسل "العربي الجديد" في روسيا
01 اغسطس 2025   |  آخر تحديث: 04 أغسطس 2025 - 00:52 (توقيت القدس)
hj
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- التوترات بين الولايات المتحدة وروسيا تتصاعد مع تهديدات ترامب بفرض رسوم جمركية على مشتري الطاقة الروسية، بينما تواصل روسيا تقدمها العسكري في أوكرانيا.
- روسيا تتابع تصريحات ترامب دون قلق، حيث يشكك الخبراء في قدرته على تنفيذ تهديداته، ويعتبرونها موجهة للجمهور الأميركي الداخلي.
- ترامب ينأى بنفسه عن حرب أوكرانيا، مشيرًا إلى أنها حرب بايدن، ويستخدم التهديدات كأداة ضغط، مع احتمالية لقاء مستقبلي مع بوتين في الصين.

مع استمرار العد التنازلي لانقضاء المهلة البالغة عشرة أيام والتي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء حرب أوكرانيا وتُحسب اعتبارا من تاريخ 29 يوليو/تموز الماضي، لا تبدو روسيا متخوفة من تحقيق سيد البيت الأبيض وعيده بفرض رسوم تصل إلى 100% على مشتري موارد الطاقة الروسية، وفي مقدمتهم الصين والهند اللتان تعتمد عليهما موسكو ملاذاً بديلاً لصادراتها النفطية بعد إغلاق السوق الأوروبية.

كما لم يُفضِ بدء العد التنازلي لفرض رسوم ترامب إلى تبلور أي بوادر لإنهاء حرب أوكرانيا أو تجميد النزاع على الأقل، إذ تواصل روسيا تقدمها على الأرض، معلنة أمس الخميس، عن إحكام السيطرة على مدينة تشاسيف يار الواقعة في مقاطعة دونيتسك التي ضمت روسيا في عام 2022 تحت مسمى "جمهورية دونيتسك الشعبية"، رغم نفي المتحدث باسم "مجموعة القوات الاستراتيجية العملياتية خورتيستيا" فيكتور تريغوبوف في حديثٍ لوكالة فرانس برس ذلك أمس الخميس، مشيراً إلى أنه ينصح دائماً "بعدم اعتبار وزارة الدفاع الروسية مصدراً للمعلومات. إنهم ببساطة يكذبون بشكل ممنهج، وجعلنا نعلق على أكاذيبهم الأخيرة في كل مرة أمر خاطئ". وتقع مدينة تشاسيف يار على بعد نحو عشرة كيلومترات غربي مدينة باخموت التي ذاع صيتها عالميا في مايو/أيار 2023 بعد سيطرة القوات الروسية عليها مدعومة بعناصر شركة فاغنر العسكرية الخاصة. وتكمن الأهمية الاستراتيجية لتشاسيف يار في أنها تفتح أمام القوات الروسية الطريق نحو مدينة كراماتورسك وغيرها من المدن الهامة في مقاطعة دونيتسك.


كيريل كوتيش: لا يجوز استبعاد احتمال أن ترامب يناور لتبرئة نفسه من اتهامات تخليه عن أوكرانيا

روسيا ومهلة ترامب بشأن حرب أوكرانيا

قبل إعلان ترامب عن تاريخ بدء احتساب المهلة بساعات عدة، أكد المتحدث الرسمي باسم الرئاسة الروسية، دميتري بيسكوف، أول من أمس الأربعاء، أن الكرملين "أخذ علماً" بتصريح ترامب بأنه يقلّص المهلة لإنهاء حرب أوكرانيا من 50 يوماً إلى عشرة أيام، مضيفاً في تصريحات صحافية أن روسيا لا تزال منحازة لـ"العملية السلمية لتسوية النزاع حول أوكرانيا وضمان مصالحنا في إطار هذه التسوية". وفي اليوم التالي لإعلان ترامب، جدد بيسكوف التأكيد أن روسيا ترصد تصريحاته، مشيراً إلى أن موسكو اكتسبت مناعة في وجه العقوبات. وقال: "نعيش منذ فترة طويلة تحت مفعول عدد هائل من العقوبات، ويعمل اقتصادنا تحت وطأة كم هائل من القيود. لذلك قد اكتسبنا، بالطبع، نوعا من المناعة. نواصل رصد التصريحات الصادرة عن الرئيس ترامب وغيره من الممثلين الدوليين بهذا الخصوص".

وتعليقاً على وعيد ترامب بتفعيل الرسوم الجمركية على شركاء روسيا، شكك الأستاذ المساعد في قسم النظرية السياسية في معهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية، كيريل كوكتيش، في قدرته على تنفيذ تهديداته على أرض الواقع نظراً لعدم واقعية فرض الاستغناء عن النفط الروسي على دولة كبرى مثل الصين، معتبراً أن التصريحات شديدة اللهجة حيال روسيا موجهة بالدرجة الأولى إلى الجمهور في الداخل الأميركي. وقال كوكتيش في حديث لـ"العربي الجديد": "لا ينبع تقليص ترامب المهلة لإنهاء حرب أوكرانيا بالضرورة من دوافع التصعيد مع روسيا، بل قد يشكل أيضاً محاولة لاستثمار ضعف موقف (الرئيس الأوكراني فولوديمير) زيلينسكي بعد الاحتجاجات الأخيرة الرافضة للحد من صلاحيات جهات مكافحة الفساد (يومي 24 و25 يوليو الماضي)، وذلك لفرض التسوية بشروط مُرضية للجميع. كذلك لا يجوز استبعاد الاحتمال أن ترامب يجري مناورة كلامية لتبرئة نفسه من الاتهامات بأنه تخلى عن أوكرانيا". وشكك كوكتيش في فاعلية الرسوم الجمركية المرتفعة على مشتري النفط الروسي، مضيفاً: "من الواضح أن الولايات المتحدة غير مستعدة لفرض عقوبات جدية على الصين نظراً للترابط الوثيق بين الاقتصادين الأميركي والصيني. فرض الرسوم أو العقوبات على الهند وحدها لن يبدو منطقياً، بل سيعزز التكامل داخل مجموعة بريكس. أما روسيا، فلن تتضرر من العقوبات بأي شكل من الأشكال في ظل تراجع حجم تجارتها البينية مع الولايات المتحدة إلى أدنى مستوى".

من جهته، قلل مدير مكتب التحليل بمشروع "سونار 2050" المعني بعمليات التكامل في فضاء الاتحاد السوفييتي السابق، إيفان ليزان، هو الآخر من أهمية تقليص ترامب المهلة لإنهاء حرب أوكرانيا من 50 يوماً إلى عشرة أيام، قائلاً في حديث لـ"العربي الجديد": "تصريحات ترامب وأعماله لا معنى لها، لأنه غير قابل للتنبؤ. قد تم استنفاد الأدوات ذات المفعول الحقيقي على روسيا من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في عهد الرئيس السابق، جو بايدن، بينما يستبدل ترامب العقوبات بالرسوم الجمركية، ولكن لها نفس المفعول، ومدة المهلة لا معنى لها، لأن الإنذارات لن تثني روسيا عن مواصلة العملية العسكرية في أوكرانيا". وجزم ليزان أن إنذارات ترامب لا تستهدف روسيا في حد ذاتها، مضيفاً أن "الإنذار ليس موجهاً إلى روسيا والصين بقدر ما هو موجه إلى الهند التي ستخضع مرة أخرى لاختبار لقدرتها على انتهاج سياسات مستقلة". وذكر أن نيودلهي اجتازت في المرات السابقة مثل هذا الاختبار وواصلت شراء النفط الروسي.

بدورها، اعتبرت صحيفة "نيزافيسيمايا غازيتا" الروسية أن تزامن تغيير ترامب من لهجته حيال روسيا مع الانفراجة في الاتفاق التجاري بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، يعكس ترسخ قناعته بأن رفع التعريفات الجمركية هو "سلاح يمكن بواسطته تحقيق أي نتيجة مرجوة". ومنذ إعلان ترامب عن مهلة الـ50 يوماً لإنهاء حرب أوكرانيا هيمنت تقديرات متفائلة على قراءات الخبراء والمحللين السياسيين الروس الذين رأوا في المهلة أداة للتهديد أكثر منها نيات حقيقية، إذ نقلت صحيفة "إر بي كا" الروسية عن كبير الباحثين بمعهد البحوث الدولية بمعهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية، نيكولاي سيلايف، قوله: "لا يمكن القول إننا على عتبة تصعيد جديد، إذ لم يعرب ترامب عن دعمه لمشروع قانون العقوبات الجارية مناقشته في الكونغرس، بل يتحدث عن فرض رسوم جمركية بنسبة 100% بموجب مرسوم رئاسي كما هو الحال حالياً. وبذلك يسعى للنأي بنفسه عن مشروع القانون". وأضاف سيلايف أن ترامب "من جهة لا يريد العودة إلى المواجهة مع روسيا على غرار عهد بايدن، ولكنه لا يتمنى من جهة أخرى هزيمة أوكرانيا أو القبول بالشروط الروسية لوقف إطلاق النار، لأن ذلك قد يُفسّر على أنه هزيمة الولايات المتحدة وهزيمته هو بشخصه. يردد ترامب في كل مرة أن هذه حرب بايدن، ولكن مع مرور الزمن تصبح هي حربه هو أيضاً".


نيكولاي سيلايف: لا يتمنى ترامب هزيمة أوكرانيا أو القبول بالشروط الروسية لوقف إطلاق النار

ترامب لن يعاكس التيار

من جهته، ذكّر رئيس تحرير مجلة "روسيا في السياسة العالمية"، فيودور لوكيانوف، أن ترامب يردد منذ عدة أشهر عبارات من قبيل "هذه ليست حربي، وإنما حرب بايدن، وإذا كنت في موقعه لما اندلعت من أساسها". وفي مقال له بصحيفة "روسيسكايا غازيتا" الرسمية الروسية، لفت لوكيانوف إلى أن "سمعة ترامب كأول رئيس منذ فترة طويلة دخل إلى البيت الأبيض ولم يبدأ أي حروب لا تنبع من حبه الفطري للسلام، وإنما انطلاقاً من رؤيته للمصالح الوطنية والدبلوماسية أو فن الصفقات وفق مصطلحاته، النابعة من مسيرته في قطاع الأعمال". وأضاف لوكيانوف أن "ترامب أحدث خلال نصف عام حالة من البلبلة في الأجواء الدولية رغم التقدم المتواضع في تحقيق الأهداف، ولكن الرئيس يلتزم بالدرس الذي استخلصه أيام شبابه، ومفاده (مهما حدث أشهرْ نجاحاً كبيراً ولا تعترف بالهزيمة أبداً)". وتساءل ما إذا كان ترامب الذي أثار رعب الإستبلشمنت في ولايتيه الأولى (2017 ـ 2012) والثانية (بدأت في 20 يناير/كانون الثاني الحالي)، سياسياً "غير نظامي" حقاً وقادراً على تغيير مجرى التطورات السياسية. وتابع أن "ترامب لن يسير عكس التيار الرئيسي"، وخلص إلى أن المرحلة الأولى من التفاعل بين ترامب وروسيا التي استمرت لنصف عام "انتهت بلا نتيجة".

بذلك تتجنب روسيا توجيه انتقادات لاذعة صريحة إلى ترامب سواء على لسان المسؤولين أو المحللين السياسيين المقربين من الكرملين، حتى بعد وعيده بفرض عقوبات ورسوم جمركية، مع الاكتفاء بتسويق أفكار من قبيل أن "ترامب يريد إنهاء حرب أوكرانيا ولكن الدولة العميقة الأميركية لا تسمح له بذلك". وفي مؤشر آخر لترك روسيا الباب موارباً أمام الحوار مع ترامب، لم يستبعد بيسكوف في وقت سابق احتمال لقاء الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين وترامب في الصين، في حال تزامن توقيت زيارتيهما لحضور الاحتفالات بذكرى مرور 80 عاما على استسلام اليابان في الحرب العالمية الثانية (1939-1945) في بداية سبتمبر/أيلول المقبل. وفي حال صدقت التوقعات بانعقاد لقاء بوتين وترامب، فهذا سيكون أول لقاء من نوعه منذ قمة بوتين وبايدن في جنيف في منتصف عام 2021.

ذات صلة

الصورة
بولت خلال تظاهرة في فيرفورد، بريطانيا، 26 إبريل 2026 (العربي الجديد)

سياسة

لم تستبعد الأمينة العامة لـ"حملة نزع السلاح النووي" صوفي بولت في مقابلة مع "العربي الجديد" إمكانية أن تستخدم إسرائيل السلاح النووي بعد جرائم الإبادة في غزة.