رئيس الوزراء النرويجي أحدث ضحية للابتزاز الإسرائيلي باسم "معاداة السامية"
استمع إلى الملخص
- أكد ستور التزامه بمحاربة معاداة السامية وحماية الأقليات، مشيراً إلى أن الكراهية تتجلى عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، وشدد على أهمية إحياء ذكرى "ليلة البلور" كمسؤولية أخلاقية.
- يعكس الهجوم الإسرائيلي موقف ستور الداعم لفلسطين وانتقاده لسياسات إسرائيل، حيث اعترفت النرويج بفلسطين وتواصل دعمها لوكالة "أونروا" والتزامها بالقانون الإنساني الدولي.
استغلت إسرائيل مناسبة في النرويج تتعلق بإحياء ذكرى جرائم النازية ضد اليهود، لتشن هجوماً حاداً على رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستور، أول من أمس الأحد، اذ ادعت وزارة الخارجية الإسرائيلية، أن ستور "سجل أرقاماً قياسية جديدة في الانحطاط الأخلاقي والعداء لإسرائيل وفي معاداة السامية"، وذلك على خلفية مشاركته في فعالية نظمها المركز النرويجي لمناهضة العنصرية بدعم من اللجنة النرويجية لفلسطين، بدلاً من الانضمام لحفل نظمته الجالية اليهودية في النرويج.
ولطالما استغلت دولة الاحتلال معاداة السامية لتبرير حروبها وجرائمها، خصوصاً بحق الفلسطينيين، إلى جانب محاولة استجرار التعاطف والدعم الدولي والشعبي مع إجراءاتها ومواقفها الإقليمية والدولية، بوجه لا من يعاديها فحسب، بل حتى من ينتقد حكومتها. وخلال حرب الإبادة في قطاع غزة والعدوان المتواصل على الضفة الغربية المحتلة، بلغت وقاحة تل أبيب حد استخدام هذه التهمة تجاه مسؤولين رفيعي المستوى في دول العالم، بعضهم يهود، في دول تعتبر "صديقة لإسرائيل". وهؤلاء المسؤولون لم يقفوا صامتين أو مكتوفي الأيدي أمام استباحة الاحتلال للقانون الدولي والإنساني، وإفلاته من العقاب، على رأسهم مسؤولون في جنوب أفريقيا وكولومبيا وإسبانيا. ولم يكن ستور استثناء.
حماية كل الأقليات
لكن ستور، كتب مساء أول من أمس، على منصة إكس: "تم تمثيلنا في كلا الاحتفالين في أوسلو للتأكيد على التزامنا بمحاربة جميع أشكال معاداة السامية"، دون تحديد الفعاليتين اللتين نظمتا بمناسبة "ليلة البلّور" أو "ليلة الزجاج المكسور". وتشير هذه المناسبة إلى تحطيم نوافذ المتاجر والمعابد اليهودية، في أنحاء ألمانيا والنمسا ومنطقة سوديتنلاند في تشيكوسلوفاكيا التي كانت تحت الاحتلال النازي في 1938.
ستور: سنبذل أنا وحكومتي كل ما في وسعنا لحماية اليهود في النرويج ودعمهم والوقوف إلى جانبهم، وكذلك إلى جانب الأقليات الأخرى
وأعاد ستور نشر خطابه الذي ألقاه بالمناسبة، والذي أكد فيه أن "الزجاج المكسور يمكن أن يحدث في عصرنا عبر الإنترنت، على وسائل التواصل الاجتماعي في أقسام التعليقات، نعم حتى في الاحتفالات والأحداث، وذلك غالباً ضد الأقليات؛ اليهود والمسلمين والساميين والغجر والمثليين والمتحولين جنسياً وغيرهم". وأضاف أنه يجب السعي للعيش في مجتمع لا يوجد فيه "آخرون" أو "نحن فقط". وتابع: "يجب أن نفهم أنه إذا تعرضت مجموعة واحدة منا للهجوم، فإننا جميعاً نتأثر... لدينا مسؤولية أخلاقية تجاه إخواننا من البشر". واعتبر أنه "لهذا السبب فإن إحياء ذكرى ليلة البلور مهم اليوم... خطاب الكراهية - ضد أي مجموعة - في النرويج اليوم غير قانوني ولا يمكن التسامح معه". وختم: "بصفتي رئيساً للوزراء، أريد أن أقول: سنبذل أنا وحكومتي كل ما في وسعنا لحماية اليهود في النرويج ودعمهم والوقوف إلى جانبهم، وكذلك إلى جانب الأقليات الأخرى".
ونشر المركز النرويجي لمناهضة العنصرية، الذي أسس عام 1984، ويعرّف عن نفسه بأنه يعمل على مكافحة العنصرية والتمييز، ويقدم من بين أمور أخرى، المساعدة القانونية والتوجيه المهني والعمل على بناء المواقف من أجل التنوع والمساواة، أول من أمس، صورة لفعالية إحياء ذكرى "ليلة البلور" يظهر فيها ستور. وقال المركز في بيان على فيسبوك "نجتمع هنا - كل عام للتذكر والتعلم، لأن الكراهية لا تموت من تلقاء نفسها. معاداة السامية لم تختف". وأضاف أنه "يجب ألا تكون ليلة البلور أبداً ذكرى تاريخية خالصة، إنها تذكير ووعد... وتعهد بحماية كرامة الإنسان، ليس فقط للبعض بل للجميع". وتابع: "الوعد بأن عبارة لن يتكرر الأمر أبداً، تعني عدم تكرار الأمر أبداً، بغض النظر بمن يتعلق الأمر". يُذكر أن هذه العبارة استخدمها يهود وناشطون احتجوا وتظاهروا ضد الإبادة في قطاع غزة ودعماً لفلسطين حول العالم، من بينها في الولايات المتحدة وأوروبا، في إشارة إلى أن ما حدث لليهود إبان النازية يجب ألا يتكرر تجاه شعب آخر. أما اللجنة النرويجية من أجل فلسطين (التي لم تذكر شيئاً عن الحدث على موقعها أو وسائل التواصل الاجتماعي)، فهي منظمة غير حزبية تدعم حق الفلسطينيين في تقرير المصير والحرية، ولديها 25 فرعاً في جميع أنحاء النرويج، وتقوم بحملات تضامنية مع شعب فلسطين ونضاله من أجل الحرية.
تهمة "معاداة السامية"
رغم هذه البيانات، ادعت وزارة الخارجية الإسرائيلية، في بيان من مساء أول من أمس، أن "رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستور سجل أرقاماً قياسية جديدة في الانحطاط الأخلاقي والعداء لإسرائيل ومعاداة السامية". وزعمت أنه "اختار المشاركة في احتفال حول حادثة مروعة من جرائم قتل اليهود واضطهادهم، وهي ذكرى ليلة الزجاج المكسور، إلى سلاح ضد الدولة اليهودية والإسرائيليين واليهود".
الخارجية الإسرائيلية اتهمت ستور باستخدام ضحايا الهولوكوست لتحقيق مكاسب سياسية
واعتبرت أن "هذه إهانة لذكرى ضحايا الهولوكوست، وخصوصاً أكثر من 750 يهودياً نرويجياً رُحّلوا وقتلوا على يد النازيين وعملائهم المحليين". وجاهرت الوزارة أكثر بادعائها قائلة إن "هذا الحدث، الذي يُنظّمه المركز النرويجي لمناهضة العنصرية، بدعم من اللجنة النرويجية لفلسطين، يستغل الهولوكوست لتأجيج معاداة الصهيونية ومعاداة السامية". وتابعت: "برفضه طلبات الجالية اليهودية والانضمام إلى الحدث (لم تحدده ولا تاريخه)، يرسل رئيس الوزراء رسالة خطيرة مفادها أنه حتى ذكرى ضحايا الهولوكوست يمكن استخدامها لتحقيق مكاسب سياسية". في هذا السياق ذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية، أمس، أنه خلافاً لبيان الخارجية الإسرائيلية، فإن ستور قال خلال الفعالية: "حكومتي ستبذل قصارى جهدها لحماية يهود النرويج وجميع الأقليات ودعمهم"، ومما قاله أيضاً وتجاهلته الخارجية الإسرائيلية إنه "يجب أن تكون النرويج بلداً يمكن للمرء أن يقول فيه بفخر: أنا يهودي".
موقف النرويج من الإبادة
وبالتالي بدا واضحاً أن هذا الهجوم الإسرائيلي الرسمي على ستور، واتهامه بـ"معاداة السامية" مرده الأساس موقفه وموقف حكومته منذ أكثر من عامين من الإبادة، إذ انتقد مراراً منع إسرائيل إدخال المساعدات الإنسانية لنحو 2.4 مليون فلسطيني في قطاع غزة، فيما كانت النرويج إحدى الدول التي اعترفت بفلسطين العام الماضي. في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، إبان الأسابيع الأولى لحرب الإبادة، شدد ستور في تصريح على أن إسرائيل تجاوزت قواعد القانون الدولي الإنساني في حربها على قطاع غزة عبر ردها "غير المتكافئ" على هجوم السابع من أكتوبر 2023. وفي مايو/ أيار 2024 أعلن ستور أن بلاده ستعترف بالدولة الفلسطينية، معتبراً أنه "لا يمكن أن يكون هناك سلام في الشرق الأوسط إذا لم يكن هناك اعتراف" بالدولة الفلسطينية. وبالفعل في 28 مايو 2024، أعلنت النرويج، اعترافها رسمياً بدولة فلسطين. كما شارك ستور في قمة "السلام" في شرم الشيخ التي وضعت حداً لحرب الإبادة الشهر الماضي، قائلاً حينها إن النرويج ستقوم بدورها. وقال إن "هناك الآن أملاً حقيقياً في إمكانية إنهاء المعاناة في غزة، ولكن لا يزال هناك طريق طويل لنقطعه لتحقيق السلام والاستقرار الدائمين والعودة إلى الحياة اليومية الطبيعية لشعب غزة". وأضاف أنه "من الضروري الحفاظ على أمن السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية، الذين يتعرضون لضغوط شديدة".
ورغم أن للنرويج علاقة طويلة مع إسرائيل، وتصف نفسها بأنها صديقة لتل أبيب، كررت وزارة الخارجية النرويجية منذ حرب الإبادة في بيانات متلاحقة أن "استخدام إسرائيل القوة العسكرية له تأثير شديد على المدنيين، ولا يتماشى مع القانون الإنساني الدولي". وفي أعقاب المزاعم الإسرائيلية بأن موظفي وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى "أونروا" شاركوا في عملية "طوفان الأقصى"، في السابع من أكتوبر، وتوقّف العديد من الدول عن دعم الوكالة قبل عودتهم عن قرارهم بعد ثبوت كذب ادعاءات الاحتلال، واصلت النرويج تقديم التمويل لها. وكان للنرويج التي شهدت مدنها تظاهرات أسبوعية إسناداً لغزة، مرافعات أمام محكمة العدل الدولية في القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل بجرم ارتكاب إبادة جماعية
في غزة، ألقت خلالها الضوء على خطورة الاستيطان. كما سبق أن أكد وزير الخارجية النرويجي إسبن بارث إيدي أنه في حال إصدار المحكمة الجنائية الدولية (أصدرتها العام الماضي) مذكرة اعتقال بحقّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الأمن السابق يوآف غالانت، فإن بلاده ملتزمة بتوقيفهما إذا زاراها.(العربي الجديد، الأناضول)