رسالة من الزنزانة... طالب مصري يختصر مأساة معتقلي التضامن مع غزة
استمع إلى الملخص
- يعبر مدثر في رسالته عن معاناته وتحوله من دعم أسرته إلى عبء عليهم، مؤكدًا على حقه في التظاهر السلمي لدعم القضية الفلسطينية ومطالبًا بحريته.
- تعكس قضية مدثر وضعًا أوسع حيث لا يزال نحو 186 شخصًا رهن الحبس الاحتياطي بسبب تضامنهم مع فلسطين، مما يبرز التناقض بين موقف الدولة الرسمي وإجراءاتها الأمنية.
نشر مكتب الشباب والطلاب بحزب التحالف الشعبي الاشتراكي، رسالة كتبها الطالب بكلية الهندسة في جامعة حلوان، مدثر محمد عبد الحميد، المعتقل منذ 20 أكتوبر/تشرين الأول 2023 على خلفية مشاركته في تظاهرات التضامن مع غزة. الرسالة، التي خرجت من داخل محبسه، لا تمثل مجرد شهادة فردية، بل تلخص واقع عشرات الشباب الذين وجدوا أنفسهم متهمين بسبب تعبيرهم السلمي عن موقف إنساني وسياسي يتسق، في جوهره، مع الموقف الرسمي للدولة.
مدثر، البالغ من العمر 25 عاماً، هو الابن الوحيد لوالديه المسنين والمريضين. اعتُقل من منزله عقب مشاركته في التظاهرات التي خرجت في عدد من المحافظات المصرية تنديداً بالحرب الإسرائيلية على غزة. منذ ذلك اليوم، انقطعت حياته الطبيعية كلياً؛ حُرم من حريته، وتوقف مساره التعليمي، وتحولت أيامه إلى انتظار طويل داخل الزنزانة، في ظل غياب أي أفق واضح للإفراج.
في رسالته المؤرخة بالأربعاء 7 يناير/كانون الثاني 2026، والمكتوبة من سجن العاشر من رمضان – تأهيل 6، زنزانة 1/11، يرسم مدثر صورة قاسية لتأثير السجن على جسده ونفسيته. يكتب عن "أنين الزنازين" الذي يضيق بالصدور، وعن الجسد الذي اشتد كهولة قبل أوانه، حتى شاب الشعر وتجعدت الملامح، وأصبح الشاب هرماً في مقتبل العمر. كلمات تختصر كيف يمكن للحبس الطويل أن يسرق العمر والأحلام معاً.
لا تتوقف الرسالة عند المعاناة الجسدية، بل تمتد إلى الخسائر الاجتماعية والإنسانية. يشير مدثر إلى تدمير مشواره التعليمي، وتحوله من شخص كان عوناً لأهله إلى عبء ثقيل عليهم، في ظل ظروفهم الصحية الصعبة. ويصف كيف أصبح الأمل نفسه هشاً، يولد مع الصباح ويموت مع المساء، حتى تسلل اليأس إلى روحه.
ويتساءل مدثر بمرارة عن سبب هذا "التعنّت في سلب الحرية، مؤكداً أنه لم يرتكب أي جريمة يعاقب عليها القانون، بل آمن بسيادة القانون ومارس حقه الدستوري في التظاهر السلمي. ويشدد على أن مشاركته كانت بدافع دعم القضية الفلسطينية، ورفض الجرائم والمجازر التي تُرتكب بحق الشعب الفلسطيني. في نداء مباشر، يسأل: "أيعجبكم تقييد يديّ؟ أيعجبكم قبوعي داخل زنزانة يملؤها الظلام؟"، قبل أن يطالب بحقه في العيش مواطناً حراً، لا سجيناً مسلوب الإرادة.
في ختام رسالته، وجه مدثر، نداءً بسيطاً لكنه بالغ الدلالة: فك القيد، وعودة الحرية. نداء يتقاطع مع مطالبات واسعة بالإفراج عن شباب لم يحملوا سلاحاً، ولم يدعوا إلى عنف، بل رفعوا صوتهم تضامناً مع شعب يتعرض لحرب مدمرة. وبينما يستمر الجدل حول الأمن والسياسة، تبقى مصائر هؤلاء الشباب معلقة، وأعمارهم تُستهلك داخل الزنازين، في انتظار قرار قد يعيد لهم ما تبقى من حياتهم.
قصة مدثر ليست استثناءً. فبحسب تقديرات حقوقية، لا يزال نحو 186 شخصاً رهن الحبس الاحتياطي على خلفية قضايا مرتبطة بالتضامن مع فلسطين. وخلال الأسابيع الأخيرة، تجدّدت مطالبات بالإفراج عنهم، خاصة بعد أن خلت قوائم الإفراجات الأخيرة من أي أسماء لمعتقلي دعم غزة، ما أثار انتقادات واسعة في الأوساط الحقوقية.
وتعود جذور الأزمة إلى مظاهرات 20 أكتوبر/تشرين الأول 2023، التي جاءت في ذروة أزمة اقتصادية خانقة أثرت على العلاقة بين الدولة والمجتمع. في ذلك التوقيت، كانت الأجهزة الأمنية في حالة استنفار، ومع تصاعد التعاطف الشعبي مع غزة، طاولت حملات القبض عدداً من المتظاهرين والمتعاطفين، في إطار مقاربة أمنية غلبت على أي معالجة سياسية. ويرى مراقبون أن غياب الرؤية السياسية في التعامل مع هذا الملف أدى إلى حالة من "الانفصام"، إذ تعلن الدولة رفضها للإبادة في غزة، بينما تعاقب من يعبرون عن رفضهم لها داخل البلاد. هذا التناقض، بحسب حقوقيين، لا يضرّ بأفراد مثل مدثر فحسب، بل يسيء إلى صورة الدولة ويغذي حالة الاحتقان.