رسائل عدة من استهداف إسرائيل الضاحية الجنوبية لبيروت

24 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 11:15 (توقيت القدس)
آثار القصف الإسرائيلي للضاحية الجنوبية لبيروت، 23 نوفمبر 2025 (فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- شهدت الضاحية الجنوبية لبيروت تصعيدًا إسرائيليًا خطيرًا باستهداف اجتماع لحزب الله، مما يثير تساؤلات حول الوضع الأمني للحزب ومحاولات إسرائيل لمنع إعادة بناء ترسانته العسكرية.

- أصدر حزب الله بيانات نعي دون التوعد برد فوري، بينما يطالب مسؤولوه الدولة اللبنانية بالتحرك ضد الاعتداءات الإسرائيلية، في ظل اعتماد لبنان على الحراك الدولي للضغط على إسرائيل.

- تعكس الغارة الإسرائيلية رفض الحلول الدبلوماسية واستمرار خرق اتفاق وقف إطلاق النار، بينما يدرس حزب الله خياراته بعناية لتجنب مواجهة شاملة وسط تحديات أمنية وضغوط أمريكية.

مصادر لبنانية رسمية: غارة الضاحية جاءت ردّاً على مبادرة عون

مصدر في حزب الله: ندعو الدولة إلى تحمّل مسؤولياتها لحماية لبنان

شكّل استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت أمس الأحد، الإنذار الأخطر في التصعيد الإسرائيلي العسكري لما يحمله من رسائل إلى حزب الله والدولة اللبنانية، قد تكون أبرزها "رفض" المبادرة التي أطلقها الرئيس جوزاف عون في عيد الاستقلال، ليل الجمعة، والتي عوّل عليها لبنان كحلٍّ دبلوماسي، يُبعد سيناريو الحرب الواسعة عن أراضيه، والإصرار على مواصلة الضربات بلا خطوط حمر، والتأكيد للحزب بأنه لا يزال مكشوفاً أمنياً.

وضربة أمس التي استهدفت للمرة الأولى منذ وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 اجتماعاً عالي المستوى في معقل حزب الله، وتحديداً، شخصية تولّت مسؤولية القيادة العسكرية في الحزب بعد معركة أولي البأس (سبتمبر 2024)، أعادت إلى الواجهة السؤال حول وضعية حزب الله الأمنية، ومدى صحّة تعافيه، رغم التحقيقات والإجراءات التي قام بها عقب الاغتيالات التي طاولت قيادييه، وتفجيرات البيجرز، واللاسلكي، إبّان حرب أكتوبر/تشرين الأول 2023، عند فتحه جبهة إسناد غزة، وتأكيده العمل على معالجة الثغرات.

وتستمرّ إسرائيل في تغيير معادلاتها الميدانية، بذريعة منع الحزب من إعادة بناء ترسانته العسكرية، على مشارف أيام من السنة الأولى على وقف إطلاق النار، مستهدفة أمس منطقة حارة حريك للمرة الثانية بعد الضربات على الضاحية في 5 يونيو/حزيران الماضي، من دون إصدار أي إنذار بالإخلاء للسكان، وفي وقت الذروة، إذ اغتالت القيادي الكبير في حزب الله هيثم على الطبطبائي، ومعه 4 مجاهدين، في غارة أسفرت كذلك عن إصابة 28 شخصاً، وأضرار مادية كبرى.

وللمرة الأولى منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار، أصدر حزب الله 5 بيانات نعي، مستخدماً شعار ارتقائهم "شهداء فداءً للبنان وشعبه"، بعدما كان يربط إبان حرب 2023، بياناته بشعار "على طريق القدس"، من دون أن يتوعّد بتنفيذ أي ردّ على العملية، لكنّ مسؤوليه صعّدوا مواقفهم تجاه الدولة، مطالبين إيّاها بالتحرّك الفعّال لمواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة لسيادة لبنان. وتطرح هذه المستجدات علامات استفهام حول المسار الذي ستعتمده إسرائيل في الأيام المقبلة، وما إذا كانت ضربة الضاحية هي مقدّمة لتصعيدٍ واسعٍ، أم أنّ إسرائيل حققت الهدف من وراء عملية أمس، وستواصل عملياتها على الأراضي اللبنانية بالوتيرة نفسها، مع إبقاء السيناريوهات الأمنية المفتوحة، لما بعد انتهاء العام الجاري، ربطاً بالمهلة المحددة من الجيش اللبناني لتنفيذ المرحلة الأولى من خطته لحصر السلاح، في جنوب نهر الليطاني.

في المقابل، لا يزال لبنان الذي يتحضّر لاستقبال البابا لاوون الرابع عشر نهاية الأسبوع الجاري، يُعوّل على الحراك الدولي للضغط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها على أراضيه، رغم أنّ كل الخطوات التي قام بها، من إقرار أهداف الورقة الأميركية، وإقرار حصرية السلاح بيد الدولة، ومضي الجيش بتطبيقها، وصولاً إلى مبادرة عون التي أطلقها الجمعة، لم تأبه لها إسرائيل، وسط إصرارها على مواصلة ضرباتها، حائزة بذلك على ضوء أخضر من واشنطن، التي بدورها زادت من ضغوطاتها على لبنان وقائد جيشه، للإسراع في نزع سلاح حزب الله وقطع مسارات التمويل المالي عنه.

مصادر لبنانية: غارة الضاحية ردّ على مبادرة عون

وتقول مصادر رسمية لبنانية لـ"العربي الجديد"، إن "الغارة على الضاحية طبعاً هي ردّ على مبادرة عون، وعلى كل الخطوات التي يقوم بها لبنان، وقد أوصلت إسرائيل أكثر من رسالة في هذا الإطار، وتتمحور حول رفضها كل الحلول، وتمسّكها بمواصلة خروقاتها لاتفاق وقف إطلاق النار، ورفضها تطبيق القرارات الدولية"، وتشير المصادر إلى أن "المبادرة التي أطلقها عون مهمّة جداً، إذ تؤكّد جهوزية الجيش لتسلّم النقاط المحتلة جنوباً، واستعداد الدولة اللبنانية لأنّ تتقدم من اللجنة الخماسية فوراً بجدول زمني واضح محدد للتسلم، وتكليف اللجنة بالتأكد في منطقة جنوب الليطاني من سيطرة القوى المسلحة اللبنانية وحدها، وبسط سلطتها بقواها الذاتية، كما تؤكد جهوزية لبنان للتفاوض برعاية أممية أو أميركية أو دولية مشتركة، على أي اتفاق يرسي صيغة لوقف نهائي للاعتداءات، وهذه كلها خطوات تظهر جدية لبنان في تنفيذ مقرّراته، والتي تتطلب وقف إسرائيل لاعتداءاتها وخروقاتها لاتفاق وقف إطلاق النار".

وتلفت المصادر إلى أن "المخاوف موجودة من توسّع الحرب، خصوصاً أن لبنان لم يحصل على أي ضمانات تبعد هذا السيناريو، لكنّه في الوقت نفسه سيبقى متمسكاً بالحل الدبلوماسي ومعوّلاً على المساعي الخارجية لعودة الاستقرار"، مشيرة إلى أن "لبنان كثف من اتصالاته الخارجية عقب استهداف الضاحية، وسيواصل ذلك، لكن للأسف، الدعوات نفسها تتكرر من الجانب اللبناني، بضرورة الضغط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها، من دون أي نتيجة".

مصدر في حزب الله: نبحث مواقفنا وخياراتنا

من جهته، يقول مصدر نيابي في حزب الله لـ"العربي الجديد"، إنّ "اعتداء أمس يأتي في سياق الاعتداءات الإسرائيلية اليومية على الأراضي اللبنانية، والتي لم تتوقف منذ نوفمبر 2024، ويؤكد مرة جديدة أن إسرائيل لا تأبه لأي قرارات أو مبادرات، وهو ما يحتّم على لبنان أن يتوقف عن تقديم التنازلات ويوحّد صفوفه لمواجهة مشروع العدو وخلفه أميركا"، مشيراً إلى أن هناك اتفاقاً جرى التوصل إليه في نوفمبر 2024، التزم به لبنان، وعلى إسرائيل أن تلتزم به وتتوقف عن خرقه.

ويشير المصدر إلى أن "حزب الله، وعند كل اعتداء، يبحث مواقفه ولا يستعجل في إصدار أي موقف، خصوصاً أنه يعلم بالمشروع الإسرائيلي، ونية إسرائيل في جرّ الحزب إلى الردّ، وهو منذ سنة وحتى هذه اللحظة، ورغم آلاف الخروقات الإسرائيلية، يترك للدولة التصرّف، واليوم يدعوها إلى تحمّل مسؤولياتها لحماية لبنان"، مشدداً على أن حزب الله لا يزال صابراً، أما إلى متى، فهنا السؤال. وحول ما إذا كانت ضربة أمس دليلاً على أن الحزب لا يزال مكشوفاً ومخروقاً أمنياً وبشرياً، يقول المصدر "نحن خلال هذه السنة قمنا بالعديد من التغييرات والإجراءات الجديدة في مسار التعافي، إلى جانب التحقيقات التي فُتِحت، لكن لم ننكر يوماً أن إسرائيل متفوقة استخباراتياً، وأنها عمدت على مرّ السنين الماضية إلى جمع المعلومات عبر الطيران المسيّر، والوسائل التقنية، وهذه تفوق الخرق البشري، وطبعاً سنبحث ضربة الضاحية أمس وما حصل".

في الإطار، يقول العميد المتقاعد علي أبي رعد في حديث مع "العربي الجديد"، إن اغتيال الطبطبائي ضربة تُعدّ من الأخطر منذ انتهاء الحرب، ويمكن اعتبارها تحوّلاً خطيراً، فهو أول استهداف بهذا المستوى في الضاحية التي تُعتبر معقلاً أساسياً لحزب الله، معتبراً أن "استهداف قائد جهادي كما وصفه حزب الله ليس بالأمر البسيط، وحزب الله نفسه قدّمه أحدَ العقول التي قادت معارك في سورية واليمن والجنوب اللبناني، وهو قد يكون الرقم واحد في إعادة بناء الجناح العسكري للحزب"، معتبراً أيضاً أن الاستهداف لا شك أنه ردّ على مبادرة عون الأخيرة.

ويضيف أبي رعد "حزب الله كما يبدو استطاع ترميم هيكله بالكامل، لكن لا يمكن أن ننسى أن هناك تكنولوجيا وتفوقاً تقنياً لدى الإسرائيلي وبمساعدة غربية، خاصّة أميركية وبريطانية، ما يعقّد الوضع أمام حزب الله"، معتبراً أن حجم العملية ومكانها وطبيعة الاستهداف يؤكّد أننا أمام اختراق أمني كبير، ستكون عليه ردّات مختلفة سواء سياسية أو عسكرية في الساعات المقبلة. ويلفت إلى أن الاختراق الذي حصل أمس كبير، وهو يختلف عن مسارات اعتمدتها إسرائيل، مع العلم أن كل الأهداف التي تدعي قصفها عند التدقيق بطبيعتها ونوعية القصف، كانت متكرّرة سواء في الجنوب أو البقاع، مشيراً إلى أنه قبل الاستهداف بأيام، اتبعت إسرائيل أسلوب شيطنة حزب الله وتضخيم حجمه من أجل تبرير اعتداءاتها، والدفاع عن نفسها، وفعلت ذلك بتجهيز المشهد من خلال الضخ الإعلامي الكبير الذي حصل، وقد ترافق ذلك مع ضغوطات أميركية على الدولة اللبنانية بلغ أوجّها بإلغاء زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى واشنطن قبل أسبوع.

كذلك، يعتبر أبي رعد أن "حزب الله لا شك أنه سيدرس خياراته، وستتوالى مواقفه ولا سيّما بعد التشييع اليوم، فهناك معادلة للرد قد يسير بها، لكن أي رد سيكون محسوب ومدروس، ولا يأخذ إلى حرب شاملة، وإلّا سنشهد تدحرجاً سريعاً نحو مواجهة شاملة".

المساهمون