روبرت مالي: خطة غزّة يمكن اعتبارها وثيقة استسلام فلسطيني

18 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 04:09 (توقيت القدس)
مالي خلال منتدى ​​في روما، نوفمبر 2017 (ريكاردو دي لوكا/الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- روبرت مالي، دبلوماسي أميركي بارز، لعب دورًا محوريًا في السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط، خاصة في الملف الإيراني، وعبر عن آرائه حول شخصية ترامب الخلافية وتأثيره في الصراعات الإقليمية.

- سياسة ترامب تجاه إيران وإسرائيل تميزت بالتناقضات، حيث سعى لعقد صفقة مع إيران واستخدم القوة العسكرية، وتأثر بقرارات نتنياهو، وأبدى استعدادًا للتفاوض مع أطراف مثل حماس.

- خطة السلام في غزة تضمنت مرحلتين: وقف القتال وفرض شروط على حماس، وحققت تقدمًا محدودًا رغم التحديات والشكوك، مع مستقبل غير واضح بسبب التردد الإسرائيلي والفلسطيني.

لا يبدو أن إدارة ترامب مستعدة للسماح لنتنياهو بإفساد خطة غزة

أوسلو كانت منذ البداية صفقة مخادعة

ترامب لا يعرف الخطوط الحمراء ويشعر بالتحرر من أي قيود

روبرت مالي دبلوماسي أميركي شغل منصب المساعد الخاص للرئيس (الأميركي السابق) بيل كلينتون للشؤون العربية الإسرائيلية، وكان عضواً في مجلس الأمن القومي خلال رئاسة باراك أوباما، وتولى منصب المبعوث الخاص لجو بايدن إلى إيران. في مقابلة مع ألان غريش، يتحدث مالي عن شخصية الرئيس الأميركي دونالد ترامب الخلافية، ودوره في الصراعات، وعن سلام ذي مصير غامض في الشرق الأوسط.

لقد تابعت الملف الإيراني عن كثب في البيت الأبيض على مدار سنوات عديدة. هل فاجأك القرار الأميركي بالمشاركة في "حرب الاثني عشر يوماً" كما أسماها دونالد ترامب؟ كيف يمكن تفسيره في إطار سياسة ترامب؟
في ما يخص الرئيس ترامب، كل شيء يفاجئني ولا شيء يفاجئني. فنحن نتابع تصريحاته اليومية، ثم يأتي يوم يفعل فيه عكس كل ما قال. كنت أظن أنه مهتم فعلاً بعقد صفقة مع إيران، وكانت هناك اتصالات أكثر مباشرةً بين إدارة ترامب والحكومة الإيرانية مقارنةً بما كان عليه الحال مع إدارة جو بايدن. كانت هناك محاور للنقاش. ومن جهة أخرى، كانت قاعدته الانتخابية تعارض بشدة التدخل العسكري. فماذا حدث إذاً؟ ترامب شخص نافد الصبر. كان يريد إتمام صفقة في غضون ثلاثة أشهر، ولم يحقّق مراده. عندها اعتقد، وربما كان ذلك باقتراحٍ من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أن السبب يعود إلى عدم كفاية الضغط العسكري، أغرته فكرة شن هجوم ضخم على إيران، الأول من نوعه للولايات المتحدة، باستخدام قنبلة فائقة القوة لتدمير منشأة فوردو النووية، خصوصاً أن العملية الإسرائيلية بدت ناجحة في أيامها الأولى. لكنه في الوقت نفسه حرص على عدم استمرار الحرب.

يبدو أن نتنياهو كان يرغب في استمرار الحرب
هناك عامل آخر لعب دوراً مهماً. كانت إسرائيل تفتقر إلى الموارد العسكرية اللازمة للتصدي للصواريخ والقذائف الإيرانية، فقد كانت تعاني نقصاً في الصواريخ الاعتراضية. وقد أسهم ذلك أيضاً في وقف الحرب. هل كانت تلك هي الجولة الأولى فحسب؟ هل ستكون هناك جولات أخرى؟ كل ذلك سيعتمد على ما يدور في رأس الرئيس ترامب. يبدو أنه متمسك بالتوصل إلى اتفاقٍ مع إيران، فهو يردد طوال الوقت أنه على مرمى حجر، كما أكّد أن طهران دعمت خطته بشأن غزة.
من الأمور المدهشة في هذه الإدارة مقارنةً بسابقتها، أن ترامب لا يعرف الخطوط الحمراء. يمكنه التحدث مع الإيرانيين ومع حركة حماس، يمكنه الضغط على فنزويلا، إلخ. يبدو ذلك جلياً إذا ما قارنّاه بجُبن إدارة بايدن. هنا تكمن قوة هذا الرئيس وضعفه في آنٍ واحد. فهو يشعر بالتحرر من أي قيودٍ سياسية أو دبلوماسية. إذا كان من مصلحته عقد صفقة مع الحوثيين، يمكنه القيام بذلك حتى لو تعارض مع المصالح الإسرائيلية. وإذا كان من مصلحته إجراء حوار مع (الرئيس السوري) أحمد الشرع ورفع العقوبات عن سورية، أيضا رغم اعتراض القادة الإسرائيليين، فسيفعل ذلك. إنه شخص لا يمتثل للقواعد المتعارف عليها.

لماذا تم توقيع الاتفاق بشأن غزة الآن؟ كان من الممكن إتمامه منذ عام أو عامٍ ونصف العام؟
على الجانب الإسرائيلي، بدأ إرهاق الحرب يظهر. فقد أعلن رئيس الوزراء لتوّه أنه سيترشح لولاية جديدة في الانتخابات التشريعية المزمع عقدها في أكتوبر/تشرين الأول 2026، ولن يكون بإمكانه الدفاع عن حصيلة إنجازاته بدون عودة الرهائن أو وقف الحرب. من جانبها، تعرضت حركة حماس لضغوط قوية جداً من تركيا وقطر، وخلص قادتها إلى أن الرهائن لم يعودوا يشكّلون ورقة ضغط رابحة، بل عبئاً لا يمنع إسرائيل من مواصلة قصفها. لا أريد أن أبدو متشائماً، لكن بمرور الوقت كان الرهائن سيموتون، ولم يكن هناك معنى للإبقاء عليهم.
أثار القصف الإسرائيلي ضد حماس في قطر قلق دول الخليج، التي مارست ضغوطاً على الرئيس ترامب، الذي كان بدوره قلقاً من تجاوزات إسرائيل. هذه الإدارة مستعدة للضغط على نتنياهو، كما تمكّن ترامب من كسر المحظور وإقامة اتصال مع حماس من أجل تقديم ضمانات، في البداية بشكل غير مباشر عبر تركيا وقطر، ثم بشكل مباشر عبر ممثليه جاريد كوشنر وستيف ويتكوف. وعندما خاطب ترامب نتنياهو أمام الكنيست قائلاً: "لا يمكنك أن تربح الحرب ضد العالم كله. حان وقت التوقّف"، أوصل رسالته.

السؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كان اهتمام ترامب بهذا الملف سيستمر، أم أنه سيتحوّل إلى ملفات أخرى، أوكرانيا أو فنزويلا على سبيل المثال

لقد أراد ترامب تسجيل انتصار جديد في قائمة الحروب التي يزعم أنه أوقفها، والمناطق التي أعاد إليها السلام. فهو يضع نصب عينيه جائزة نوبل. كما أن النجاح الذي أحرزه في قضية غزة يؤكد فشل جو بايدن في وقف الحرب. السؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كان اهتمام ترامب بهذا الملف سيستمر، أم أنه سيتحوّل إلى ملفاتٍ أخرى، أوكرانيا أو فنزويلا على سبيل المثال. للإنصاف، فإن إدارة ترامب تتابع في الوقت الراهن تنفيذ المرحلة الأولى من الخطة، ولا يبدو أنها مستعدة للسماح لنتنياهو بإفسادها. كما أن الزيارات المتوالية لمستشاريه كوشنر وويتكوف إلى تل أبيب، وزيارة نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو، بالإضافة إلى تصريحات الرئيس ترامب لمجلة "تايم" في 23 أكتوبر/تشرين الأول، كلها تعكس إرادة الإدارة الأميركية في فرض رؤيتها على إسرائيل، ورفضها القاطع لضم الضفة الغربية، ورغبتها في الحفاظ على وقف إطلاق النار. كل هذا لا علاقة له باحترام حقوق الفلسطينيين أو القدرة على فهم طموحاتهم، لكنه يظل خطوة هامة على الطريق، ومقارنةً بالإدارات السابقة، فهو يُعدّ إنجازاً.

ما رأيك في الخطة نفسها؟
تتكون الخطة من مرحلتين. الأولى هي وقف القتال، مع انسحاب جزئي أو شبه جزئي للجيش الإسرائيلي. وهو أمر غير واضح، لكن الخطوة التالية أكثر غموضاً. في واقع الأمر، يمكن اعتبارها وثيقة استسلام فلسطيني، لأنها تفرض على حماس قبول وجود قوات إسرائيلية في قطاع غزة، وقبول أن إسرائيل ستقرر، أو على الأقل سيكون لها كلمة، وكلمة حاسمة جداً، بخصوص توقيت انسحابها. كما يجب على حماس نزع سلاحها، وعلى غزة التخلّص من التطرف والإرهاب. وفي النهاية سيتم تشكيل مجلس للسلام برئاسة ترامب وربما توني بلير... وهذا أمر يصعب جداً على الفلسطينيين هضمه. ومن ناحية أخرى، لو فكّرنا بهدوء، سنجد أنها ذات فائدة كبيرة إذا نجحت في الوصول إلى هدنة ووقف إطلاق النار وإرسال مساعدات إنسانية وإطلاق سراح الأسرى والرهائن.

هناك الكثير من التردد والشكوك المحيطة بخطة السلام. لكن الحد الأدنى المتفق عليه كان الهدنة وإطلاق سراح الرهائن والأسرى

لا نعرف بالتحديد ما سيحدث بعد ذلك، فهناك الكثير من المناطق المعتمة. فحماس والحكومة الإسرائيلية كلاهما غير متحمس لفكرة مواصلة هذا المسار. هل تريد حماس نزع سلاحها؟ بالتأكيد لا. هل تريد أن يُحكم الإقليم بواسطة هذا المجلس الدولي؟ أيضاً لا. هل ترغب في وجود قوة استقرار دولية يمكن بدورها أن تهاجمها؟ لا أعلم.
من جانبها، هل ترغب إسرائيل أيضاً في قوة استقرار تعمل كقوة فصل بين إسرائيل وغزة، وقد تشكل سابقة أو نموذجاً للضفة الغربية؟ هل تريد إسرائيل تدويل ملف غزة؟ هناك الكثير من التردد والشكوك. لكن الحد الأدنى المتفق عليه هو الهدنة وإطلاق سراح الرهائن والأسرى، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وإرسال المساعدات الإنسانية. أما الباقي، فأعتقد أنه سيكون محل صراع ونزاع، وسيعتمد كثيراً على التدخلات الخارجية. فالدول العربية ودول الخليج وأوروبا والولايات المتحدة هي التي ستحدد إلى أي مدى سيتم تنفيذ البنود الأخرى من هذه الخطة.

شاركتما (روبرت مالي والمفاوض الفلسطيني حسين آغا) منذ تسعينيات القرن الماضي في المفاوضات الإسرائيلية ـ الفلسطينية. كيف تقيّمان الخطوة الحالية ضمن تاريخٍ من المفاوضات استمر لثلاثين عاماً، والذي لا بد لنا أن نعترف أنه لم يُفضِ إلى نتيجة؟ هل كانت هناك فرص حقيقية للنجاح، ولا سيما في فترة اتفاقيات أوسلو؟
هذا هو موضوع كتابنا "الغد هو الأمس: الحياة والموت والسعي إلى السلام في إسرائيل/فلسطين". كانت هناك لحظات بدت فيها الظروف واعدة. على سبيل المثال في بداية عملية أوسلو، ثم مع فوز إيهود باراك في الانتخابات الإسرائيلية عام 1999، أو مع فوز باراك أوباما برئاسة الولايات المتحدة عام 2008. في أوقاتٍ بعينها كانت الأوضاع تبدو مبشّرة. نصِف في كتابنا الأخطاء التي يمكن أن تكون قد ارتُكبت والفرص التي لم يتم استغلالها. لكن ما نؤكد عليه في الحقيقة هو أن كل ذلك كان سراباً.
منذ البداية، كانت أوسلو صفقة مخادعة. حيث قبِل الفلسطينيون، في تنازل تاريخي، بفقدان 78% من أراضيهم، مقابل حصولهم على دولة ذات سيادة في الضفة الغربية وقطاع غزة، عاصمتها القدس الشرقية. بالنسبة للإسرائيليين، كانت تلك الاتفاقات إعلاناً لهزيمة الفلسطينيين. كانوا يقولون ضمنياً: "لقد انتصرنا، سنقدّم تنازلات بالتخلّي عن جزء من الضفة الغربية وربما القبول بمواءمات بسيطة في ما يتعلق بالقدس الشرقية. يمكنكم تسميتها دولة، لكنها لن تكون ذات سيادة تحت أي ظرف".

يجب التفكير في حلّ لا يكون دائما بالضرورة، بل مرحلياً: حل يشكل خطوة نحو التعايش بين الشعبين

لقد سمح سوء الفهم هذا بإبقاء عملية السلام حيّة، لكن بالنظر إلى الماضي نستطيع القول إنه لم يكن هناك فعلاً أي لحظة اتّفق فيها الطرفان بشكلٍ جوهري. ذلك أن حل الدولتين لم يكن يرضي طموحات الطرفين التاريخية ورغباتهم ومشاعرهم. أما عن الفلسطينيين، فقد طُلب منهم التخلي ليس فقط عن حلم العودة إلى فلسطين التاريخية، بل كذلك عن عودة اللاجئين، التي لم تُقبل إلا ضمن حدود الدولة الفلسطينية المستقبلية. من جهة أخرى، يعرب كثير من الإسرائيليين الذين أتحدث معهم عن أن تل أبيب أقل أهمية بالنسبة لهم من الخليل. فما معنى هذا الحل إذاً؟ ومن هنا أتت فكرة ضرورة الحوار الموسّع مع الجميع، الإسرائيليين والفلسطينيين على اختلاف توجهاتهم، وليس فقط مع من تصطفيهم الولايات المتحدة أو الدول الغربية. يجب التفكير في حلّ لا يكون دائماً بالضرورة، بل مرحلياً: حل يشكل خطوة نحو التعايش بين الشعبين.

تذكران في كتابكما حالة أيرلندا الشمالية
اصطحب أحد زملائي السابقين، أوفر زالزبرغ، مجموعة من المستوطنين ورجال الدين الإسرائيليين الذين لم يغادروا إسرائيل تقريباً من قبل، إلى أيرلندا الشمالية. لم يكن الهدف لقاء الفلسطينيين، بل التحدث إلى البروتستانت والكاثوليك. وهناك أدركوا أن كلا الطرفين توصلا إلى حل بدون التنازل عن أحلامهما: فالأيرلنديون الشماليون احتفظوا بحلمهم في البقاء ضمن المملكة المتحدة، واحتفظ الكاثوليك بحلم الوحدة مرة أخرى مع إيرلندا. لقد وجدوا حلاً يجلب قدراً من السلام وينهي العنف، لكنه يؤجل تحقيق الأحلام التاريخية. شكّلت تلك الزيارة نقطة تحوّل في وعي الوفد الإسرائيلي. هذا هو الموضوع الذي نتناوله: هل من الممكن إيجاد طريق سلمي وحل للتعايش لا يُجبر أي طرف على التخلي عن أحلامه وطموحاته ومظالمه التاريخية؟

أعادت أوروبا والمجتمع الدولي إلى الأجندة الدبلوماسية حل الدولتين بعدما كان مهملاً عملياً، خصوصاً منذ اتفاقات أبراهام (2020). لكن يبدو أن هذا الخطاب يُستخدم غطاءً للتخلّي عن المسؤولية
أصبحت فكرة الدولتين ملاذاً لحسني النّية الذين لا يريدون فقدان الأمل. لكنها أيضاً ملاذ للأشخاص سيّئي النية الذين يريدون التظاهر بأنهم يفعلون شيئاً بينما لا يفعلون شيئًا في الواقع. عملت في إدارات أميركية كان الحديث فيها عن دولتين يجري بدون أن يؤمن أحد بذلك للحظةٍ واحدة. لم أكن في الإدارة حين بدأ الرئيس بايدن يقيس التغيرات في الرأي العام الأميركي وردود الأفعال في الرأي العام العربي والدولي، عندئذٍ برزت أهمية خلق أفق سياسي جديد. هكذا أعادوا إخراج فكرة الدولتين من الدرج، مع القول بوجوب الشروع في مسيرةٍ لا رجعة فيها نحو هذا الحل، لكن لا أحد قادر على شرح كيفية الوصول إليه.

ما سُمّي بـ"عملية السلام" استُخدم أساساً للضغط على الفلسطينيين ومنعهم من اللجوء إلى العصيان المدني والمقاطعة والقانون الدولي وإلى الأمم المتحدة

حتى من الناحية الجغرافية والديمغرافية والاقتصادية، لا يبدو واضحاً كيف يمكن على هذه الأرض، في ظل وجود المستوطنين، إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة. ما هي الضغوط التي يمكن أن يمارسها المجتمع الدولي للحد من الاستيطان على وجه الخصوص؟ ما سُمّي بـ"عملية السلام" تم استغلاله لتجنّب الضغط على إسرائيل لوقف الاستيطان الذي يدمّر القاعدة الإقليمية للدولة الفلسطينية. على العكس من ذلك، استُخدمت هذه العملية للضغط على الفلسطينيين ومنعهم من اللجوء إلى العصيان المدني والمقاطعة والقانون الدولي والأمم المتحدة. كانت واشنطن تقول لهم: إذا فعلتم ذلك، فسنعتبرها إجراءات أحادية وسنعاقبكم. وهو ما لم يُقَل لإسرائيل لوقف الاستيطان.

هل يمكن أن يُسفِر التغيّر في الرأي العام الغربي، وخاصةً الأميركي، عن نتائج فعلية؟
سؤال مذهل! فكلانا عاش عمراً طويلاً، وبالتالي أصبحت لدينا نظرة تشاؤمية ساخرة نظراً لأننا شهدنا من قبل تقلّبات كثيرة في الرأي العام. لكنني أُدرّس الآن في جامعة بالولايات المتحدة، وأتابع استطلاعات الرأي، وأرى التظاهرات في أوروبا، وأسأل نفسي: هل نحن بصدد تغيّر جوهري في النظرة الأخلاقية والسياسية والاستراتيجية للقضية الفلسطينية؟ في ما يخص الحالة الأميركية التي آلفها جيداً، هناك تغير غير مسبوق يمكن ملاحظته على مستوى اللغة وردات الفعل والسلوكيات السياسية. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2025، أعلن النائب الديمقراطي عن ولاية ماساتشوستس سيث مولتون، وهو لا ينتمي للجناح اليساري في الحزب، أنه لن يقبل بعد الآن تبرعات من لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (AIPAC)، أحد أقوى أذرع اللوبي المؤيد لإسرائيل. وهو موقف يكاد يكون ثورياً. كما نرى قيادات كانت شديدة التأييد لإسرائيل، وقيادات من الديمقراطيين، تعلن الآن أنه لا ينبغي تقديم مساعدات عسكرية لإسرائيل ما دامت الحرب مستمرة.

هل سيستمر انقلاب الرأي العام على ترامب في الولايات المتحدة حتى بعد الحرب؟

تُظهر استطلاعات الرأي بين الشباب الأميركي والديمقراطيين، وكذلك بين شريحة من داعمي الحزب الجمهوري وهي "لنجعل أميركا عظيمة مجدداً"، نفوراً مشتركاً من نزعة ترامب العسكرية: لماذا علينا أن نمنح من 3 إلى 8 مليارات دولار سنوياً لدولة، هي إسرائيل، تجرّنا إلى حروب؟ فإذا نظرنا إلى تلك المواقف مجتمعة، نرى تغييراً لا يستهان به.
هل سيستمر هذا التحوّل في الرأي حتى بعد الحرب؟ وحتى بعد تغيير الحكومة الإسرائيلية؟ أم أنه، عندما تصبح الحرب من الماضي، وعندما تُستبدل هذه الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة، سيعود الديمقراطيون وتيارات أخرى في الولايات المتحدة إلى العلاقات السياسية التقليدية مع إسرائيل، عندما تصبح نسخة أكثر ألفة وأقل تطرفاً، من دون وزراء اليمين المتطرف الذين كان لهم دور محوري في العامين الماضيين؟ هل يمكن أن يتجلّى هذا التحوّل في مسار انتخابي مختلف داخل الولايات المتحدة، مثلاً عند اختيار المرشح الديمقراطي للرئاسة؟ وهل يمكن أن يفضي إلى معادلة سياسية جديدة؟ يظل هذا سؤالاً مطروحاً، لكنه لم يكن موجوداً قبل عشر سنوات.

تنشر بالتزامن مع أوريان 21

https://orientxxi.info/ar

المساهمون