رسائل حزب الله السياسية على وقع مشهدية التحرير في جنوب لبنان

27 يناير 2025   |  آخر تحديث: 16:09 (توقيت القدس)
لبنانيون في طريق العودة إلى منازلهم بجنوب لبنان 26 يناير 2025 (الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- شهد الجنوب اللبناني تحريرًا جديدًا في 26 يناير 2025، حيث عاد الأهالي إلى قراهم بعد اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل، مما أعطى حزب الله دفعة معنوية وأكد استمرار المقاومة.
- استغل حزب الله التحرير لتعزيز موقفه السياسي، متمسكًا بمعادلة "الجيش والشعب والمقاومة"، ونظم مسيرات احتفالية أثارت توترات، مما استدعى تدخل الجيش اللبناني لضبط الأمن.
- يرى الخبراء أن حزب الله دخل في مرحلة تعبئة شعبوية قد تؤثر على الاستقرار السياسي، وسط دعوات لتعزيز الوحدة الوطنية ودعم الجيش اللبناني.

كتب الجنوب اللبناني في 26 يناير/ كانون الثاني 2025 تاريخاً جديداً للتحرير، أعاد مشهدية 25 مايو/ أيار 2000 الذي ترسّخ في عقول اللبنانيين، إذ زحف الجنوبيون إلى قراهم وبلداتهم المحتلة بمجرد انقضاء مهلة الستين يوماً التي نصّ عليها اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل، ووقف الأهالي، نساءً ورجالاً، بوجه دبابات ورصاص جيش الاحتلال، مصمّمين على العودة إلى أرضهم في جنوب لبنان بعد أكثر من عام على التهجير والتدمير، ما أعطى حزب الله جرعةً من القوة بعد خسائره في العام الماضي.

وواصل أهالي القرى والبلدات الحدودية لليوم الثاني العودة إلى أراضيهم، سيراً على الأقدام وبالسيارات بمواكبة من الجيش اللبناني، رغم الدمار الكبير وانعدام مقوّمات العيش والسكن ورغم التهديدات الإسرائيلية والاعتداءات المستمرة، التي أسفرت أمس الأحد عن استشهاد 24 شخصاً وجرح أكثر من مائة، وأوقعت مزيداً من الجرحى منذ صباح اليوم الاثنين، ويؤكد أهل الجنوب أن تمديد الاتفاق حتى 18 فبراير/ شباط المقبل لن يمنعهم من إكمال طريقهم نحو بيوتهم.

في المقابل، أعطت مشهدية التحرير هذه جرعة قوة لحزب الله الذي يحاول ترجمتها سياسياً، خصوصاً بعد الخسائر الكبيرة التي تكبّدها إبّان العدوان على لبنان وما تلاه من ضربات سياسية على مستوى رئاستي الجمهورية والوزراء، بالإضافة إلى تصميم القوى المعارضة على نزع سلاحه وعدم إدراج معادلة "الجيش والشعب والمقاومة" في البيان الوزاري للحكومة الجديدة المرتقب تأليفها، وقد انتشرت منذ يوم أمس دعوات إلى اعتماد معادلة "الجيش والشعب والدولة".

حزب الله يرفض التخلّي عن معادلته الثلاثية

ومرّر حزب الله العديد من الرسائل السياسية، سواء للداخل أو الخارج، أبرزها تمسّكه بمعادلة "الجيش والشعب والمقاومة" وتأكيده في بيان أصدره، أمس الأحد، بأن هذه المعادلة "تحمي لبنان من غدر الأعداء، وهي ليست حبراً على ورق، بل واقع يعيشه اللبنانيون يومياً، ويجسدونه بصمودهم وتضحياتهم"، مركزاً على صورة تعاون بيئة المقاومة مع الجيش لفتح الطرقات وتحرير الأرض، إلى جانب إظهار نفسه بأنه لا يزال قوياً ضمن بيئته ومحاطاً بدعمها من خلال تسليطه الضوء على أنّ أهالي الجنوب أكدوا يوم الأحد أنهم "لم ولن يتخلوا عن خيار المقاومة، وهم اليوم يؤكدون خياراتهم التي سلكوها وسيسلكونها مهما كانت التضحية".

كما نظم حزب الله مساء أمس مسيرات سيارة "احتفاء بالنصر" في البقاع وبعلبك الهرمل وباتجاه الجنوب، إلى جانب الضاحية الجنوبية لبيروت، بيد أن بعض المواكب جابت مناطق ذات "حساسية طائفية وحزبية" في العاصمة اللبنانية، منها شارع الجمّيزة، حاملةً أعلام حزب الله، ما أثار بعض الاستفزازات والإشكالات والاحتقان في الشارع، وما دفع الجيش اللبناني إلى التدخل، كما اعتبر البعض أن انتشار المظاهر المسلحة في هذه المسيرات هو رسالة سياسة من جانب حزب الله، الذي يرى أن هناك محاولات انقلاب عليه بجهود وضغوط خارجية، أميركية بشكل خاص.

وقال الجيش اللبناني في بيان، اليوم الاثنين، إنه "على خلفية قيام بعض المواطنين الذين يستقلون دراجات نارية ويرفعون أعلاماً حزبية بمسيرات في عدد من المناطق اللبنانية ليل أمس، تخلّلها إطلاق نار واستفزازات، ما يؤدي إلى تهديد السلم الأهلي، سيّرت وحدات من الجيش دوريات لمنع الأعمال المخلّة بالأمن والاستقرار وأوقفت عدة أشخاص، فيما تستمر بملاحقة بقية المتورطين". ودعت قيادة الجيش المواطنين إلى "التحلي بالمسؤولية، والتصرف بحكمة حفاظاً على الوحدة الوطنية والعيش المشترك".

"حزب الله دخل في مرحلة تعبئة شعبوية"

في الإطار، يقول مدير المنتدى الإقليمي للاستشارات والدراسات العميد الركن خالد حماده لـ"العربي الجديد" إنّ "ردّ فعل حزب الله أتى على مستويين، الأول التعبئة للجنوبيين التوّاقين للعودة إلى منازلهم والذين يعانون أوضاعاً إنسانية صعبة نتيجة تبخر وعود حزب الله بدفع التعويضات لهم، ونتيجة إحساسهم بأنّ استمرار الاحتلال بهذا الشكل قد يؤدي إلى عدم عودتهم حتى إلى منازلهم المدمرة، فحصل بالتالي استثمار لهذه الظروف الصعبة"، أما المستوى الثاني، يضيف حماده، فهو "ما قام به حزب الله من خلال تسيير عدد كبير من المواكب الأقرب إلى الهجمات على مناطق عدة من لبنان، بواسطة مئات الدراجات النارية والمسلحين، الذين أطلقوا النار بالهواء وعبثوا بالأمن والاستقرار"، لافتاً إلى أن "حزب الله، وإن أعلن التزامه بالتخلي عن سلاحه جنوبي الليطاني، فهو يظهر أن سلاحه الموجه للداخل لا يزال موجوداً للعب الدور عينه في الاعتداء على أمن واستقرار الناس، وتوجيه رسائل إلى الداخل أيضاً قوامها أنه غير ملتزم لا بالدولة ولا بالقانون، وما زال رغم ما حصل في الجنوب قادراً على أن يكون الفريق الذي يفرض إملاءاته على الداخل".

ويرى حماده أنّ "حزب الله دخل في مرحلة تعبئة شعبوية سترافق طبعاً المرحلة المقبلة سياسياً وربما على المستوى الأمني الداخلي"، معتبراً أنّ "التحركات التي حصلت في الشارع ستكون مدعاة لأن تتكرر، وتستخدم للضغط في الاستحقاقات منها تشكيل الحكومة في حال لم تكن على مستوى آمال وطموحات حزب الله، بمعنى أن يعاد تكريس حقائب وزارية معينة تبوأها الحزب وحركة أمل في مراحل سابقة وكانت جزءاً من الفساد واستخدام المال العام، وهي في المقابل ستضع العهد والحكومة التي ستشكل ربما قريباً أمام إعادة النظر في مسؤولياتها، وقد تؤدي أيضاً إلى نوع من الاستنفار السياسي الداخلي على خلفية هذه التجاوزات للأمن". ويعتبر العميد الركن أن "المرحلة المقبلة دقيقة جداً وحرجة لأننا دخلنا في صراع حقيقي أمام مشروع بناء الدولة، الذي ربما سيواجه عقبات وعثرات مصدرها حزب الله، وأمام ربما إصرار من مجموعات سياسية أخرى على تغليب منطق الدولة والقانون وعدم العودة إلى ما كان عليه الوضع سابقاً".

وأثارت مشهدية المواكب والمظاهر المسلحة أمس ردود فعل سياسية، خصوصاً من جانب القوى المعارضة، ومنها حزب الكتائب اللبنانية برئاسة النائب سامي الجميل، الذي عبّر عن رفضه الاستقواء وزعزعة الاستقرار، مشدداً على أنهم لن يسمحوا "بعودة عقارب الساعة إلى الوراء". كما أكد أن "محاولات تغيير المعادلات الداخلية، أو فرض مكاسب سياسية ووزارية، أو العودة إلى المعادلات الخشبية في البيانات الوزارية عبر الشارع أو الترهيب، لن تمرّ. الشعب اللبناني، الطامح إلى الاستقرار والعيش تحت سقف القانون والدستور سيواجه هذه المحاولات بحزم".

"الاستفادة من مشهدية الأحد"

من جهته، يقول الباحث الأمني والعسكري العميد ناجي ملاعب لـ"العربي الجديد": "لا شكّ أن ما حصل أمس سوف يستفيد منه حزب الله الذي يريد أن يفرض المعادلة الخشبية، الجيش والشعب والمقاومة، ولكن هذا الأمر يعود إلى العهد الجديد بشكل كامل، مع الإشارة إلى أنها لم تعد مقبولة من اللبنانيين من خارج بيئة حزب الله التي بدورها دفعت الثمن الكافي لذلك". من ناحية ثانية، يشير ملاعب إلى أنه "إذا أحسن لبنان الاستفادة من هذه البطولة التي حصلت في الثبات وتحصين الأرض والعودة اليها، فأعتقد أن هذا يعطي دفعاً للعهد الجديد في لبنان ولرئيس الجمهورية والرئيس المكلف تشكيل الحكومة، لذلك نحن أمام فرصة بأن يتحرّك الضمير العالمي باتجاه الانسحاب الكامل لجيش الاحتلال". واعتبر ملاعب أن "رسالة الرئيس جوزاف عون للجنوبيين كانت في مكانها، ومن الميزات المهمة التي حصلت هي دخول الجيش مع الأهالي إلى القرى المحظورة، والتي كانت تتحكم بها لجنة الاشراف على تطبيق قرار وقف إطلاق النار وشُكلت كآلية تنفيذ القرار 1701 لكنها تنفذ الإرادة الإسرائيلية حتى اليوم".

واستغرب ملاعب البيان المشترك الصادر عن المنسقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان، جينين هينيس بلاسخارت، ورئيس بعثة اليونيفيل وقائدها العام، الجنرال أرولدو لاثارو، باعتبارهم "المنطقة غير آمنة للدخول إليها من جانب الأهالي، وأن على لبنان وإسرائيل تنفيذ القرار 1701، وذلك في وقتٍ التزم فيه لبنان بالاتفاق بعكس الاحتلال، كما أعلن الجيش اللبناني الجهوزية التامة للانتشار في القرى والبلدات فور انسحاب جيش الاحتلال، من هنا كان على البيان أن يحدد الجهة التي لم تلتزم ولم تخرج تبعاً للاتفاق"، واعتبر ملاعب أنّ "ما حصل أمس في الجنوب يجب أن يستفيد منه اللبنانيون، فالمطلوب أن يكون الرأي جامعاً، ووقف الانقسامات اللبنانية، وينصبّ الجهد كله إلى جانب الجيش اللبناني والعهد الجديد لإتمام الانسحاب الكامل لجيش الاحتلال".