دعوات التهدئة تؤجج معارك الجيش السوداني والدعم السريع

03 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 04:03 (توقيت القدس)
مناوي، مخيم للاجئين بالولاية الشمالية، 26 نوفمبر 2025 (إبراهيم حامد/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تصاعدت المعارك بين الجيش السوداني ومليشيات الدعم السريع في كردفان، مع تبادل السيطرة على المناطق وتحشيد عسكري مستمر، وسط فشل الوساطات الدولية والهدنة المعلنة.
- شن الجيش السوداني هجمات في جنوب كردفان ضد الحركة الشعبية المتحالفة مع الدعم السريع، بينما كثفت المليشيات هجماتها في غرب كردفان، مع تبادل الاتهامات بخرق الهدنة.
- تدهور الوضع الإنساني في دارفور وكردفان مع تزايد النزوح، وحذرت الأمم المتحدة من تأثير انعدام الأمن على المدنيين، مع تعقيد الأوضاع بسبب الدعم الخارجي للمليشيات.

تصاعدت وتيرة المعارك بين الجيش السوداني ومليشيات الدعم السريع في عدد من الجبهات، خصوصاً إقليم كردفان جنوب وسط البلاد، حيث وسّع الجيش من عملياته العسكرية، مقتحماً مناطق خاضعة لسيطرة "الدعم السريع" والمليشيات الموالية لها في ولايات غرب وشمال وجنوب كردفان. وتشهد هذه الولايات منذ أيام عمليات كر وفر وتبادل السيطرة على عدد من البلدات، مع استمرار التحشيد العسكري حول المدن الكبيرة في الإقليم، وتعهدات من الجيش والقوات المساندة له بالاستمرار في المعارك حتى تعلن "الدعم" الاستسلام وتضع السلاح. وتأتي التطورات الميدانية في ظل فشل الضغوط والوساطات الدولية والهدنة المعلنة من جانب "الدعم السريع"، الشهر الماضي، والتي لم تلتزم بها على الأرض، في تخفيف حدة المواجهات.

معارك في كردفان

وطاولت أبرز هجمات الجيش، في الأيام الماضية، مناطق خاضعة لسيطرة الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة عبد العزيز الحلو، المتحالفة مع "الدعم السريع"، في جبال النوبة بولاية جنوب كردفان، حيث اقتحمت قوات الجيش عدداً من المناطق عبر هجوم ضخم من ثلاثة اتجاهات. وسيطرت على بلدات كرتالا وتبسة وقردود نياما، ما أدى في المقابل إلى حشد الحركة الشعبية قواتها لصد هجمات الجيش. كما شن الجيش، السبت الماضي، غارات جوية لأول مرة منذ بداية الحرب على مدينة كاودا الحصينة، والتي تعتبر المعقل الرئيسي للحركة الشعبية.

وقالت الحركة في بيان، أول من أمس الاثنين، إنها تمكنت من استعادة منطقة قردود نياما بمقاطعة تقلي الجديدة، مضيفة أن الجيش سيطر على المنطقة خلال الأيام الماضية. وأشارت إلى أن "الجيش الشعبي" الذي يضم عناصرها سيواصل عملياته لتحرير جميع فرق وحاميات القوات المسلحة و"مليشياتها الإرهابية".

أعلن الجيش إحباط هجوم للدعم السريع على بابنوسة في ولاية غرب كردفان

وبالتزامن مع تحركات الجيش في جنوب كردفان كثفت "الدعم السريع" هجماتها على مقر الفرقة 22 مشاة التابعة للجيش في مدينة بابنوسة، بولاية غرب كردفان. وشهدت المدينة، أول من أمس، معارك ضارية وقصفاً مدفعياً عنيفاً، حتى أعلنت "الدعم"، مساء اليوم نفسه، السيطرة على المدينة ومقر الفرقة، متهمة الجيش بخرق اتفاق الهدنة، واضطرار قواتها للرد على الهجمات. لكن الجيش السوداني أكد، في بيان صباح أمس الثلاثاء، إحباط قواته للهجوم على بابنوسة، مضيفاً أن "الدعم" واصلت مهاجمة المدينة رغم الهدنة المعلنة من جانبها. وأوضح أن الهدنة التي أعلنها قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو

(حميدتي)، في 24 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، ليست سوى "مناورة سياسية وإعلامية مضللة تهدف للتغطية على تحركاتهم الميدانية وتدفق الدعم الإماراتي المتواصل لتأجيج الحرب وقتل السودانيين".

وفي دارفور غربي البلاد، شنت "الدعم السريع"، الأسبوع الماضي، هجمات بطائرات مسيّرة طاولت مناطق صغيرة ما زالت تسيطر عليها القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح (حركات موقعة على سلام مع الحكومة) المساندة للجيش، وهي بلدات أمبرو وكرنوي والطينة. وقال حاكم إقليم دارفور التابع للحكومة المركزية ورئيس حركة تحرير السودان المساندة للجيش، مني أركو مناوي، على صفحته بموقع فيسبوك أمس، إن "العهد مع الشعب السوداني أن المعارك لن تتوقف قبل أن تضع مليشيا الجنجويد، في إشارة إلى "الدعم السريع"، سلاحها على الأرض، وقبل أن تخرج من منازل المواطنين التي استباحت حرمتها وقبل أن يعود كل نازح ولاجئ إلى أرضه ودياره مرفوع الرأس".

من جانبه قال رئيس وزراء حكومة "تحالف تأسيس" الموازية، التابعة لـ"الدعم"، محمد حسن التعايشي، في بيان مساء أول من أمس، إن الجيش السوداني شنّ هجوماً غادراً على قواتهم في بابنوسة في محاولة لاستغلال التزامهم بالهدنة الإنسانية. واعتبر أن "تحرير" بابنوسة يفتح أمامهم آفاقاً أوسع لوضع استراتيجيات عسكرية أكثر مرونة وفاعلية، ويعزز المكاسب على الأرض التي تمهّد لسلام حقيقي وإنهاء شامل للحرب. واتهم التعايشي "الاسلاميين" بإشعال الحرب ورفض جميع المبادرات الجادة وآخرها مبادرة اللجنة الرباعية (الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات).

وفي تصريح على صفحته بموقع فيسبوك، قال مستشار حميدتي، الباشا طبيق، أمس الثلاثاء، إنه بعد رفض قائد الجيش عبد الفتاح البرهان

الهدنة الإنسانية التي تقدمت بها الرباعية الدولية وإعلان الجيش السوداني التعبئة العامة والاستنفار، يُصبح لقوات تحالف "تأسيس" الذي تقوده مليشيات الدعم السريع "الحق المشروع في الرد على أي هجوم يستهدف المدنيين". يأتي ذلك وفق طبيق، بما يشمل استهداف أي تجمعات عسكرية أو حشود تابعة لما وصفها بـ"مليشيات كتائب البراء الإرهابية والحركات المسلحة وقوات درع السودان المساندة للجيش بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة واتفاقيات جنيف".

في غضون ذلك حذّر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، في تقرير أول من أمس، من تزايد الاحتياجات الإنسانية في منطقتي دارفور وكردفان، وكذلك في أنحاء ولايتي شمال دارفور ونهر النيل. وقال إن الوضع في مدينة الفاشر (عاصمة ولاية شمال دارفور) التي سيطرت عليها الدعم السريع "لا يزال شديد التقلب، وانعدام الأمن لا يزال يُؤثر على المدنيين، بما في ذلك حوادث سطو مسلح دامية". وأشار إلى أن منظمات الإغاثة لا تزال غير قادرة على الوصول إلى المدنيين داخل الفاشر.

وذكر المكتب أنه حتى الأسبوع الماضي، نزح أكثر من 106 آلاف شخص من المدينة والقرى المحيطة بها منذ أواخر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وفقًا للمنظمة الدولية للهجرة، لافتاً إلى أنه في ولاية جنوب كردفان، لا يزال العنف يُسبب موجات نزوح جديدة، حيث أفادت المنظمة الدولية للهجرة أن أكثر من 1600 شخص فرّوا الجمعة الماضي من قرية كرتالا بسبب استمرار المعارك. وأكد المكتب أن النزوح من ولاية شمال دارفور ومنطقة كردفان يُفاقم الاحتياجات في ولايتي شمال دارفور ونهر النيللافتاً إلى أنه في شمال دارفور وحدها، تُقدّر السلطات المحلية أن سبعة آلاف شخص لجأوا إليها في الأسابيع الأخيرة، موزعون في أنحاء ريف مدينة الدبة بالولاية الشمالية، مع وصول أكثر من 300 شخص يومياً.

وكان البرهان قد قال إن أي حل أو مبادرة لا تتضمن تفكيك المليشيا المتمردة الإرهابية، في إشارة الى "الدعم السريع" وتجريدها من السلاح هو أمر مرفوض لديهم تماماً وهذه "قناعة راسخة". وأضاف خلال حفل تأبين أقامته حركة جيش تحرير السودان المساندة للجيش في مدينة بورتسودان، أول من أمس، أن الخيارات والحلول باتت محدودة بسبب حجم الدماء والشهداء والمعاناة في مناطق واسعة من السودان، وخصوصاً في إقليم دارفور ومدينة الفاشر. وتعهّد بالقصاص من "المجرمين والقتلة والحاقدين" الذين ارتكبوا كل أنواع الجرائم، داعياً كل من يرغب في حمل السلاح لمحاربة المليشيا، قائلاً: "مرحباً به للقضاء على المليشيا الإرهابية المتمردة".

مطالب الجيش السوداني

في هذا الصدد قال المحلل السياسي السوداني، صلاح مصطفى، لـ"العربي الجديد"، إن "الضغوط الدولية الداعية لهدنة وعلى رأسها تحركات اللجنة الرباعية لا تفعل ما يكفي لتلبية مطالب الجيش السوداني الذي يرى أنه المسؤول الشرعي عن البلاد حالياً وليس الدعم السريع باعتبارها قوات متمردة عليه ولا ينبغي المساواة بينهما".

صلاح مصطفى: استمرار الدعم الخارجي الذي تحصل عليه الدعم السريع يحول دون التوصل لحلول

وأضاف أن "استمرار الدعم الخارجي الذي تحصل عليه الدعم السريع يحول دون التوصل لحلول، لأن من يقدمون الدعم يريدون مقابلاً في حال جلس الطرفان للتفاوض وإنهاء الصراع". وأوضح ان هذا المقابل "هو بقاء الدعم السريع قوةً عسكريةً أو على الأقل سياسيةً واقتصاديةَ مستقبلاً، وهو ما يرفضه الجيش، ولن تقبل به الدعم السريع ما لم تنقطع عنها المساعدة الخارجية".

من جانبه اعتبر المستشار في الأكاديمية العليا للدراسات الاستراتيجية والأمنية (الخرطوم)، اللواء معتصم عبد القادر، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن "مليشيا الدعم السريع اعتادت دائماً في حالات الانهيارات والانشقاقات والمشاكل أن تطلب الهدن". وأوضح أنه "عند إقرار الهدنة السابقة (2023) في مدينة جدة السعودية لم تلتزم (الدعم) بها، كما أن الدول التي رعت الهدنة (السعودية والولايات المتحدة) لم تضع آليات تنفيذية واضحة لتلك الهدن فاستغلتها الدعم السريع للانتشار في عدد من الولايات". وأشار إلى أنه "عندما طلب الأمين العام للأمم المتحدة (أنطونيو غوتيريس) دخول المساعدات إلى مدينة الفاشر لأسبوع، رفضت الدعم ذلك وأصرت بعد تلقيها دعماً خارجياً على اقتحام المدينة وارتكاب المذابح". وأضاف أنه "عندما حاولت الأمم المتحدة إدخال مساعدات للفاشر عبر مدن الكوة ومليط تم حرق الشاحنات ونهب الإغاثة".

معتصم عبد القادر: تلجأ الدعم السريع لدعوات التهدئة لإعادة ترتيب أوضاعها ميدانياً

وفي رأي عبد القادر، تلجأ الدعم السريع إلى دعوات التهدئة "لإعادة ترتيب أوضاعها، خصوصاً بعد الانهيارات بصفوفها في إقليمي كردفان ودارفور، وبعد أن قطع عليها الجيش السوداني خطوط الإمداد من شرق ليبيا وتشاد ومن جنوب السودان". بالإضافة إلى "حدوث تغييرات إقليمية بمضايقة الدعم السريع في جنوب السودان، وتخوف إثيوبيا من التدخل في الشأن السوداني وتأثيره على أوضاعها الداخلية، بجانب الضغط الدولي عبر الشعوب والجاليات، وضغوط الرئيس الأميركي دونالد ترامب عبر ولي العهد السعودي محمد بن سلمان". وفي رأيه أسهم كل ذلك "في الضغط على الإمارات، مع تحركات الاتحاد الأوروبي في محاصرة الدعم السريع بقطع الأسلحة ووقف الإمداد الجوي له". وعدّ ما تقوم به "الدعم" من تحشيد وحصار المدن المعزولة "محاولة لإثبات أنها ما زالت موجودة في الساحة العسكرية، لكن الواقع يؤكد فشلها ميدانياً بصورة تامة".