- إدارة ترامب اتخذت خطوات عدائية ضد المحكمة الجنائية الدولية، بما في ذلك فرض عقوبات على قضاة المحكمة في 2025، مما يعكس سياسة هدم تجاه المؤسسات الدولية.
- انسحاب إدارة ترامب من أكثر من 60 منظمة دولية يهدف إلى تعزيز سيادة الدول وتقليل دور المؤسسات الدولية، مفضلاً السيادة الوطنية على التعاون الدولي.
"باستخدام جميع الأدوات المتاحة لحكومتنا، والعمل إلى جانب كل حليف يمكننا أن نتشارك معه القضية نفسها، سنفكك المحكمة الجنائية الدولية، لبنة إثر لبنة، إذا لزم الأمر"، هذه العبارة الحرفية وردت في ختام مقال كتبه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو لصحيفة وول ستريت جورنال الأميركية في 13 يوليو/تموز 2026. المقال بدا وكأنه مطالعة مكثفة لكن غير مطولة حول أسباب العداء الأميركي للمحكمة الجنائية الدولية. وبطبيعة الحال حضرت عبارات من قبيل حماية الأميركيين الذين وجدوا أنفسهم، والقول هنا لروبيو، في دائرة الاستهداف على خلفية قضايا عدة من بينها حرب أفغانستان. لكن ما يمكن التوقف عنده مطولاً تكرار تصوير روبيو المحكمة بأنها المعتدي على سيادة الولايات المتحدة وبأنها حاولت تنصيب نفسها تحديداً في عهد المدعية فاتو بنسودا "القاضية النهائية على السياسة العسكرية الأميركية ونظام العدالة الأميركي برمته". حتى أنه استخدم التحقيق الذي أطلقته المحكمة بشأن أفغانستان لوصفه "أنه هجوم على نظام الحكم الذاتي الأميركي"، قبل أن يكرر أن تدخّل المحكمة الجنائية الدولية في العمليات العسكرية الأميركية وأعمال أجهزة إنفاذ القانون لا يمثّل مجرد تجاوز خطير لصلاحياتها المعلنة، بل يعني، في رأيه، نهاية الولايات المتحدة كدولة مستقلة ذات سيادة. ويشدد على أن "قبول المحكمة الجنائية الدولية يعني التنازل عن السيطرة على مصيرنا الوطني"، مبشراً بأن الولايات المتحدة بدأت حملة دبلوماسية برسالة واضحة "سيادة الدول تأتي قبل العولمة".
هذه عينة بسيطة مما تفكر فيه الإدارة الأميركية تجاه المحكمة الجنائية الدولية. صحيح أن العداء للمحكمة ليس وليد اليوم، ولا يقتصر على الجمهوريين وإن كان الديمقراطيون يظهرون انقساماً بشأن كيفية التعاطي مع المحكمة، لكن إدارة دونالد ترامب تحديداً مستعدة للذهاب بعيداً في معركتها ضد المحكمة. لكن من الخطأ الاعتقاد أن ذلك يحدث فقط لأسباب داخلية. يمكن العودة قليلاً إلى الوراء للتأكد من ذلك، ففرض العقوبات على عدد من قضاة المحكمة في 2025 لم يقتصر تبريره على "فتح تحقيقات دون أساس قانوني" ضد أفراد أميركيين، بل شمل أيضاً فتح تحقيقات "ضد بعض حلفاء الولايات المتحدة"، وهنا تحديداً تصبح الإحالة إلى إسرائيل بحكم الأمر الواقع. ويمكن التأكد من ذلك عند التمعّن في أسماء القضاة الذين فرضت عليهم العقوبات، ممن انخرطوا في إصدار مذكرات اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومسؤولين آخر على خلفية حرب الإبادة في قطاع غزة.
وإذا كان من قاسم مشترك في كل ممارسات الإدارة الأميركية، خلال الولاية الأولى لترامب ثم الثانية، فهو سياسة الهدم التي تشكّل الخيار المفضل لإدارة ترامب، من دون أن يعني ذلك قدرتها بكل الأحوال على تنفيذ مخططاتها، سواء لتعارض ذلك مع مصالحها بعيدة المدى أو لعوامل أخرى تكبح مثل هذه التوجهات.
ما فعلته هذه الإدارة مع الوكالات الأممية، خصوصاً وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، وما تخطط له من قطع للعلاقات مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين كما تخبرنا "رويترز"، خير مثال.
تخبرنا الأرقام عن أكثر من 60 منظمة انسحبت منها إدارة ترامب، حوالى نصفها يرتبط بالأمم المتحدة ونصفها الآخر عير مرتبط بها. ولذلك إذا كان من خلاصة يمكن التوصل إليها أن المعركة التي تريدها أميركا اليوم ليست فقط ضد المحكمة الجنائية الدولية، بل فعلياً ضد المؤسسات فوق الوطنية التي يمكن أن تشكّل عامل تقييد لها ولحلفائها، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، ضمن مخطط أوسع لصياغة نظام دولي لا اعتراف فيه سوى بسيادة الدول، يحتقر المؤسسات الدولية، ويشرعن لنهج البلطجة في السياسة الدولية.