رحيل المناضل جيلبار النقاش أحد أبرز رموز اليسار التونسي

27 ديسمبر 2020
الصورة
عاش النقاش معارضاً ورحل كذلك، وعرف بمعارضته لنظامي بورقيبة وبن علي (ويكيبيديا)
+ الخط -

رحل أمس الكاتب والمناضل التونسي جيلبار النقاش عن عمر ناهز 81 عاماً مليئة بالنضال والكفاح من أجل تونس الديمقراطية والحرية، التي تتسع لجميع القوى والأطياف السياسية.

ونعت غالبية الأحزاب والمنظمات الحقوقية في بيانات وبلاغات فقيد الساحة السياسية، مستذكرة مناقبه وتاريخه النضالي والحقوقي الطويل.

وحكم على النقاش زمن الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة بـ14 سنة سجناً، وتعرّض لشتى أنواع التعذيب والتنكيل قبل أن يطلق سراحه بعد قضاء 10 سنوات منها، ثم خضع للإقامة الجبرية والمراقبة الإدارية لسنوات قبل أن يفر إلى فرنسا.

عاش النقاش معارضاً ورحل كذلك، وعرف بمعارضته لنظامي بورقيبة وبن علي، ولم يعد إلى وطنه تونس إلا بعد قيام الثورة التونسية في 2011، ليتم الاستماع له كشاهد في أول جلسة استماع علنية نظمتها هيئة الحقيقة والكرامة، ليروي للعالم ما تعرض له من تعذيب ومضايقات في عهدي بورقيبة وبن علي.

ويقول القيادي البارز في حزب المسار الديمقراطي الاجتماعي (وريث للحزب الشيوعي التونسي) جنيدي عبد الجواد "من يحن إلى الديكتاتورية والاستبداد عليه أن يتصفح مسيرة جيلبار النقاش، وكل الأحرار، ليعي بشاعة الاستبداد، ليدرك أن الحرية هي مطلب وجودي لا يضاهيه أي مطلب، ومن دون الحرية لا وجود للإنسان ولا وجود للدولة، مستشهدا بقول النقاش "أنا أقف على أرض الحرية وحيداً، أسند نفسي بنفسي... أنا حرّ".
وأضاف عبد الجواد في حديثه لـ"العربي الجديد": "أتوجه بتحية خشوع ومحبة وإكبار لروح المناضل اليساري الكبير الذي قضى عمره في الكفاح من أجل الحرية والكرامة". وتابع: أقول "وداعاً جيلبار النقاش... لروحك السلام ولرفيقة دربك عزّة وعائلتك ورفاقك وأصدقائك جميل الصبر".

لم يعد النقاش إلى تونس إلا بعد قيام الثورة التونسية في 2011، ليروي للعالم ما تعرض له من تعذيب ومضايقات في عهدي بورقيبة وبن علي

وأعلنت رئاسة الجمهورية في بلاغ نعي رسمي أن الرئيس التونسي قيس سعيد "أسدى تعليماته لسفير تونس بباريس، لتيسير كل الإجراءات لنقل جثمان الفقيد إلى تونس، حيث أوصى قبل وفاته بأن يوارى الثرى فيها".

ونعت الرئاسة الفقيد واصفة إياه بـ"أحد المناضلين التونسيين الصادقين، ممن آمنوا بمبادئ التحرر والعدل، وناضلوا من أجلها إلى آخر رمق". مضيفة في بلاغ نشرته على صفحتها الرسمية بموقع "فيسبوك": "لقد خسرت تونس بوفاة جيلبار النقاش أحد الذين ثبتوا وصمدوا وثابروا، بالرغم من غياهب السجون التي قضوا فيها سنوات طويلة من شبابهم، وبالرغم من الأصفاد التي أدمت أيديهم، ولكنها لم تثل أبداً في عزائمهم وإرادتهم وإخلاصهم".
وتابع البلاغ: "عاش جيلبار النقاش ثابتاً مؤمناً بالثورة، ومات ثابتاً وهو مؤمن بها أيضاً، حتى وهو على فراش المرض، وسيحفظه التاريخ في تونس وفي العالم كله، كرمز من رموز التحرر الوطني، بل كأحد رموز تحرر الإنسانية جمعاء".

وبدوره دعا رئيس البرلمان التونسي راشد الغنوشي، في بيان نعي جيلبار النقاش، رئاسة الجمهورية لتنظيم جنازة وطنية "تكريماً لروحه ومسيرته النضالية، وتقديراً لجهوده التي بذلها من أجل التحرر وتحقيق العدالة والدفاع عن الحقوق والكرامة الإنسانية".

بدوره نعى رئيس الحكومة هشام المشيشي في بلاغ رسمي المفكر التونسي والمناضل جيلبار النقاش، معبراً عن مواساته لعائلته ورفاقه.

ونعى الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي في تدوينة على صفحته الرسمية بفيسبوك قائلاً: "توفي السيد جيلبار النقاش الذي عرفته طيلة الثمانينيات… جمعتنا نفس قيم اليسار الاجتماعي والحركة الحقوقية، وكان أيضاً من القلائل الذين غامروا بنشر أحد كتبي باللغة الفرنسية L’échec et l’espérance، ثم فرقتنا الخلافات الأيديولوجية حول الموقف من الإسلاميين، لكنني لم أتخلّ يوماً عن احترامي لوطنيته وصدقه وإخلاصه للمبادئ التي قادته سنوات طويلة للسجن والمضايقات والعزل الاجتماعي، ناهيك عما تعرض له من عنصرية وتمييز بسبب ديانته اليهودية. وداعاً أيها الرجل الفاضل وكل تعازي الصادقة لأهله وذويه".

وكان النقاش يسارياً ماركسياً، انضم إلى حركة أفاق "برسبكتيف"، التنظيم الذي تأسس على يد ثلّة من الطلبة التونسيين المنتمين إلى تيارات فكرية ماركسية وماوية وتروتسكيين وقوميين يساريين.. فور عودته من دراسته في فرنسا.

ونشط في كنف السرية مع رفاقه في تجمع الدراسات والعمل الاشتراكي في تونس، الذي نشأ في ظروف موسومة بالانغلاق السياسي الحاد، بسبب قرار حظر الحزب الشيوعي التونسي، وبعد تصاعد ملاحقة التيار اليوسفي في تلك الحقبة.

ساند النقاش القضية الفلسطينية بقوة، وكانت معاداته للصهيونية وممارساتها العنصرية قضية مبدئية بالنسبة إليه، حيث برز بوضوح في مشاركته في جميع الفعاليات المنددة بالانتهاكات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين.

وأثمرت سنوات السجن القاسية زمن بورقيبة كتابه الشهير "كريستال"، الذي وثق عبره على أغلفة علب السجائر التونسي "كريستال" تجربة نضال مجموعة من المساجين السياسيين الشبان، ليتحول إلى وثيقة مرجعية تلخص حقبة من تاريخ حركة "العامل التونسي" واليسار في تونس والعالم العربي.

وبعد اندلاع الثورة التونسية، ساهم النقاش في الحراك السياسي، وأدلى بدلوه في الشأن العام، وكان أول المنسحبين من الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي، التي تأسست بعد أشهر قليلة من فرار الرئيس الراحل بن علي احتجاجاً على خياراتها.

وكان جيلبار النقاش من بين المدافعين عن تحقيق العدالة الانتقالية والوصول إلى المصالحة السياسية في البلاد، ولكنه رحل قبل أن تستكمل العدالة الانتقالية في تونس آخر محطاتها.

المساهمون