نجاة رشدي لـ"العربي الجديد": تمويل إعادة الإعمار في لبنان رهن الإصلاحات

24 يناير 2021
الصورة
رشدي: نعمل على ضمان حماية الفئات الضعيفة (موقع الأمم المتحدة)
+ الخط -

من الضروري دعم الشعب اللبناني وعدم معاقبته على أخطاء السياسيين

الجهات المانحة في المرحلة الثانية لن تقدم تمويلاً دون إصلاحات

لبنان يحتاج إلى تشكيل سريع لحكومة تتمتع بالدعم السياسي والقانوني

تتحدث نائبة المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان ومنسقة الشؤون الإنسانية فيه، نجاة رشدي، في مقابلة مع "العربي الجديد"، عن خطورة الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي يمر فيها لبنان في ظل استمرار جائحة كورونا وانسداد الأفق القريب لأي حل سياسي مستدام. وتؤكد أن الأمم المتحدة تعمل حالياً في إطار مرحلة التعافي والتعافي المبكر، لكنها حذرت من أن الجهات المانحة لن تقدم، في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، تمويلاً من دون إصلاحات.
*ما هي آخر التطورات في ما يخص مجهود إعمار بيروت والمساعدات الإنسانية بعد انفجار المرفأ. وكيف يمكن ضمان الشفافية في تقديمها؟
- ما زالت هناك حاجة كبيرة للحصول على التمويل المستدام لضمان استمرارية الدعم الإنساني المنسق. لأنه، مع الأسف، أثر الانفجار لم يكن فقط على صعيد بيروت، بل على صعيد البلد بشكل كامل. في أعقاب الانفجار قمنا على الفور بإنشاء آلية تنسيق مرنة لتسيير عملية تقييم الاحتياجات بصورة مشتركة مع الجمعيات المحلية، وفي الكثير من الحالات مع الجيش اللبناني، وبعض أعضاء الحكومة، وتسهيل وضع استراتيجيات موحدة من أجل تسهيل عملية تقديم المساعدة الإنسانية الطارئة. وأنا أركز على الطارئة، لأن هذه هي المساعدات التي قمنا بتغطيتها. أطلقنا استجابة ثانية مكونة من ثلاث مراحل، أولها تقديم المساعدة الإنسانية الفورية، ثم برنامج تعافي وإعادة الإعمار، وصولاً إلى تأمين التعافي طويل المد.
أطلقنا نداء الاستجابة العاجل، في أغسطس/آب من العام الماضي، بهدف دعم استجابة مشتركة لاحتياجات الناس المتضرّرين من الانفجار، وتأمين الحاجة الملحّة لهم، وتقديم المساعدات الإنسانية الضرورية، واستهدفنا 300 ألف شخص. كما قمنا بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي ومجموعة البنك الدولي بإعداد إطار الإصلاح والتعافي وإعادة الإعمار، الذي أطلق في مؤتمر صحافي في الرابع من ديسمبر/كانون الأول الماضي في بيروت، وهو يرتكز على مبدأ الإنسان أولاً، والمتضررين أولاً، والأكثر حاجة من اللبنانيين وغير اللبنانيين. كما أنه نهج يربط ما بين المساعدة الإنسانية والتنمية والسلام، وسيوجه هذا الإطار عملنا خلال الأشهر الـ18 المقبلة. وكان هناك إجماع حول هذا الإطار في الملتقى العالمي الذي عقد في ديسمبر بحضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس.

ما جاء بعد الانفجار هو الربط بين الدعم من الدول المانحة والإصلاحات

نحن الآن في صدد إنشاء آلية لتنسيق عملية تنفيذ هذه الخطة بمشاركة المجتمع المدني، لمراقبة عمليات التنفيذ وضمان نجاعتها، وأن يكون التنسيق بين الحكومة والمجتمع الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي والمجتمع المدني على حد سواء. وفي حين أن البرامج المُخطَّط لها ضمن إطار الإصلاح، والتعافي وإعادة الإعمار سيبدأ تنفيذها خلال هذا العام، إلا أننا استطعنا من خلال نداء الاستغاثة العاجل، الذي تمت مراجعته بطلب مالي مُحدث بقيمة 196.6 مليون دولار أميركي، ضمان الحماية الضرورية والاحتياجات الإنسانية الملحّة للفئات الأكثر ضعفاً من بين المتضررين من الانفجار بحلول نهاية العام 2020. أود الإشارة إلى أننا بالتعاون مع شركائنا نصدر تقارير منتظمة عن الحالة، كما نعتمد آليات رصد، بما فيها رصد الأموال التي يتم طرحها، حرصاً على إدارة هذه الأزمة بصورة فاعلة وشفافة.
* أنت تحدثت عن ثلاث مراحل أطلقتموها في الاستجابة الثانية. في أي مرحلة أنتم الآن؟
-نحن في مرحلة التعافي والتعافي المبكر، وهي أول مرحلة ضمن النطاق الذي اشتغلنا عليه مع البنك الدولي والاتحاد الأوروبي، والذي يأتي قبل إعادة الإعمار. الفرق ما بين التعافي المبكر وبين التعافي وإعادة الإعمار أن الجهات المانحة في المرحلة الثانية لن تقدم تمويلاً دون إصلاحات. ولكن التعافي المبكر، والذي هو المرحلة التي تأتي مباشرة بعد المساعدات الإنسانية، يشمل الكثير من المناقصات والاجتماعات مع الجهات المانحة كي لا يتم ربطه بشروط الإصلاح. لأن التعافي المبكر يستهدف الحصول على الخدمات الصحية والتغطية الاجتماعية للعائلات الأكثر فقراً. هناك مجموعة إعادة بناء البيوت التي تهدمت، ولكن بيوت أصحاب الحاجة الماسة، وهذه كلها من أولويات التعافي المبكر.

*الأمم المتحدة تدير وتنسق المساعدات التي تأتي لصناديقها فقط، صحيح؟
- صحيح، ولكن شجعنا الجمعيات التي لا تعمل مع الأمم المتحدة، كما في تنسيقنا مع الجيش اللبناني والحكومة اللبنانية أن يكون هناك تبادل للمعلومات، كي لا يتم تقديم المساعدات لنفس العائلة مرتين. طبعاً هذا التبادل مع الحفاظ على خصوصية تلك العائلات، ومن أجل أن تصل لشريحة أوسع من المحتاجين. كما أبلغنا الحكومة عن معاييرنا، والتي تهدف إلى مساعدة الأكثر احتياجاً، ولذلك هي مساعدات لإنقاذ الحياة. في  ما يخص أموال المساعدات الأخرى، هناك الكثير من الأموال التي تصل مباشرة، ولا علاقة أو مراقبة لنا عليها، وهي تصل إما من المغتربين أو الجهات المانحة. وطبعاً هناك مساعدة عبر الحكومة في ما يخص التعاون الثلاثي، وهو من مجموعة من الدول العربية وغير العربية.
*تحدثت قبل فترة عن ضرورة القيام بإصلاحات هيكلية سياسية واقتصادية واجتماعية، كما الحكم الرشيد والمساءلة القضائية المستقبلية، كأدوات فعالة في مكافحة الفساد في لبنان، من أجل التقدم في خلق مجتمع مدني خالٍ من المحسوبية والطائفية. أين نحن من تلك الإصلاحات؟
- أن يكون اتفاق حول قانون ما، هذا شيء، والتصويت حوله شيء آخر، ثم تطبيقه شيء ثانٍ. ولكن دعينا نذكر بالصورة العامة، وهي أن الإصلاحات لم تأت بعد الانفجار. ما جاء بعد الانفجار هو الربط بين الدعم من الدول المانحة وتلك الإصلاحات. كان قد مر أكثر من 11 شهراً على خروج اللبنانيين إلى الشوارع للتعبير عن تطلعاتهم المشروعة لمستقبل أفضل لهم ولأولادهم. مع ذلك، وقبل الانفجار، لم يكن هناك أي تحرك حاسم لتنفيذ الإصلاحات الضرورية التي طال انتظارها، والتي هي مهمة وضرورية للبلد. لهذا السبب نحن كأمم متحدة دائماً كنا ندعو جميع القوى السياسية اللبنانية إلى تجنب الفراغ الحكومي، ووضع مصلحة الشعب على رأس سلم أولوياتها. لا شك أن لبنان يحتاج لتشكيل سريع لحكومة تتمتع بالدعم السياسي والقانوني، حكومة قادرة على تنفيذ الإصلاح، وجزء منه القوانين، ولكن جزءا آخر كبيرا هو الإرادة السياسية. أي أن تكون قادرة على تنفيذ الإصلاحات الرئيسية والتغييرات الأساسية المنتظرة التي تلبي تطلعات اللبنانيين، بما فيها دعوات للمساءلة والشفافية ووضع حد للفساد وسوء الإدارة. للعمل في هذا المجال من الضروري أن يتعاون الجميع، لأن تحقيق الإصلاحات المرجو، وإنهاء الفساد، ومساعدة البلاد على التعافي والنهوض من الظروف الصعبة، يحتاج مجهوداً وإرادة سياسية من قبل الجميع. وهذا مهم جداً لاستعادة ثقة الناس بالدولة والحكومة والمؤسسات العامة من جهة، واستعادة ثقة المجتمع الدولي بها من جهة أخرى.
ولكن بغية تحقيق إصلاحات هيكلية لا بد من تشكيل الحكومة أولاً. ولا بد من ذكر هذا، لأن الإصلاحات هي بنهاية المطاف قرار سياسي كذلك. ولكن في نفس الوقت كأمم متحدة لا يمكننا الانتظار. نحن نعمل على ضمان حماية الفئات الضعيفة من اللبنانيين والنازحين (اللاجئين السوريين)، من خلال تأمين المساعدة الإنسانية الملحة والمنقذة للحياة. فنحن نأخذ على عاتقنا مسؤولية ضمان تأمين الدعم المقدم من المجتمع الدولي في ظل تزايد الفقر في لبنان، كما تعلمين فأكثر من 50 في المائة من اللبنانيين يعيشون في فقر. ومن الضروري دعم الشعب اللبناني وعدم معاقبته على أخطاء السياسيين ونظام الحكم. من الضروري طبعاً أن يتم الحديث والعمل على الخط السياسي، ولكن في نفس الوقت لا يمكننا أن نتخلى عن الناس المحتاجة للمساعدة. ومن الضروري التوضيح هنا أن المساعدة الإنسانية التي نقدمها تتعلق بتزويد الأشخاص الأكثر حاجة، لأنه لو أردنا تغطية كل الاحتياجات الموجودة في البلد فهذا سيحتاج إلى أموال طائلة وإصلاحات، وحكومة مدعومة من الجميع، وأن يعود المجتمع الدولي لنفس مستوى الدعم.
* ما هي التحديات التي تواجهكم في ما يخص تقديم المساعدات الإنسانية للاجئين السوريين؟
- يستضيف لبنان أكبر نسبة من اللاجئين السوريين (مقارنة بتعداد السكان)، نحو مليون ونصف مليون لاجئ سوري وما يفوق الـ 200 ألف لاجئ فلسطيني. هذا طبعاً يزيد من الاحتياجات للمساعدات الإنسانية في لبنان. أضف إلى كل هذا، ما زال لبنان يعاني من أسوأ الأزمات الاقتصادية والمادية في ظل جمود سياسي مستمر وغياب الحكومة، مع الأسف، وهذا يؤثر على قدرتنا على تقديم المساعدات والتحرك بشكل فعال، وخاصة إذا كان هناك حاجة لقرار سياسي. نتمنى أن يكون خفض الدعم الدولي مؤقتا، ولكن نحتاج للجهات المانحة والدعم الدولي. وعلينا أن نتذكر أن الدعم الدولي لوحده لن يحل المشكلة، لأن هناك معاناة شديدة للشرائح الأكثر ضعفاً. ويبقى الحل الحقيقي والمستدام هو تطبيق إصلاحات هيكلية ومشروعة.

يجب على القوى السياسية اللبنانية تجنب الفراغ الحكومي
 

لقد كان 2020 عاماً صعباً على الصعيد العالمي عموماً ولبنان خاصة. كما أثرت جائحة كورونا سلباً على الاقتصاد والمجتمعات، ليس في لبنان فحسب بل على اقتصادات الدول والجهات المانحة. تجد الدول المانحة نفسها مضطرة للتعامل مع الضغوط المحلية المتزايدة، وأصبحت إمكانياتها محدودة، ما يعني أن علينا نحن كذلك أن نعيد جدولة أولوياتنا في ما يخص المساعدات. لقد جاء انفجار مرفأ بيروت ليزيد من الأزمة وأوجه الضعف والاحتياجات.
بحسب دراسة أعدتها لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الأسكوا) هناك ما يقدر بـ 1.1 مليون لبناني يعيشون في فقر، ويكافحون يومياً من أجل تلبية احتياجاتهم الأساسية. وهناك تقارير أخرى، بما فيها تقرير صدر عن البرنامج العالمي للأمن الغذائي مفاده أن هناك ظاهرة نقص في الأمن الغذائي خارج بيروت كذلك، ولا علاقة لها بالانفجار. هناك طبعاً تفاوت جغرافي في لبنان وانعدام المساواة بصورة هيكلية وهذا ليس جديداً، ولكن هذه واحدة من التحديات التي تواجهنا كأمم متحدة.
* وماذا عن التحديات في ما يخص كورونا؟
إضافة لما أشرت له سابقاً، هناك تحديات كذلك في ما يخص خدمات الرعاية الصحية وتأمين الأسرة الإضافية في المستشفيات. عملنا كثيراً مع وزارة الصحة والجمعيات التي تعمل في مجال الصحة. كما قدمنا دعماً للمستشفيات العمومية، ولكن نعمل الآن على المستشفيات الخاصة والجامعية، لأننا نحتاج إلى رفع الجهوزية، إذ ارتفع خلال الأسبوعين الأخيرين عدد المصابين والوفيات للأسف الشديد. طبعاً سلوكيات الناس واستعدادهم للحجر هي أهم طرق للوقاية، ونعمل في هذا السياق على استراتيجيات توعية، ناهيك عن عملنا على استمرار أنشطتنا الحيوية المُنقذة للحياة، على الرغم من الإغلاق، وهذا تحدٍ كبير. واحد من التحديات الأخرى هو قضية شبكة الأمان الاجتماعي، حيث في ظل فقدان الدخل وسبل العيش، وعدم وجود استراتيجية شمولية للحماية الاجتماعية تزيد الأمور تعقيداً. ويجب أن نبدأ بأسرع وقت ممكن للعمل عليها في ظل زيادة أسعار المواد الغذائية، والتي تؤدي لزيادة مديونية الفئات الأكثر ضعفاً. نعمل كثيراً على تفعيل استراتيجية الحماية الاجتماعية. ومن المؤسف أن هذا سيؤدي إلى دفع الأفراد المهمشين إلى مزيد من الحرمان، وهذا ما نحاول إيصاله للسياسيين والمجتمع الدولي. وبالنسبة لي هناك ضرورة أخلاقية لاستمرار مساعدة الناس الأكثر حاجة بكل الطرق، حتى لو لم تبدأ الإصلاحات أو لم تصل إلى المستوى المطلوب بعد.
نبذة عن رشدي
تشغل نجاة رشدي منصب نائبة للمنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان ومنسقة مقيمة للشؤون الإنسانية في لبنان منذ أغسطس/آب الماضي. وعملت رشدي في مجال التنمية والمساعدات الإنسانية والتنسيق الدولي في مناطق النزاع ضمن مؤسسات الأمم المتحدة لأكثر من 20 عاماً، حيث شغلت عدداً من المناصب رفيعة المستوى في الأمم المتحدة بما فيها مستشارة أولى للمبعوث الخاص إلى سورية. تحمل رشدي شهادة الدكتوراه في نظم المعلومات من المعهد الوطني للإحصاء والاقتصاد التطبيقي في الرباط، المغرب. كما تحمل شهادة الماجستير في الرياضيات والتطبيقات الأساسية من جامعة باريس الجنوبية 11.

اقتصاد عربي
التحديثات الحية

المساهمون