- بعد الغزو، شهد العراق فوضى وعنفاً مع صعود الفصائل المسلحة والمليشيات، مما يعكس فشل الجيش العراقي في احتكار القوة وقرار الحرب والسلم.
- يعاني العراق من تحديات اجتماعية واقتصادية كبيرة، مثل ارتفاع معدلات الفقر والبطالة وتدهور البنية التحتية، مما يعكس استمرار تأثيرات الغزو.
تصادف اليوم الذكرى الثالثة والعشرون على احتلال العراق على يد القوات الأميركية، في التاسع من إبريل/نيسان 2003، يوم إسقاط نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين
، واحتلال كامل بلاد الرافدين. الحدث الذي اعتاد الشارع العراقي استذكاره كل عام، بمستويات ومواقف متنافرة، يُتفق هذا العام استثنائياً على أنه "درس عراقي" لم تستوعبه دول منطقة الشرق الأوسط، ولم يفرز استراتيجية وقائية تمنع تكراره. ولا يمكن فصل ذكرى الغزو الأميركي للعراق عن الأسابيع الحالية في تاريخ الشرق الأوسط، الذي يعيش حرباً أميركية ـ إسرائيلية على إيران، استعار فيها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التهديد ذاته الذي أطلقه وزير الخارجية الأميركي الأسبق جيمس بيكر عام 1991 ضد العراق، بإعادته إلى "العصر الحجري" أو "عصر ما قبل الصناعة"، وهي العبارة التي كررها ترامب الأسبوع الماضي متوعداً طهران بمصير مماثل، حيث تم تدمير جسور ومعامل ومنشآت العراق الصناعية والزراعية والخدمية المختلفة وما زال لغاية الآن لم يتعافَ من هذا العدوان، وهو ما يتكرر اليوم في إيران.استرجاع ذاكرة احتلال العراق
بدأ احتلال العراق بهجوم في 19 مارس/آذار 2003 عبر ضربات جوية مكثفة استهدفت جميع مفاصل الدولة العراقية والقواعد العسكرية ووحدات الجيش والمقرات الرئاسية ومناطق سكنية، ووصل معدل الضحايا الذين يفدون للمستشفيات العراقية إلى 100 شخص بالساعة الواحدة ودارت معارك غير متكافئة بين القوات العراقية والقوات المهاجمة، انتهت بعد 21 يوماً بسقوط بغداد في التاسع من إبريل 2003. وشنّت الولايات المتحدة وحلفاؤها، وفقاً لبيانات رسمية عن وزارة الدفاع الأميركية، 41 ألف طلعة جوية قتالية في العراق، منها 15 ألفاً و800 ضربة جوية، بواقع 500 ضربة جوية يومياً، وتم إسقاط 29 ألف قنبلة وصاروخ على المدن العراقية، وبما يعادل أكثر من 20 ألف طن من المتفجرات.
وتولت القوات البريطانية السيطرة على عدد من مدن الجنوب مع القوات البولندية والأسترالية، بينما تولت القوات الأميركية السيطرة على بغداد ومدن وسط وشمال وغرب البلاد، في حين كانت محافظات دهوك وأربيل والسليمانية عملياً خارجة عن سيطرة الدولة العراقية، ويسيطر عليها مسلحو الحزبين الكرديين، الاتحاد الوطني الكردستاني، والحزب الديمقراطي الكردستاني. وكشفت تقارير سربتها وسائل إعلام أميركية أن إدارة الرئيس الأميركي حينها جورج بوش الابن، لم تكن تمتلك أي خطة لإدارة العراق بعد احتلاله وهو ما ساهم في نشر الفوضى والعنف بعموم أرجاء البلاد، ساعد في ذلك سوء اختيار واشنطن للشخصيات السياسية التي استقدمتها من المنفى لحكم البلاد.
المفارقة الأهم في ذكرى الغزو الأميركي للعراق، أنها تأتي مع تجدد القصف الأميركي على العراق مرة أخرى، الذي يستهدف قوى وجماعات مسلحة، بعضها مرتبط بأحزاب سياسية دعمتها قبل 23 سنة خلال تأسيس العملية السياسية في عراق ما بعد صدام حسين، وأبرزها حزب الدعوة بزعامة نوري المالكي، الذي ترفض واشنطن اليوم عودته لرئاسة الوزراء وتهدد بـ"عزلة" على العراق حال تحقق له ذلك، ومنظمة بدر بزعامة هادي العامري، عضو مجلس الحكم الانتقالي الذي شكله الحاكم المدني الأميركي بول بريمر عام 2003 عقب الاحتلال.
ظافر العاني: أميركا التي جاءت بالقوى السياسية العراقية في مثل هذا اليوم قبل 23 عاماً هي نفسها التي تقصفها وتعاديها وتضعها على لوائح الإرهاب اليوم
مشهد المقاتلات الأميركية وهي تقصف بغداد والبصرة والأنبار وبابل، يتجدد في العراق راهناً منذ نحو 40 يوماً، لكن هذه المرة على جهات كانت محسوبة حليفة لواشنطن قبل 23 عاماً، في مفارقة يصفها السياسي العراقي والنائب في أول برلمان بعد الاحتلال الأميركي للعراق، ظافر العاني، بأنها دليل على فشل أميركي مُطلق بالعراق. وأضاف العاني: "من المفارقات أن أميركا التي جاءت بالقوى السياسية العراقية في مثل هذا اليوم قبل 23 عاماً هي نفسها التي تقصفها وتعاديها وتضعها على لوائح الإرهاب ومنتهكي حقوق الإنسان". وقال العاني في حديث مع "العربي الجديد" إن الأحزاب السياسية التي تسلمت الحكم بعد صدام حسين بدعم أميركي "لم تكتف بالانقلاب على واشنطن، وإنما ارتمت في حضن عدوها التقليدي إيران ضاربة عرض الحائط تاريخاً معروفاً لها مع المخابرات الأميركية والبنتاغون، إلى الحد الذي وصفت به واشنطن مراراً هذا السلوك بأنه خيانة".
جيوش لا جيش واحد
2026 يُمكن اعتباره عاماً تنافست فيه الفصائل المسلحة والمليشيات مع الجيش العراقي على لقب "القوة الأولى" في البلاد، إذ تتوزع الجماعات المسلحة تحت مظلة "الحشد الشعبي" على طول الخريطة العراقية، بعديد قوامه أكثر من 230 ألف عنصر، وفقاً لأرقام رسمية، وبقواعد ومعسكرات مستقلة لها، ودعم سياسي يفوق الدعم الذي يتلقاه الجيش العراقي. الفصائل العراقية التي يناهز عديدها السبعين اسماً وعنواناً مختلفاً بخلفيات دينية وعقائدية، تتحوّل إلى الفاعل الأهم في المشهد الأمني، بعد فشل الجيش العراقي الحالي في احتكار القوة وقرار الحرب والسلم بيده، وفقا لعضو الحزب الشيوعي العراقي عدنان الموسوي، الذي اعتبر أن "حلم الدولة المدنية" في العراق "يبتعد أكثر من أي وقت ممكن".
عدنان الموسوي: دروس العراق من الغزو الأميركي، لم تستوعبها بعض دول المنطقة، لا سياسياً ولا أمنياً
وأكد الموسوي لـ"العربي الجديد" أن "دروس احتلال العراق من الغزو الأميركي لم تستوعبها بعض دول المنطقة، لا سياسياً ولا أمنياً، ولا اجتماعياً، أهمها أن النظام يكون قوياً بقناعة الناس به لا بخوفهم منه"، معتبراً أن "الحرب الحالية على إيران وما تمر به المنطقة يمكن اعتباره نتائج ملموسة لعدم فهم الدرس العراقي الذي قد يتكرر مرة أخرى". وختم بالقول إن "إسرائيل والولايات المتحدة تتفقان على إيران وفق ذات المشروع والأهداف التي مزقت العراق".
كلفة لم تتوقف منذ الغزو
وللعام الثالث والعشرين، ترفض المؤسسات العراقية المعنية باحتساب تكلفة احتلال العراق والحرب الأميركية عليه، وأبرزها وزارات الصحة والداخلية والتخطيط، تزويد وسائل الإعلام والصحافيين بأي أرقام محددة، ويبدو أن الرد الجاهز منذ عام 2011 وهو عام انسحاب الجيش الأميركي من بغداد، ما زال حاضرا، وهو "عدم وجود قاعدة بيانات فعلية لديها". غير أن مسؤولاً عراقياً في الأمانة العامة لمجلس الوزراء قال لـ"العربي الجديد"، طالباً عدم الكشف عن اسمه، كونه غير مخول بالتصريح، إن "العراق ما زال لغاية الآن يدفع خسائر بشرية ويفقد أرواحا بشكل مباشر من الاحتلال الأميركي، عدا عن الخسائر التي ترتبت على هذا الاحتلال لاحقاً". وكشف عن تسجيل المدن العراقية التي استعملت فيها الولايات المتحدة القنابل المحرمة دوليا، مثل النابالم والفوسفور الأبيض، وأبرزها البصرة والفلوجة وبغداد، حالات سرطان أعلى من المعدل الطبيعي بضعفين، عدا عن حالات التشوه الولادي التي اعتبر أنها تحولت إلى "فوبيا" لدى المتزوجين الجدد في تلك المناطق، بسبب تكرار حالات التشوه.
عام 2016 إبان حكومة حيدر العبادي كان هناك مشروع لاحتساب الخسائر البشرية التي خلّفها الاحتلال الأميركي للعراق، لكنه توقف بدون معرفة سبب ذلك على الرغم من تشكيل فريق عمل من وزارات الداخلية والدفاع والصحة والتخطيط وبمشاركة وإشراف الأمانة العامة لمجلس الوزراء، وفقاً للمسؤول ذاته، الذي قال إن العراق فقد من أهله أكثر من نصف مليون جراء الغزو الأميركي وما أعقبه من فقدان الأمن التام.
وكشف المسؤول العراقي عن عدم وجود أي أرقام للسنوات من 2003 و2004 ولغاية أغسطس/آب 2005 للخسائر البشرية والمادية جراء احتلال العراق وأن الوزارات العراقية بدأ أرشيفها بعد هذا التاريخ، بالتوثيق الورقي وليس الإلكتروني، وهو ما يحتاج إلى عمل وطني كبير لاحتساب كلفة الغزو. وأضاف: "على الرغم من ذلك، فإن الرقم الذي يمكن تقديمه للعالم أن الأميركيين تسببوا خلال احتلال العراق بسقوط أكثر من 600 ألف شهيد، بشكل مباشر أو نتيجة احتلالهم العراق، بالإرهاب والعنف اللذين أعقباه، وهناك نحو مليون جريح ومفقود في العراق، لا يُعلم عنهم شيء. تتصدر بغداد ومدن شمال وغرب العراق قائمة ضحايا الاحتلال وتداعياته".
احتلال العراق جعله يحافظ على المركز الأول في كونه الدولة التي تحتوي على أكبر عدد أيتام في العالم، بواقع 5 ملايين يتيم، و2 مليون أرملة، وفقاً لبيانات ومسوحات سابقة، أصدرتها المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق، وهي واحدة من الهيئات المستقلة المرتبطة بالبرلمان العراقي، أكدت أن العراق يحتوي على خُمس أيتام العالم. في المقابل يحافظ العراق على تصدره دول النزوح والهجرة، حيث ما زال أكثر من مليون وربع المليون نازح داخل العراق بعيدين عن مدنهم، لأسباب عديدة أهمها سيطرة الجماعات المسلحة الموالية لإيران على مناطقهم، مثل جرف الصخر، والعوجة، والعويسات، بينما تشير تقديرات غير رسمية إلى أن أكثر من 5 ملايين عراقي تركوا بلادهم جراء الاحتلال الأميركي، كان الأكبر في هذا النزوح هو المكون المسيحي الذي تراجع حضوره في العراق جراء هذا الاحتلال إلى أقل حد متصور بعدما كان المكون الرابع بعد العرب الشيعة والعرب السنّة والأكراد.
كما كشفت البيانات عن انخراط مليون طفل عراقي في سوق العمل، بالنظر لحالة العوز التي تعاني منها العوائل الفقيرة. كما أشارت إلى وجود 4 ملايين ونصف مليون طفل ترزح عوائلهم تحت خط الفقر، إلى جانب افتقار 45 ألف طفل لأوراق ثبوتية رسمية نتيجة انتماء آبائهم لتنظيم داعش. بينما تشير تقارير "يونيسف" للعام 2025 إلى وجود نحو 3 ملايين طفل عراقي خارج مقاعد الدراسة.
مسؤول عراقي: العراق ما زال لغاية الآن يدفع خسائر بشرية ويفقد أرواحاً بشكل مباشر من الاحتلال الأميركي
وتحافظ البطالة والفقر على معدلاتهما بين 22 و25%، وفقا لمسوحات تصدرها وزارة التخطيط العراقية بين وقت وآخر، وتتصدر المثنى والأنبار وديالى وبابل وتليها بغداد ونينوى. بينما أظهر المسح السكاني الأخير الذي أجرته الحكومة، وجود 3 ملايين عراقي يعيشون في منازل "التنك"، أو الصفيح، والتي يطلق عليها بالعراق مجازاً اسم "العشوائيات". في وقت أعلنت الداخلية العراقية تراجع معدل الجريمة في البلاد إلى 13% في عام 2025، بما فيها جرائم تعاطي المخدرات وتجارتها.
عن هذه الأرقام قال مثنى الضاري، مسؤول القسم السياسي في هيئة علماء المسلمين، أبرز الواجهات العراقية التي حافظت على موقفها من الغزو الأميركي ومخرجاته في البلاد، إن "عدّاد ضحايا الحرب الأميركية على العراق لم يتوقف منذ 23 عاماً ولغاية الآن". ولفت الضاري في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى أن "الفشل الأميركي المُركّب في العراق"، هو أحد أسباب الحرب الحالية الجارية في المنطقة، حيث إن "الولايات المتحدة وحليفها الكيان الصهيوني يعودان بعد أكثر من عقدين لمواجهة عسكرية مباشرة مع إيران، في محاولة للحد من تأثيرها بمصالحهما، ودرءاً للمخاوف بشأن مخاطر الملف النووي والترسانة الصاروخية المهددة لهما". وأشار إلى أن "هذه الحرب على إيران تتوافق مع ذكرى غزو العراق واحتلاله قبل 23 عاماً، حيث يتجدد المشهد عينه، وتستهدف إيران وتوابعها في المنطقة، وتُستهدف الفصائل وأحزاب العملية السياسية المرتبطة بها في العراق، بعد انتفاء مقتضيات التخادم طويل الأمد بين الطرفين".
من جهته، قال الخبير في الشأن السياسي العراقي، قيس الدوري، لـ"العربي الجديد"، إن "العراق لا يعيش مجرد ذكرى غزو، بل ما زال في الامتداد السياسي والأمني لهذا الغزو". وأكد في الوقت ذاته أن "العراق اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما، إما أن يبقى ساحة تُدار فيها الصراعات، أو يتحول إلى دولة توازن تفرض سيادتها وتعيد ضبط علاقاتها الإقليمية على أساس المصالح الوطنية"، معتبراً أن "المؤشرات الحالية لا تزال تميل إلى بقاء العراق ضمن دائرة التأثر، لكن الفرصة لا تزال سانحة، والمسألة تتوقف على الإرادة السياسية وقدرة الدولة على استعادة قرارها".