رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي في دمشق: معتقلو "داعش" أولوية

13 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 17:30 (توقيت القدس)
فائق زيدان ومظهر الويس في دمشق، 13 أغسطس 2026 (وزارة العدل السورية/ فيسبوك)

وصل رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي فائق زيدان، الخميس، إلى العاصمة السورية دمشق، على رأس وفد قضائي، لإجراء مباحثات مع المسؤولين السوريين حول "عدد من الملفات والقضايا ذات الاهتمام المشترك"، وفي مقدمتها ملف معتقلي تنظيم "داعش" الإرهابي المنقولين من سورية إلى السجون العراقية.

وقالت وزارة العدل السورية، عبر معرفاتها الرسمية، إن وزير العدل السوري مظهر الويس عقد مع زيدان لقاء في قصر تشرين بدمشق، بحضور مستشار الشؤون العربية في وزارة الخارجية والمغتربين محمد طه الأحمد، وأعضاء مجلس القضاء الأعلى السوري، لبحث سبل تعزيز التعاون القضائي والقانوني بين البلدين.

وقال الويس إن العلاقات بين سورية والعراق شهدت، خلال الفترة الماضية، تطوراً وتحسناً في عدد من المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والأمني، معرباً عن تطلع دمشق إلى أن يواكب هذا التطور تعاون أكبر في المجالين القضائي والقانوني. وأضاف أن سورية تتطلع إلى تعزيز قنوات التواصل والتنسيق بين مؤسسات العدالة في البلدين، مؤكداً أن "احترام سيادة الدول وحسن الجوار وتعزيز التعاون بين دول المنطقة" تمثل أسساً لتحقيق الأمن والاستقرار.

وأشار الوزير السوري إلى أن بلاده تعيش مرحلة جديدة عنوانها "بناء دولة القانون والمؤسسات وترسيخ الوحدة الوطنية وتعزيز الاستقرار"، مؤكداً حرص دمشق على بناء علاقات متوازنة وإيجابية مع محيطها، قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.

بدوره، أكد رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي، في كلمة له خلال الاجتماع المشترك مع وزير العدل السوري، استعداد المجلس لتقديم أي مساعدة في المجال القضائي، مشيداً بجهود إعادة بناء الدولة السورية في المجالات كافة، وقال: "نشد على أيديكم في إعادة بناء الدولة السورية في المجالات كافة".

مصدر قضائي عراقي لـ"العربي الجديد": الجانب العراقي يركز على محاكمة العراقيين من عناصر التنظيم أمام القضاء العراقي وفق القوانين النافذة، ولا سيما قانون مكافحة الإرهاب، مقابل البحث عن صيغ قانونية للتعامل مع المعتقلين الأجانب

وذكرت وكالة الأنباء العراقية (واع) أن الزيارة تأتي "لبحث عدد من الملفات، أبرزها ملف معتقلي تنظيم داعش الذين نقلوا إلى السجون العراقية". وتبرز قضية المعتقلين المنقولين من سورية إلى العراق باعتبارها أحد أبرز الملفات المطروحة على جدول أعمال الزيارة. 

تأتي زيارة زيدان في سياق مساع سورية وعراقية لتعزيز العلاقات الثنائية وتوسيع التعاون بين مؤسسات البلدين، بعد تطورات شهدتها العلاقات خلال الفترة الماضية على المستويين الأمني والاقتصادي.

وقال مصدر قضائي عراقي إن "زيارة زيدان إلى دمشق ستبحث بصورة أساسية التعاون القضائي بين البلدين، ولا سيما ملف معتقلي تنظيم داعش الذين جرى نقلهم من سورية إلى السجون العراقية"، مؤكداً لـ"العربي الجديد"، طالباً عدم كشف هويته، أن "بغداد لا تريد أن يبقى الملف عالقاً، وإنما تسعى إلى بناء قنوات تنسيق مباشرة مع القضاء السوري بشأن ملفات المعتقلين والمعلومات والأدلة المتعلقة بهم". وأضاف المصدر أن "الجانب العراقي يركز على محاكمة العراقيين من عناصر التنظيم أمام القضاء العراقي وفق القوانين النافذة، ولا سيما قانون مكافحة الإرهاب، مقابل البحث عن صيغ قانونية للتعامل مع المعتقلين الأجانب، خصوصا أولئك الذين لا ترتبط جرائمهم بأرض عراقية".

وشدد المصدر على أن "بغداد تريد الفصل بين المسؤولية الجنائية للأفراد وجنسياتهم، بحيث لا يتحول نقل المعتقلين إلى العراق إلى التزام مفتوح بمحاكمة جميع العناصر الموجودة في السجون العراقية، وهو ملف يمكن أن يفرض أعباء قانونية وأمنية وسياسية كبيرة على الدولة العراقية، فضلا عن تعقيدات تتعلق بالاختصاص القضائي والأدلة وحقوق المتهمين والتزامات الدول التي يحملون جنسياتها".

وتحمل هذه التصريحات دلالة سياسية، إذ إن التعاون في ملف "داعش" يمكن أن يشكل مدخلاً لتطوير العلاقة الرسمية بين البلدين عبر المؤسسات القضائية، بعيداً عن الملفات السياسية الأكثر حساسية. كما أن طبيعة ملف المعتقلين تفرض تعاوناً مباشراً في تبادل المعلومات والوثائق والأدلة وأحكام القضاء وبيانات الهوية والسجل الجنائي، وهي جميعها قضايا لا يمكن التعامل معها بصورة فعالة من خلال القنوات السياسية وحدها.

وتأتي الزيارة في أعقاب عملية نقل كبيرة جرت في فبراير/ شباط الماضي، عندما نقل أكثر من 5 آلاف عنصر من تنظيم "داعش"، يحملون جنسيات أكثر من 60 دولة عربية وأجنبية، من سجون تديرها "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) إلى سجون داخل العراق، ضمن اتفاق رعته الولايات المتحدة. وجعلت عملية النقل العراق طرفاً مركزياً في واحدة من أكثر القضايا تعقيداً التي خلفها الصراع مع التنظيم، بعد أن تحولت بغداد من دولة تواجه تهديد "داعش" عسكرياً إلى دولة تحتضن جزءاً كبيراً من ملفه القضائي.

ومنذ وصول المعتقلين، تحركت بغداد باتجاه إعادة فحص ملفاتهم، وشكلت لجان تحقيق لاستجوابهم وفق قانون مكافحة الإرهاب العراقي، بالتوازي مع عمل مجلس القضاء الأعلى والأجهزة الأخرى على بناء قاعدة بيانات تتضمن المعلومات والإفادات التي يتم الحصول عليها خلال التحقيقات.

ولا يقتصر هذا المسار على الجانب القضائي الداخلي، إذ تحركت بغداد أيضا باتجاه الدول التي ينتمي إليها المعتقلون المرحلون من سورية، بهدف بحث إمكانية تسلم مواطنيها في الحالات التي يثبت فيها أن نشاطهم المسلح اقتصر على الأراضي السورية ولم يرتبط بجرائم داخل العراق. ويضع ذلك الحكومة العراقية أمام معادلة دقيقة؛ فمن جهة يتعين عليها منع الإفراج عن أشخاص قد يمثلون تهديدا أمنيا، ومن جهة أخرى فإن استمرار احتجاز أجانب لفترات طويلة من دون مسارات قضائية أو ترتيبات واضحة يمكن أن يحول الملف إلى عبء سياسي وقانوني على العراق.

يشار إلى أن التعاون بين بغداد ودمشق يمكن أن يساعد القضاء العراقي في الوصول إلى الأدلة المرتبطة بالجرائم التي ارتكبها التنظيم داخل الأراضي السورية، خصوصاً في ظل وجود معلومات وشهادات ووثائق لا تزال مرتبطة بمناطق العمليات السابقة وسجون ومراكز احتجاز كانت تابعة للجهات التي قاتلت "داعش" في سورية.