دسّاس السّم أفيخاي أدرعي يغادر منصبه: ذراع الدعاية الإسرائيلية بلسان عربيّ

12 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 13 نوفمبر 2025 - 16:20 (توقيت القدس)
أفيخاي أدرعي (وسائل التواصل الاجتماعي)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- استخدم العقيد أفيخاي أدرعي استراتيجيات إعلامية خبيثة للتأثير على الوعي العربي، مروجًا لسياسات الاحتلال ومبررًا لجرائمه عبر المنصات الرقمية.
- اعتمدت الحركة الصهيونية منذ تأسيسها على الإعلام لبناء سرديتها وتبرير وجودها في فلسطين، بينما ظلت الصحافة الفلسطينية صوتًا مقاومًا ضد المشروع الصهيوني.
- رغم مغادرة أدرعي لمنصبه، يستمر تأثيره الإعلامي في تزوير الحقائق، وتواجه المنطقة تحديات إعلامية مع سعي إسرائيل لتعزيز تحالفاتها الإقليمية.

"قال النبيّ محمد صلى الله عليه وسلم: لا تقتل شيخاً ولا طفلاً ولا صغيراً ولا امرأة"، ناقل الحديث الشريف هُنا لم يكن صحابياً جليلاً، كما أنه ليس زاهدا أو صوفياً من رفاق شمس الدين التبريزي، ولكنه "الثَّعلَبُ (الذي) برز يَوماً في ثيابِ الواعِظين"، دائباً على حثِّ شعوب المنطقة على اتباع القيم الدينية والأخلاق ونبذ "العنف والإرهاب"، خائضاً معركة إدراكية باستراتيجيات خبيثة تفوّقت حتّى على منظومة الدعاية النازية. عايد "الثعلب" مشارب العرب وطوائفهم في كل مناسبة، المسيحيين والمسلمين، الدروز والبدو.... وحتى الشركس، ولم ينسَ للحظة حتى معايدة الآشوريين والكلدان بالأكيتو، إلى حدٍّ كاد بعضُ العارفين أن يُخطئوا حين ظنوا أن لهذا الثعلب ديناً.

الحديث هُنا عن دسّاس السّم في العسل، المتحدث باسم جيش الاحتلال باللغة العربية، العقيد أفيخاي أدرعي، الذي لاح "نجمه" منذ عقدين بعد أن تمرّس في الوحدة 8200، التابعة لشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان)، قبل أن يواصل خدمته العسكرية ليصبح لاحقاً رئيساً لقسم الإعلام العربي في وحدة المتحدث باسم الجيش في إطار خطة فك الارتباط عن غزة.

ومع الطفرة الرقميّة، لم يترك أدرعي، الذي قرر مغادرته منصبه، أمس الثلاثاء، أداة أو منصة تعتب عليه حتى استخدمها شُقاً يتسرّب منه إلى كل بيتٍ من بيوت المنطقة العربية. وهكذا أطل من شاشات الهواتف وبعض شاشات التلفزة العربية حتّى، واعظاً أو ناصحاً مرّة، ومهدداً ألف مرّة، آمراً المسحوقين في غزة، ولبنان واليمن وحتّى إيران بمغادرة منازلهم تحت طقطقات آلات القتل الجوية.

قَبْل أفيخاي بِأكثر من قَرْنٍ! 

جيّرت الحركة الصهيونية منذ تأسيسها، الإعلام وسيلة مركزية لبناء سرديتها، رابطةً بين المبررات الدينية التوراتية والمشاريع الاستعمارية الأوروبية؛ ثم تحوّل إلى أداة لجمع شمل اليهود المشتتين في العالم وتوجيههم نحو فلسطين، قبل أن يصير وسيلة لتبرير الوجود الصهيوني والدفاع عن "حقه" في البقاء والوجود؛ حيث تأسست في عام 1942 "هيئة التحرير" التي جمعت القيادات السياسية ورؤساء الصحف بهدف توجيه الإعلام لخدمة المشروع الصهيوني، وضبط المحتوى بما يعزز الروح المعنوية الصهيونية.

وقبل ذلك، وتحديداً في وقت مبكر من القرن الماضي بين عامي 1905 و1930، استخدمت الحركة الصهيونية آليات مختلفة للسيطرة على الوعي العربي والفلسطيني وإضعاف الإعلام المقاوم والرافض للوجود الصهيوني في فلسطين، مثل صحف "الكرمل" و"فلسطين" و"بيت المقدس" التي زخرت جميعها بمقالات حذّرت من خطر المشروع الصهيوني.

وفي سبيل مواجهة النشاط الإعلامي الفلسطيني المناهض، عقدت الوكالة الصهيونية بين 1908 و1914 اجتماعات لتنسيق الجهود الرامية إلى ضرب الصحافة الفلسطينية، وشكّلت لجنة مختصة اقترحت إنشاء صحيفة عربية صهيونية تخاطب الفلسطينيين بلغتهم، إلى جانب تمويل صحف عربية وإدخال إعلانات دعائية لتمرير الرسائل الصهيونية، بل وشراء صحافيين فلسطينيين لخدمة المشروع؛ ومن هنا بدأت المشاريع الصهيونية لمخاطبة "العدوّ العربي" بلغته، وأبرزت شخصيات على شاكلة أفيخاي، يتحدّث بأسلوب العصر وأدواته. ويذكر البروفيسور الإسرائيلي في التاريخ، يعكوف روئي، أنّ شخصيات صهيونية بارزة مثل مناحيم أوسيشكين وأرتور روبين قادت جهوداً منظمة لمتابعة الصحف الفلسطينية والردّ عليها بمقالات مضادة، بل والسعي لشرائها أو استقطاب محرريها. كذلك ظهرت محاولات لتأسيس صحف عربية صهيونية تُبرز مزاعم "فوائد" الاستيطان اليهودي، لكنها فشلت بسبب ضعف الموارد ومقاومة الصحف الفلسطينية والعربية لتلك المساعي.

ورغم الضغوط المالية والسياسية والقضائية، فشلت الجهود الصهيونية في السيطرة الكاملة على الصحافة الفلسطينية، التي ظلت صوتاً وطنياً مدافعاً عن الأرض والهوية، متمسكة بموقفها المناهض للاستعمار، لتشكل بذلك إحدى أولى جبهات الوعي المقاوم في مواجهة المشروع الصهيوني. بعد عقود طويلة، تبوأ الإعلام مكانة محورية في المؤسسات الحكومية الإسرائيلية المختلفة، إذ تمتلك كل وزارة جهازاً إعلامياً خاصاً بها، فيما تتولى وزارة الخارجية الإشراف على ما يُعرف بـ"الهاسباره"، وهي منظومة دعائية كاملة تسعى لغسل الإجرام الإسرائيلي وتبيضه لتبرير الممارسات الاستعمارية، عبر خطاب مُهَندس يُسوّق إسرائيل "واحةً للديمقراطية والتقدّم في صحراء الجهل والتخلّف والدكتاتورية العربية المُعادية والمتطرفة". أمّا الهدف من ذلك كلّه، فهو جعل وجودها طبيعياً ومقبولاً، قبل أن يمتد ليصبح مفروضاً ونافذاً على المنطقة.

معركة إدراكية مكمّلة للنار

تولّى أفيخاي أدرعي منصبه في زمن التّطور التكنولوجي، ما أفسح له المجال ليطل ضيفاً ثقيلاً على شاشات عربية لتبرير جرائم الاحتلال، ومخاطبة الشارع العربي وتحريضه. فكان يردّ على التنديدات في كل ظهور باستراتيجيات خبيثة مختلفة تبدأ من الإنكار وتصل أحياناً إلى حد الاعتذار لشرعنة الكذبة، وأحياناً اللجوء إلى الأسلوب الدفاعي لتبرير استخدام القوة العسكرية باعتبارها تحقق ضرورات أمنية، وليس ضد البيئات المدنية.

وسواء على شاشات التلفزة أو المنصات الرقمية؛ ساحته المفضلة، اتبع المتحدث باسم جيش الاحتلال استراتيجيات متنوّعة تتسق مع عدّة شُغله، بينها استراتيجية توجيه التهم مثل تلك التي وجهها لحركة حماس باستخدام المستشفيات والمرافق المدنية لأهداف "إرهابية"، ولحزب الله باستخدام بيوت اللبنانيين ومساحاتهم للأهداف ذاتها، وذلك لتبرير عمليات القصف الجوي وإصباغها شرعية. أو حتّى بالاتهامات التي وجهها لصحافيين فلسطينيين كُثر لتبرير جرائم قتلهم خلال تأدية عملهم. وفي أحيان كثيرة، وجّه أفيخاي رسائله إلى العالم العربي باستخدام الأدوات والمنصات الرقمية مقدماً معلوماته على شكل حقائق، ليظهر وكأنه يمتلك المعلومات الصحيحة.

وشكّل أدرعي خلال سنوات خدمته متحدثاً لجيش الاحتلال على مدار عقدين، ذراعاً إعلامية في العمليات الإدراكية التي تعدّ مكملاً للجهد الحربي. وفي هذا الإطار، يستعرض الباحثان في معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، غابي سيبوني، وغارل فينكيل في تقرير مشترك لهما، النشاطات التي كثّفها الجيش في إطار عمليات تشكيل الوعي، بهدف تأسيس منظومة قوية وذات أثر في هذا المجال. ضمن ذلك، ذكر الباحثان أنه طُوِّرَ تصورٌ لعمليات تشكيل الوعي، بالتزامن مع تطوير الأدوات التكنولوجية، وتأهيل القوى البشرية المناسبة، وبناء أُطرٍ مؤسساتية داعمة. وقالا إنه في إطار ما سبق "يأتي استخدام القدرات المُعلَنة للناطق باسم الجيش بما يسمح بوجود خطابٍ مباشرٍ مع جماهير واسعة في الدول المعادية، بما يشمل الخطاب مع العناصر الإرهابية في الشبكات الاجتماعية".

طبقاً للباحثين، فإن القدرات المتنوعة التي استخدمها أفيخاي وغيره من المتحدثين باسم الجيش، طوّرت داخل الأخير نفسه وفي جهاز الاستخبارات، أمّا غرضها الرئيس فهو خلق شرعيةٍ لإسرائيل لدى الجماهير العربية والدولية، والتأثير بالعدو، والحفاظ على قوة الردع. وذكرا أن التطور التكنولوجي والحضور (الإسرائيلي) في الشبكات الاجتماعية، سواء كان حضوراً مُعلناً أو مخفياً، ذخر استراتيجي لإسرائيل، يرافق استخدام القوة القتالية المُميتة.

في المحصلة، لعب أفيخاي خصوصاً في سياق الحُروب التي تشنها إسرائيل على دول المنطقة، دوراً محورياً في إعادة إنتاج الواقع وقلب الحقائق وتزويرها بما يتسق مع السردية الإسرائيلية ويتلاءم مع مشروع تطبيع وجود إسرائيل وفرضه على المنطقة، لتعزيز تحالفاتها الإقليمية بما يخدم مصالحها. ومع أن "لعبة" أفيخاي ومكره الدنيء لم يمرا على الأكثرية العربية التي وجه رسائله إليها، ورغم أنه ترك منصبه بعد عقدين من دسّ السّم في العسل، إلا أن رحلة الثعلب في الوعظِ لم تنته هُنا... فقد غادر أفيخاي وحضرت كابتن آيلا.

المساهمون